الصادق جاد المولى
في الحادي عشر من أكتوبر الجاري، وجهت مليشيا الحوثي تحذيرًا إلى شركات الطيران والمسافرين من استخدام المطارات السعودية، عقب الاعتداءات التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي بالرياض. وحمل التحذير محاولة واضحة لتوسيع نطاق الرسالة العسكرية، ونقلها إلى جمهور يتجاوز أطراف المواجهة، بعدما أظهرت الاعتداءات خطورة التهديد على الطيران المدني وسلامة المسافرين. وقد أعاد ذلك إلى الواجهة جانبًا مهمًا من الاستراتيجية الإعلامية للحوثيين، يتمثل في توظيف العمليات العسكرية لإنتاج رسائل سياسية ونفسية تستهدف الداخل اليمني والرأي العام الإقليمي والدولي.
تكشف مراجعة الخطاب الإعلامي لمليشيا الحوثي عن أوجه شبه مع التجربة التي طورتها مليشيا الدعم السريع في السودان، خاصة في صناعة الأخبار العسكرية، وتقديم الوقائع الميدانية، واستخدام المنصات الرقمية لتوسيع انتشار الروايات الصادرة عن القيادات. وقد اهتم الطرفان بإظهار القوة والقدرة على مواصلة القتال، مع اختلاف واضح في طبيعة المؤسسات الإعلامية التي يعتمدان عليها والجمهور الذي يتوجهان إليه.
بدأت مليشيا الحوثي إنشاء جهازها الإعلامي قبل السيطرة على صنعاء، بإطلاق قناة «المسيرة» عام 2012. وعقب دخول العاصمة اليمنية في سبتمبر 2014، توسعت سيطرتها على المؤسسات الإعلامية الحكومية والصحف والإذاعات، وأغلقت منابر مستقلة، وفرضت قيودًا على الصحفيين. ووفق دراسة أصدرها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في يونيو 2024، أصبح الإعلام أحد المكونات الرئيسية لمشروع الجماعة السياسي والعقائدي، وأداة لتعبئة السكان وتثبيت سلطتها في المناطق الخاضعة لها.
وقد منحت هذه السيطرة مليشيا الحوثي قدرة على توحيد الرسائل الإعلامية وربطها بالمواقف العسكرية والسياسية. تعمل القنوات والمواقع الإخبارية والإذاعات التابعة لها ضمن خطاب تتكرر فيه المفردات والتوصيفات، ويجري تعديله وفق تطورات الحرب ومتطلبات التفاوض. وتظهر هذه المرونة في انتقال الحوثيين بين خطاب المواجهة العسكرية والحديث عن التسويات السياسية، مع استمرار تقديم نفسها ممثلًا لليمن في مواجهة الحكومة المعترف بها دوليًا.
وفي أبريل 2023، استثمر الإعلام الحوثي زيارة الوفد السعودي إلى صنعاء، ضمن الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، في تعزيز الصورة السياسية للجماعة الحوثية. فقد انتشرت صور استقبال رئيس مجلسها السياسي مهدي المشاط للسفير السعودي محمد آل جابر، وجرى توظيفها في خطاب يوحي باعتراف دبلوماسي بمكانة المليشيا. ولفت مركز صنعاء إلى أهمية تلك الصور في الاستراتيجية الإعلامية الحوثية، حيث أمكن تقديم زيارة ذات غرض تفاوضي ضمن سياق يخدم طموحات الجماعة السياسية.
واتخذت محاولة اكتساب الشرعية الإعلامية صورة أخرى في سبتمبر 2024، عندما زعم القيادي الحوثي محمد البخيتي أن الولايات المتحدة عرضت الاعتراف بحكومة الجماعة مقابل وقف هجماتها. ونقلت وكالة «رويترز» التصريحات، قبل أن تنشر نفيًا أمريكيًا صريحًا. وتوضح الواقعة كيف يمكن لتصريح غير موثق أن يكتسب انتشارًا دوليًا بمجرد ارتباطه بعاصمة كبرى، بصرف النظر عن مصيره اللاحق عند التحقق من مضمونه.
وفي السودان، اتجهت مليشيا الدعم السريع إلى بناء حضور إعلامي يعتمد بدرجة أكبر على المنصات الرقمية وشبكات الحسابات والمجموعات المؤيدة لقائدها محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي. وقد سبقت هذه الأنشطة اندلاع الحرب في أبريل 2023، وتركز جانب منها على تقديم قائد المليشيا شخصية سياسية مؤهلة لقيادة البلاد، وإبراز مواقفه من التحول الديمقراطي والقضايا الوطنية.
وفي أكتوبر 2021، أعلنت شركة «ميتا» إزالة 666 حسابًا على فيسبوك، و116 صفحة، و69 مجموعة، و92 حسابًا على إنستغرام، بعد اكتشاف شبكة نشاط منسق غير أصيل مرتبطة بالدعم السريع. وأوضحت الشركة أن بعض الحسابات انتحل صفات صحفيين وطلاب، فيما قدمت صفحات أخرى نفسها مؤسسات إخبارية مستقلة. وقد استخدمت الشبكة لإعادة نشر محتوى المليشيا وتضخيم التفاعل معه، بما يمنحه مظهر انتشار شعبي أوسع.
وتكررت هذه الأنماط عقب اندلاع الحرب. ففي أبريل 2023، كشف مختبر الأبحاث الجنائية الرقمية التابع للمجلس الأطلسي عن حسابات على منصة «إكس» تنشر رسائل متطابقة أو متقاربة لدعم حميدتي ومليشيا الدعم السريع. ورصد الباحثون إعادة نشر مواد مأخوذة من الحسابات الرسمية، إلى جانب تسجيلات تتعلق بالعمليات العسكرية، ومنها مقاطع زعمت إظهار سيطرة المليشيا على مطار مروي. وكانت بعض الحسابات تنشر المحتوى نفسه خلال دقائق، في نمط يشير إلى تضخيم منسق للروايات المتداولة.
تبرز المقارنة بين التجربتين اختلافًا في البنية الإعلامية أكثر منه في الغرض السياسي. فقد بنت مليشيا الحوثي جهازًا مؤسسيًا يشمل التلفزيون والإذاعة والصحافة والمنصات الرقمية، مستفيدة من سيطرتها على العاصمة اليمنية. وفي المقابل، برز اعتماد مليشيا الدعم السريع على الحسابات الإلكترونية والشبكات المؤيدة والمؤثرين، مع توظيف الوسائل الإعلامية التقليدية كلما أتيحت لها الفرصة.
ويظهر التشابه بصورة أوضح في الخطاب المتعلق بالنتائج العسكرية. فكلا الطرفين يستخدم مفردات تتضمن أحكامًا مسبقة على العمليات، ويحرص على إبراز التقدم الميداني، فيما تخضع أخبار التراجع لإعادة تفسير تتناسب مع احتياجات التعبئة الداخلية.
وقد شهد السودان مثالًا واضحًا في مارس 2025، عقب تقدم القوات المسلحة السودانية واستعادة مواقع رئيسية في الخرطوم. فبعد التصريحات التي أكدت استمرار وجود مليشيا الدعم السريع في العاصمة، أقر حميدتي بانسحاب قواته، ووصف الخطوة بأنها إعادة تموضع اتخذتها القيادة العسكرية. وقد جاءت تصريحاته بعد تحولات ميدانية وثقتها تقارير صحفية مستقلة، وأظهرت اتساع المناطق التي استعاد الجيش السيطرة عليها.
تستخدم مليشيا الحوثي أسلوبًا مختلفًا في إدارة النتائج الإعلامية لعملياتها، يقوم على توسيع نطاق التهديد وربطه برسائل سياسية تتجاوز طبيعة الأهداف العسكرية. إلى التركيز على المطارات والمنشآت الاقتصادية والمرافق الحيوية نظرًا إلى أهمية هذه المواقع وحساسيتها بالنسبة إلى حركة الطيران والتجارة والمصالح الدولية.
ولهذا تحرص الجماعة الحوثية على مخاطبة الشركات والمسافرين والمؤسسات الدولية بصورة مباشرة، مستفيدة من الانتشار الواسع الذي تحققه الأخبار المتعلقة بسلامة الطيران المدني. وتكتسب التحذيرات قيمة إعلامية مستقلة عن نتائج العمليات، نظرًا إلى ما تثيره من اهتمام لدى شركات النقل والتأمين ووسائل الإعلام الدولية.
يُلاحظ كذلك اختلاف الجمهور المستهدف لدى المليشيتين. فالإعلام الحوثي يخاطب جمهورًا محليًا من خلال التعبئة العقائدية والسياسية، وجمهورًا إقليميًا ودوليًا عبر القضايا الأمنية والملاحية. وفي السودان، تركز جانب كبير من الدعاية المرتبطة بالدعم السريع على إعادة تشكيل صورة المليشيا وقائدها أمام السودانيين، والتأثير في المواقف السياسية المتعلقة بالحرب والشرعية ومستقبل الحكم.
وتؤكد دراسة أصدرها المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في أبريل 2026 أن الحرب السودانية شهدت نشاطًا واسعًا في مجال الدعاية الرقمية والتضليل، شاركت فيه حسابات وشبكات مؤيدة لأطراف النزاع، مع صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المضلل بسبب محدودية التغطية الصحفية الميدانية.
وتتعامل المملكة مع هذه التطورات بيقظة مؤسسية وجاهزية متعددة المستويات، تشمل الدفاع والأمن، وحماية المنشآت، وإدارة الطوارئ، والخدمات الصحية، والطيران المدني، والعمل الدبلوماسي والتواصل الإعلامي. وهي مستويات مترابطة تتيح للدولة تنسيق استجابتها للتهديدات العسكرية وما يترتب عليها من آثار مدنية واقتصادية.
وقد أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السعودي، في التاسع من أكتوبر، أن فرق الطوارئ والجهات المختصة باشرت التعامل مع اعتداءين استهدفا مرافق مطار الملك خالد الدولي وطائرة تابعة للخطوط السعودية، وفق الإجراءات والخطط المعتمدة. وشملت الاستجابة نقل المصابين إلى المستشفيات وتقييم الأضرار والتحقق من سلامة المرافق. ومع تجدد الهجمات، أعلنت الهيئة في الثاني عشر من أكتوبر تمديد تعليق العمليات التشغيلية لاستكمال فحوص السلامة والجاهزية، وهو إجراء يعكس أولوية حماية الأرواح وإدارة المخاطر وفق متطلبات التشغيل الآمن.
وفي المؤتمر الصحفي الحكومي الذي عُقد في الثالث عشر من أكتوبر، أكد وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري استعداد المملكة للتعامل مع الحالات الطارئة، مشيرًا إلى التنسيق بين الجهات المعنية وإعطاء الأولوية لأمن المواطنين والمقيمين وسلامتهم. وتوفر هذه التصريحات، إلى جانب البيانات التشغيلية والأمنية، صورة عن طبيعة الاستجابة الرسمية التي تجمع بين مواجهة التهديد ميدانيًا وإطلاع الجمهور على تطوراته.
وتظل الجاهزية عملية مستمرة تتطلب تطوير القدرات الدفاعية ومراجعة الإجراءات ومعالجة الثغرات التي تكشفها الاعتداءات. وقد أظهرت الهجمات الأخيرة تحديات حقيقية تتعلق بحماية البنية التحتية المدنية من الصواريخ والمسيّرات، وهي تحديات تستدعي التنسيق بين المؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين. وفي هذا السياق، تكتسب الدبلوماسية السعودية وعلاقاتها الإقليمية والدولية أهمية إضافية في التعامل مع التهديدات التي تتجاوز آثارها الحدود الوطنية.
من الوجهة الإعلامية، تبرز أهمية التمييز بين الوقائع العسكرية المثبتة والروايات التي تصدر عن مليشيا الحوثي أو غيرها من الأطراف المسلحة. فالإعلان عن استهداف منشأة يحتاج إلى التحقق من طبيعة الهجوم ونتائجه، وتقييم مدى دقة البيانات المتعلقة به، ومقارنة التصريحات بالمعلومات الرسمية والشهادات والأدلة المستقلة.
وتنطبق هذه المعايير على تغطية الحرب السودانية، حيث أظهرت تجربة مليشيا الدعم السريع أن كثافة النشر وتعدد الحسابات لا تكفي لإثبات صحة الروايات المتعلقة بالسيطرة العسكرية أو المواقف السياسية. وقد أسهمت أدوات التحقق الرقمي والتحقيقات الاستقصائية في كشف عدد من هذه الممارسات، وتحديد أساليب تضخيم المحتوى وإعادة توزيعه.
تشير التجربتان إلى أن الإعلام أصبح عنصرًا رئيسيًا في إدارة الصراعات المسلحة، وأن المليشيات باتت تخصص له موارد وأدوات تنظيمية تتناسب مع أهميته السياسية والعسكرية. وتستخدم مليشيا الحوثي مؤسسات إعلامية خاضعة لسيطرتها لتوحيد خطابها وتوسيع حضوره الإقليمي، فيما تستعين مليشيا الدعم السريع بشبكات رقمية تسعى إلى تعزيز روايتها وإظهار التأييد لها.
تبقى النتيجة الأهم أن الانتشار الإعلامي - مهما اتسع - لا يمنح الرواية العسكرية صدقيتها، وأن الانتصارات التي تعلنها المليشيات تظل خاضعة لامتحان الوقائع. فالتاريخ العسكري يُكتب بما جرى على الأرض، وتبقى نشرات الأخبار سجلًا لما قيل عنه.