د.عبدالله الفايز
تعتبر القضية الفلسطينية من أكثر القضايا التي استطاعت أن تجمع العرب والمسلمين، بل وأن تتجاوز في أبعادها حدود العالمين العربي والإسلامي إلى المجالين المسيحي والإنساني والدولي. فمنذ قيام إسرائيل واحتلال أجزاء من فلسطين، ثم احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة عام 1967، أصبحت القضية الفلسطينية محوراً دائماً في السياسة العربية والإسلامية والدولية، وتتابعت المبادرات والمؤتمرات والمفاوضات والقرارات والمساعدات والجهود الدبلوماسية لعقود طويلة، ومع ذلك بقي الحل النهائي بعيد المنال. وقد يكون من المفيد، بعد هذه العقود الطويلة من المحاولات، أن نعيد النظر في طريقة تعريف القضية نفسها، لا بهدف تقسيمها أو إضعافها، وإنما بهدف فهم مكوناتها المختلفة، لأنني أرى أن أحد أسباب التعقيد المستمر قد يكون أننا نتعامل مع مجموعة من القضايا المختلفة وكأنها قضية واحدة لها مفتاح واحد، بينما الواقع قد يشير إلى وجود أكثر من قضية داخل القضية الفلسطينية، ولكل منها طبيعتها وأصحاب المصلحة فيها وأدوات التعامل معها.
القضية الفلسطينية من أعقد القضايا وقد يكون السبب تجاهلنا أو ضعف ذاكرتنا فنحن ننسي الماضي ولا نحضره لفهم الوضع الحالي والمستقبلي. والقضية لا تحتاج إلى سياسيين محنكين ليشرحوها لنا. فأنا ومن في جيلي عشنا أكثر من 70 عاماً نعاني ونتساءل من هو عدونا أو من هو الذي يخطط للسيطرة علينا؟. ومع الوقت ينجح العدو في تغيير صوره، فمرة ينتحل شخصية إسرائيل ومرة إيران ومرة حزب الله والحوثين والتي هي كلها عملاء ووجوه لعملة واحدة «أمريكا ومصالحها». بل ننسى ونبدأ ندعي أن الجماعات الإرهابية هي عدونا فبدل أن نقول إنها أمريكا التي صنعت من إيران قوة منذ أيام الشاه، وأخيراً قدمت لنا الخميني وفق معاهدة غير معلنة لخدمة مصالح أمريكا. ولكننا نرى أن عدونا هو فصيلة مرتزقة في الجيش الإيراني والذي تدعمه أمريكا كمخطط تشاركي للسيطرة على المنطقة. فمنذ سلمت بريطانيا المنطقة بعد أن قسمتها إلى دويلات متنافرة، إلى أمريكا بدأت المعضلة التي استمرت سبعين عاماً بدون حل والأسواء أننا لا نعرف من بيده الحل.
إن فصل القضيتين مهم لإمكانية تسهيل وضع الحلول والمطالبات، وبحيث تكون القدس قضية يدافع عنها العالم الإسلامي والعربي، وقد يجد تعاطفاً دولياً أكبر، بينما القضية الفلسطينية يدافع عنها العرب وحدهم والذين قضوا 70 عاماً في اختلافات وتخاذلات.. وهذا الفصل يساعد على الحل التدريجي للقضية. إذا كانت القضيتان مترابطتين في الواقع والتاريخ والسياسة، فهل يمكن أن يكون الفصل التحليلي بينهما، وليس بالضرورة الفصل السياسي أو التنازلي، مدخلاً إلى إعادة تنظيم الجهود العربية والإسلامية والدولية بصورة أكثر وضوحاً؟ إن هذه الفكرة لا تعني بأي حال من الأحوال أن القدس ليست فلسطينية، أو أن الفلسطينيين لا علاقة لهم بالقدس، أو أن الأراضي الفلسطينية ليست ذات أهمية للمسلمين. فالقدس جزء من القضية الفلسطينية في التصور الفلسطيني والعربي والإسلامي، والقدس الشرقية تُعامل في المواقف العربية والإسلامية الرسمية باعتبارها عاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة. كما أن المسجد الأقصى يقع في القدس الفلسطينية، وترتبط حمايته بالحفاظ على الوجود الفلسطيني والوصاية والإدارة التاريخية للأماكن المقدسة. ولذلك فإن المقصود بالفصل هنا هو الفصل التحليلي والوظيفي بين أبعاد القضية، وليس الفصل الجغرافي أو السياسي أو الحقوقي بينها.
لكن عندما ننظر إلى القدس والمسجد الأقصى تحديداً، نجد أن القضية تتخذ بعداً يتجاوز البعد الفلسطيني والعربي إلى بعد إسلامي عالمي واضح. فالمسجد الأقصى ليس مجرد موقع جغرافي فلسطيني، وإنما يحتل مكانة دينية استثنائية لدى المسلمين بوصفه أولى القبلتين وثالث المساجد التي لها مكانة خاصة في الإسلام. ولهذا فإن منظمة التعاون الإسلامي نفسها تربط نشأتها عام 1969 بقضية القدس والمسجد الأقصى، وقد جعلت قضية فلسطين والقدس من صميم عملها المؤسسي. كما تؤكد المنظمة في مواقفها الرسمية الحديثة أن القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية تمثل قضية مركزية للعالم الإسلامي، مع التأكيد في الوقت نفسه على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وهنا تحديداً أرى أن علينا أن نتوقف عند الفرق بين فلسطين باعتبارها وطناً وشعباً وحقوقاً سياسية وقانونية، وبين القدس باعتبارها مدينة ذات مكانة دينية وحضارية تتجاوز حدود فلسطين والعالم العربي. ففلسطين قضية شعب يعيش على أرضه ويطالب بحقوقه الوطنية، بما في ذلك تقرير المصير وإقامة دولته، بينما القدس قضية ذات أبعاد فلسطينية وعربية وإسلامية ومسيحية ودولية متداخلة. والمسجد الأقصى تحديداً يحمل بعداً إسلامياً عالمياً لا يمكن اختزاله في البعد السياسي الفلسطيني، تماماً كما أن الأماكن المقدسة المسيحية في القدس تمنح المدينة بعداً مسيحياً عالمياً أيضاً. ولذلك فإن اختزال القدس في أنها مجرد قضية عربية، أو اختزالها في أنها مجرد قضية فلسطينية، لا يعكس كل أبعادها. وفي المقابل، فإن قضية الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته ليست قضية دينية إسلامية بالمعنى الضيق، وإنما هي قبل كل شيء قضية عربية وسياسية وقانونية لشعب فلسطيني. ولهذا فإن التعامل معها بوصفها «قضية إسلامية فقط» قد يؤدي إلى إغفال طبيعتها الوطنية الفلسطينية والعربية، كما أن التعامل معها بوصفها «قضية عربية فقط» قد يؤدي إلى إغفال مكانة القدس والأقصى في الوجدان الإسلامي العالمي. وهذا التمييز ليس مجرد تصور نظري، بل يمكن ملاحظة شيء منه في المؤسسات والمواقف الرسمية القائمة بالفعل. فمنظمة التعاون الإسلامي تؤكد في وثائقها الحديثة على مركزية القضية الفلسطينية والقدس للعالم الإسلامي، وفي الوقت نفسه تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية (أي ليس القدس كلها). وهنتظهر أهمية إعادة قراءة ما نسميه اليوم «القضية الفلسطينية». فقد تكون التسمية الواحدة قد أخفت تعدد مستويات القضية. هناك أولاً قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، وهناك ثانياً قضية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهناك ثالثاً قضية القدس، وهناك رابعاً قضية المسجد الأقصى والأماكن المقدسة، وهناك خامساً قضية اللاجئين، وهناك سادساً قضية الأمن والسلام والعلاقات الإقليمية والسيطرة الدولية. وكل واحدة من هذه القضايا لها أطرافها وأدواتها القانونية والسياسية والدبلوماسية، وإن كانت جميعها مترابطة في التسوية النهائية.
من هنا أتساءل عما إذا كان من الأفضل أن نفهم القضايا التي يفترض أن يحلها «حل الدولتين» قبل أن نتوقع أن يكون حل الدولتين وحده قادراً على حلها جميعاً. فحل الدولتين، كما هو مطروح في الأمم المتحدة والمواقف العربية والإسلامية الرسمية، يتعلق أساساً بالتسوية السياسية والإقليمية بين دولة إسرائيل ودولة فلسطينية، بينما قضية القدس والأماكن المقدسة تحتوي على أبعاد دينية وتاريخية وقانونية وإدارية قد تحتاج إلى ترتيبات تفصيلية تتجاوز مجرد رسم الحدود بين دولتين. وقد أكدت الأمم المتحدة مراراً دعمها لحل الدولتين على أساس حدود ما قبل عام 1967، مع القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، كما أعادت التأكيد على أهمية مبادرة السلام العربية. وفي قرار للجمعية العامة بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، أعيد التأكيد على إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية، ودعم حل الدولتين وفقاً للمرجعيات الدولية. لذلك فإن طرح «حل القضيتين قبل حل الدولتين» لا ينبغي أن يفهم باعتباره بديلاً عن الإطار السياسي الدولي، وإنما باعتباره محاولة لإعادة تفكيك المشكلة إلى مكوناتها حتى يصبح بالإمكان التعامل معها بصورة أكثر دقة.
قد يكون من المفيد هنا أن نتساءل: لماذا لم تؤد عشرات السنين من المفاوضات والمبادرات إلى الحل النهائي؟ وهل لو فصلنا القضيتين من الأول تسهل الحل؟ أننا نحاول الوصول إلى تسوية واحدة لقضايا متعددة تختلف في طبيعتها؟ فإذا كان النزاع على الأرض والحدود والاستيطان والدولة واللاجئين والأمن قضية سياسية وقانونية، فإن وضع القدس والأماكن المقدسة وإدارتها والوصول إليها والحفاظ على وضعها التاريخي والديني مسألة تحتوي، إلى جانب السياسة والقانون، على بعد ديني عميق يمس مئات الملايين من المسلمين والمسيحيين في العالم. وتؤكد المواقف العربية والإسلامية الرسمية بالفعل أن القدس لا يمكن فصلها عن الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية. ففي قرارات للجامعة العربية، جرى التأكيد على حماية الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس، وعلى الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى، كما جرى التأكيد على حماية الحضور المسيحي والأماكن المسيحية في المدينة. وهذا يعني أن القدس ليست مجرد قضية ملكية أرض أو حدود سياسية، وإنما قضية تراث ديني وحضاري وحقوق عبادة ووضع قانوني وتاريخي أيضاً. وهنا يمكن أن تظهر فائدة الفصل بين المسارين من الناحية العملية. فبدلاً من أن تكون جميع الجهود العربية والإسلامية والدولية مركزة في ملف تفاوضي واحد شديد التعقيد، يمكن تصور مسارين متوازيين ومترابطين: مسار فلسطيني ـ عربي يركز على الأرض والاحتلال والدولة والحدود واللاجئين والحقوق السياسية والاقتصادية والأمنية، ومسار عربي ـ إسلامي ـ مسيحي ـ دولي يركز على القدس والأماكن المقدسة والحفاظ على وضعها التاريخي والقانوني وحرية العبادة وحماية التراث الديني والحضاري. ولا يعني هذا أن المسلمين وحدهم يتولون قضية القدس، ولا أن المسيحيين أو العرب أو الفلسطينيين يجب أن يكونوا خارجها. على العكس، القدس مدينة متعددة الأديان والحضارات، ولذلك فإن حماية مقدساتها الإسلامية والمسيحية قضية ذات طبيعة أوسع من حدود الانتماء السياسي. وفي هذا الجانب تحديداً يمكن أن تكون مشاركة الأطراف الإسلامية والمسيحية والدولية ذات قيمة خاصة، لأن حماية الأماكن المقدسة ليست مسألة تخص الفلسطينيين وحدهم، وإن كان الفلسطينيون هم السكان وأصحاب الحق الوطني في المدينة. أما الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن طبيعتها مختلفة. فهي مرتبطة مباشرة بحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير الصير، وبقضايا الاحتلال والاستيطان والحدود والدولة والسيادة واللاجئين. وهذه قضايا سياسية وقانونية لها مرجعيات دولية واضحة. ولذلك فإن معالجة هذا المسار يجب أن تكون في الأساس فلسطينية وعربية ودولية، مع استمرار الدعم الإسلامي والدولي لها. فالجامعة العربية، على سبيل المثال، جعلت الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية جزءاً أساسياً من مبادرة السلام العربية.
قد يكون من الصعب فصل القضيتين جغرافياً وسياسياً، ولكن يمكن الفصل بينهما تحليلياً وتفاوضياً وإدارياً. فالقدس الشرقية جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة في المرجعيات الدولية، وفي الوقت نفسه لها مكانة دينية خاصة. ولذلك فإن الفصل الذي أقترحه ليس فصلاً يؤدي إلى انتزاع القدس من فلسطين، وإنما فصل يساعد على الاعتراف بأن للقدس طبقة إضافية من الحقوق والالتزامات تتجاوز التسوية السياسية بين طرفين. وقد يكون هذا مهماً جداً في موضوع المسجد الأقصى. فحتى لو توصل الفلسطينيون والإسرائيليون يوماً ما إلى اتفاق سياسي حول الحدود والدولة، فإن ذلك لا يحسم تلقائياً كل الأسئلة المتعلقة بالأماكن المقدسة، وإدارتها، والوصول إليها، وحرية العبادة، والحفاظ على وضعها التاريخي والقانوني. ولذلك فإن ملف القدس والأقصى يحتاج إلى ترتيبات خاصة قد تشترك فيها فلسطين والأردن والدول العربية والإسلامية والكنائس والجهات الدولية المعنية، وفق ترتيبات يتفق عليها أصحاب العلاقة وتحترم الحقوق والالتزامات القانونية. وتوجد بالفعل سابقة سياسية مهمة تشير إلى إمكانية التعامل مع القدس باعتبارها ملفاً له طبيعة خاصة داخل التسوية الأكبر. أن البعدين موجودان أصلاً في الخطاب السياسي العربي والإسلامي، وإن لم يتم دائماً تحويلهما إلى مسارين تفاوضيين واضحين ومستقلين.
القضية الفلسطينية وطنية فلسطينية، وعربية في محيطها وانتمائها، وإسلامية في أحد أهم أبعادها الدينية، ومسيحية في بعدها الديني والحضاري، ودولية في بعدها القانوني والسياسي. ولكن هذه الأبعاد ليست متساوية في كل جزء من القضية. فالأرض الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني هي في المقام الأول قضية وطنية فلسطينية ذات عمق عربي ودعم إسلامي ودولي، بينما المسجد الأقصى يمثل قضية دينية إسلامية عالمية إلى جانب كونه جزءاً من القدس الفلسطينية، والقدس نفسها قضية فلسطينية وعربية وإسلامية ومسيحية ودولية في الوقت ذاته. وهذا التمييز قد يساعد أيضاً في إعادة التفكير في مفهوم التضامن العربي والإسلامي. فمن الخطأ أن يتحول التضامن إلى مجرد شعارات عامة، ومن الخطأ أيضاً أن نتوقع أن تتعامل جميع الدول الإسلامية والعربية مع كل تفاصيل القضية بالطريقة نفسها. الدول لديها مصالح وطنية وعلاقات دولية وأمنية واقتصادية واستراتيجية مختلفة، وهذا أمر معروف في العلاقات الدولية. لذلك فإن مطالبة الدول بأن تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية واحدة متطابقة في جميع أجزائها قد لا تكون دائماً الطريقة الأكثر واقعية لبناء تحالف دولي واسع.
أما إذا قُسمت الملفات بحسب طبيعتها، فقد يصبح من الممكن بناء تحالفات مختلفة لكل ملف. ملف القدس والمقدسات يمكن أن يستند إلى تحالف ديني وحضاري وقانوني أوسع، يضم المسلمين والمسيحيين والدول العربية والإسلامية ودولاً أخرى تؤيد حماية الأماكن المقدسة والتراث وحرية العبادة. أما ملف الأرض والدولة الفلسطينية فيمكن أن يقوم على تحالف فلسطيني ـ عربي ـ دولي يستند إلى القانون الدولي وحق تقرير المصير وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. وهذا قد يجعل الرسالة السياسية أكثر وضوحاً. فعندما نتحدث عن المسجد الأقصى، لا ينبغي أن تكون رسالتنا فقط «هذه أرض فلسطينية»، رغم أن الأقصى جزء من القدس الفلسطينية، وإنما يمكن أن تكون الرسالة أيضاً أن هناك حرمة دينية ومكانة حضارية وحقوق عبادة ووضعاً تاريخياً وقانونياً يجب احترامه. وعندما نتحدث عن الضفة الغربية وغزة وحقوق الشعب الفلسطيني، ينبغي أن تكون الرسالة الأساسية هي حق شعب في تقرير مصيره وإنهاء الاحتلال وإقامة دولته والعيش بأمن وكرامة وسيادة. بذلك لا تختلط الرسالتان ولا تضعف إحداهما الأخرى. وقد يكون هذا مهماً أيضاً في التعامل مع المجتمع الدولي. فهناك دول وشعوب قد لا تتفق مع الدول العربية والإسلامية في جميع التفاصيل السياسية المتعلقة بالصراع، لكنها قد تتفق معها في حماية الأماكن المقدسة وحرية العبادة والحفاظ على التراث الديني. وفي المقابل، توجد دول كثيرة قد تتعامل مع قضية الدولة الفلسطينية من منظور القانون الدولي وحق تقرير المصير. ولذلك يمكن أن يؤدي تعدد المسارات إلى توسيع قاعدة التأييد بدلاً من حصرها في إطار سياسي واحد. ومع ذلك، يجب الحذر من تحويل هذه الفكرة إلى دعوة لفصل القدس عن فلسطين. فهذا سيكون عكس المقصود تماماً. فالقدس الشرقية كجزء من القدس، تُعد في الموقف الدولي والعربي والإسلامي جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، وتؤكد منظمة التعاون الإسلامي في وثائقها أن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة. ولذلك فإن المقصود هو فصل الملفات من أجل المعالجة، لا فصل الأرض عن أصحابها.
من هذه الزاوية، قد يكون عنوان «حل القضيتين قبل حل الدولتين» هو دعوة إلى إعادة ترتيب التفكير. فقبل أن نسأل كيف نقيم دولتين، علينا أن نسأل: ما القضايا التي يجب أن يحلها قيام الدولتين؟ وما القضايا التي تحتاج إلى ترتيبات تتجاوز قيام الدولتين؟ وكيف يمكن أن تكون القدس جسراً بين الشعوب والأديان بدلاً من أن تكون دائماً نقطة صدام بينها؟ وكيف يمكن حماية المسجد الأقصى والمقدسات المسيحية في الوقت الذي يتم فيه احترام الحقوق الوطنية الفلسطينية والسيادة والترتيبات السياسية المتفق عليها؟ إن حل الدولتين، حتى وفق التصور الدولي القائم، لا يعني أن كل مشكلة ستختفي بمجرد رسم خط على الخريطة. فهناك قضايا الوضع النهائي، والقدس، واللاجئون، والحدود، والأمن، والمستوطنات، والمياه، والعلاقات الاقتصادية، وغيرها. وقد أكدت قرارات الأمم المتحدة مراراً أن التسوية النهائية تتطلب معالجة القضايا الأساسية في إطار اتفاق شامل. ولذلك فإن الحديث عن «حل القضيتين قبل حل الدولتين» يمكن أن يكون دعوة إلى حل أو إدارة القضايا الأساسية بالتوازي في ملفين، وليس انتظار اتفاق نهائي واحد يحل كل شيء دفعة واحدة.وقد يكون المسار الأكثر عملية هو إنشاء إطارين متوازيين وملفين، لكن بينهما تنسيق كامل. الإطار الأول يمكن أن يكون إطاراً فلسطينياً ـ عربياً ـ دولياً للقضية الوطنية الفلسطينية، يتعامل مع الاحتلال والأرض والحدود والدولة واللاجئين والتنمية والاقتصاد والأمن والعلاقات الإقليمية. والإطار الثاني يمكن أن يكون إطاراً إسلامياً ـ مسيحياً ـ فلسطينياً ـ عربياً ودولياً للقدس والمقدسات، يتعامل مع حماية المسجد الأقصى، والأماكن المقدسة المسيحية، وحرية العبادة، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني، وحماية التراث، وضمان الوصول إلى الأماكن المقدسة، على أن يكون ذلك كله ضمن ترتيبات قانونية وسياسية متفق عليها. وقد يكون الأردن وفلسطين تحديداً طرفين مهمين في هذا المسار المتعلق بالمقدسات، نظراً إلى الدور التاريخي والقائم للأوقاف الإسلامية في القدس، مع ضرورة أن تكون أي ترتيبات مستقبلية قائمة على الاتفاق القانوني والسياسي بين الأطراف المعنية واحترام حقوق الفلسطينيين وأهل القدس. كما أن البعد المسيحي يستدعي مشاركة الكنائس والجهات المسيحية المعنية، لأن القدس ليست مدينة إسلامية فقط ولا مسيحية فقط، بل مدينة ذات تراث ديني وحضاري متداخل.
إن الفكرة الأساسية التي أريد طرحها ليست أن نقول أن العالم الإسلامي يجب أن يتخلى عن فلسطين، أو أن العرب يجب أن يتخلوا عن القدس، أو أن نستبدل التضامن الإسلامي بالتضامن العربي. على العكس تماماً. الفكرة هي أن نوسع التضامن بتحديد طبيعة كل قضية. فإذا كانت القدس والأقصى قضية تهم المسلمين في كل أنحاء العالم، فلنجعل هذا البعد واضحاً ومنظماً ومؤسسياً. وإذا كانت الأرض الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني قضية وطنية وعربية ودولية، فلنعالجها بالأدوات السياسية والقانونية والدبلوماسية المناسبة لها. وإذا كانت الأماكن المقدسة المسيحية جزءاً من القدس، فيجب أن يكون للمسيحيين دور واضح في حماية هذا التراث والحقوق الدينية.
وفي رأيي، فإن المشكلة ليست في أن القضية فلسطينية أو عربية أو إسلامية، وإنما في أننا ربما وضعنا كل هذه الأوصاف داخل صندوق سياسي واحد، ثم توقعنا أن يكون له مفتاح واحد. وربما حان الوقت لنعترف بأن القضية متعددة الطبقات، وأن قوة التضامن لا تأتي من توحيد كل الملفات، وإنما أحياناً من معرفة أي طرف يستطيع أن يقدم ماذا، وأي مؤسسة تستطيع أن تقوم بأي دور، وأي خطاب يستطيع أن يجذب أي دائرة من دوائر التأييد الدولي. إن القدس قد تكون أقوى عندما تقدم إلى العالم باعتبارها مدينة فلسطينية ذات مكانة عربية وإسلامية ومسيحية وتراث إنساني عالمي، والمسجد الأقصى قد يكون أكثر حضوراً عندما يقدم باعتباره موقعاً مقدساً للمسلمين يجب احترام حرمته وحرية العبادة فيه، وفي الوقت نفسه جزءاً من القدس الفلسطينية. أما قضية الدولة الفلسطينية فقد تكون أكثر وضوحاً عندما تقدم باعتبارها قضية شعب وحق تقرير مصير وسيادة وإنهاء احتلال، وهي مبادئ تتجاوز الانتماء الديني والعربي إلى القانون الدولي وحقوق الشعوب.
وهذا لا يعني أن المجتمع الدولي سيغير مواقفه بمجرد تغيير المصطلحات، ولا أن الفصل بين المسارات سيؤدي تلقائياً إلى الحل. فالصراع تحكمه مصالح وقوى سياسية وأمنية واقتصادية وتاريخية معقدة. كما أن استمرار الاحتلال والاستيطان والانقسام الفلسطيني والحروب المتكررة وانعدام الثقة يجعل أي تسوية شديدة الصعوبة. ولذلك ينبغي ألا نبالغ في نتائج هذا الاقتراح. لكنه، في رأيي، يستحق النقاش لأنه يقدم زاوية مختلفة بعد عقود طويلة من الدوران حول المشكلة نفسها. ولعل أهم ما يمكن أن نصل إليه هو أن القدس لا ينبغي أن تكون سبباً لتعطيل حل القضية الفلسطينية، كما أن حل القضية الفلسطينية لا ينبغي أن يكون سبباً لإهمال قضية القدس والمقدسات. يمكن أن يتحرك المساران في الوقت نفسه. يمكن أن تعمل الدبلوماسية العربية والدولية على الأرض والدولة والحقوق السياسية، بينما تعمل الدبلوماسية الإسلامية والمسيحية والدولية على حماية القدس والمقدسات. ويمكن أن يكون بين المسارين رابط سياسي وقانوني يضمن ألا يستخدم أحدهما ضد الآخر. وكيف يمكن لهذه الأبعاد أن تتكامل بدلاً من أن تتنافس؟ إنني أطرح هذه الفكرة للنقاش لا باعتبارها وصفة نهائية، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب التفكير في قضية استمرت عقوداً طويلة. فبعد هذا التاريخ الطويل، ربما لا نحتاج فقط إلى مبادرة سياسية جديدة، بل إلى طريقة جديدة لتقسيم المشكلة وفهمها. فإذا كانت القضية الفلسطينية تحتوي على قضية وطنية وقضية مقدسات، وإذا كانت لكل منهما طبيعة مختلفة، فقد يكون من الحكمة أن نعطي كل قضية إطارها وأدواتها وأطرافها، مع الحفاظ على الرابط الذي يمنع تحول الفصل الإداري والسياسي إلى فصل في الحقوق أو الأرض. فربما لا يكون الطريق إلى حل الدولتين هو أن نحاول حل كل شيء دفعة واحدة، وإنما أن نبدأ أولاً بفهم أن هناك أكثر من قضية داخل القضية، وأن لكل قضية مفتاحاً مختلفاً، ثم نجمع المفاتيح كلها لفتح الباب نفسه: باب السلام والعدالة والحرية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وحماية القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.