أكتب عن الأخ الأكبر والصديق الغالي عبدالعزيز بن عبدالعزيز الرشيد الذي وافته المنية يوم الاحد 7-5-1448هـ، ما أتفه هذه الدنيا، كيف يصبح الصديق الذي كان جزءًا من أيامنا ذكرى فجأة؟ ونحن لم نستوعب غيابه بعد؟
عرفته قبل أكثر من 25 سنة عن طريق خالي الغالي عبدالملك بن عبدالله الشثري (ألهمه الله الصبر والسلوان) على فقد صديقه وأخيه وحبيبه.
وأقول لك يا عبدالعزيز ..
كنت أخًا أكبر لي، ولك في القلب مكان لا أجد اليوم كلمات تفيه حقّه. لم أكن أقرب الناس لك ولم أكن التقيك كل يوم وكان الغياب يطول بيننا ولكن حين ألتقيك بعد غياب كأني التقيتك البارحة بلا تكلف أو رسميات، وأشعر بالراحة والطمأنينة، لعلّ أصعب ما في رحيلك أن الكلام كثير، والحزن أكبر من قدرتنا على قوله.
ليتك ترى مدى أثر فقدك في أحبابك، وذهولهم أمام خبر رحيلك. نؤمن بقضاء الله وقدره، ونسلّم لأمره، لكن القلوب موجوعة، والنفوس لم تستوعب بعد أن لقاءاتنا بك أصبحت ذكريات. نعرف أن الموت حق، ومع ذلك يهزّنا غياب من نحب، وتثقل علينا فكرة أننا لن نراه في هذه الدنيا مرة أخرى.
كانت طيبتك أول ما يعرفه الناس عنك، وأبقى ما يذكرونه منك. طيبة يعجز الوصف عن إنصافها، تظهر في حسن نيتك ورقي تعاملك، ويشعر بها من يجالسك. والناس على اختلافهم اجتمعوا على محبتك.
امتلأت وسائل التواصل باسمك، وبالدعاء لك، وبكلمات تذكر محاسنك. كنت أقرأ ما يكتبونه، وأرى في كل شهادة شيئًا منك نعرفه ونحبّه؛ هذا يذكر بشاشتك، وذاك يحكي عن طيب قلبك، وآخر يشهد بأصالة معدنك. لكل واحد منهم حكاية وذكرى، وفي كل حكاية أثر جميل تركته خلفك.
حتى الذين لم يعاشروك، ولم تجمعهم بك معرفة، تأثروا برحيلك، وأحبّوك من حب الناس لك. رأوا الحزن الصادق في كلمات أصحابك، وكثرة من يذكرك بالخير، فعرفوا شيئًا من الإنسان الذي فقدناه. وما أبلغ أن تبلغ محبة المرء قلوب لم تلقه.
هذا القبول نعمة عظيمة من الله، ونرجو أن تكون محبة الناس لك من بشائر محبته ورضاه عنك. لا نزكّيك على الله، ولكننا نشهد بما عرفناه عنك من أعمال بينك وبين ربك، ونحسن الظن برب رحيم كريم.
قبل أشهر فقط جئنا نعزيك في والدتك رحمها الله، واليوم نفقدك أنت. ما أقسى تقارب الفقدين، وما أثقله على أهلك ومحبيك. نسأل الله أن يرحمكما رحمة واسعة، وأن يجمعكما في جنات النعيم، وأن يربط على قلوب من فُجعوا برحيلكما.
وهناك يا عبدالعزيز، في مقبرة عرقة، جاورتَ أبي، رحمه الله. ليس بين قبرك وقبره إلا قبور قليلة. وقفت يوم دفنك أمام هذه الجيرة وفي قلبي وجع فقدكما، وعلى لساني دعاء لكما. جمعكما الله في الفردوس الأعلى، وجعل لقاءنا بكما في دار رحمته وكرامته.
رحلت، لكنك تركت في قلوب الناس من المحبة ما يحملهم على الدعاء لك والصدقة عنك. ما أكثر الأيادي التي ارتفعت تسأل الله لك الرحمة، مِن مَن عرفك، أو سمع بطيب سيرتك، فأصبح لك داعيًا. ولعلّ من لطف الله بك أن جعل لك هذا القبول، وأبقى ذكرك الطيب في قلوب كل هؤلاء. وستجدنا، بإذن الله، أوفياء لذكراك، نذكرك بالدعاء، ونتصدّق عنك، ونسأل الله أن يصلك منّا ما ينفعك.
يا صديقي، يؤلمنا أن الأيام القادمة ستمضي من دونك، وأننا سنفتقدك في مواضع كثيرة اعتدنا حضورك فيها. سنذكرك في أحاديثنا، وستعود إلينا مواقفك، فنبتسم لما نتذكر، ثم ندعو لك.
لن يكون غيابك عابراً؛ فمكانك في حياتنا عزيز، وأثرك في نفوسنا باقٍ، سبقْتنا إلى لقاء ربك، ونسأله أن يجمعنا بك على خير في جنات عدن.
اللهم اغفر له، وآنس وحشته، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، وألهمنا الصبر والسلوان.
رحمك الله يا أبو سعود.. سيبقى لك في قلبي حبّ، وعلى لساني دعاء.
(إنّا لله وإنّا إليه راجعون).
** **
- سعود بن عبدالرحمن الشثري