أنس تشكالا
في مجتمعاتنا، نحتفي بالناجحين، ونروي قصص وصولهم، ونصفّق لمن حققوا أهدافهم، لكننا نادرًا ما نتوقف طويلًا عند الذين حاولوا ولم يصلوا، أو الذين بذلوا جهدًا كبيرًا ثم انتهوا إلى نتيجة لم يتوقعوها. كأن النجاح يستحق أن يُروى، بينما الفشل ينبغي أن يُنسى، وكأن قيمة التجربة لا تتحدد بما أضافته إلى الإنسان، بل بما انتهت إليه من نتائج.
وقد يبدأ الأمر في سن مبكرة، حين يعود طفل من المدرسة بنتيجة أقل مما كان يتوقعه أهله، فيصبح السؤال الأول: لماذا أخفقت؟ لا: ماذا حدث؟ وماذا تعلّمت؟ وحين يتعثر طالب في تخصص اختاره، أو يغيّر شاب مساره المهني، أو يتوقف مشروع بعد أشهر من العمل، قد يجد نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن قراره قبل أن تتاح له فرصة فهم ما جرى. وهكذا يتحول الإخفاق من تجربة تحتاج إلى مراجعة إلى تهمة تحتاج إلى تبرير.
المشكلة ليست في أننا نحزن حين لا تسير الأمور كما نريد؛ فهذا أمر طبيعي، ولا في أننا نسعى إلى النجاح ونتجنب الأخطاء ما استطعنا. المشكلة تبدأ حين نربط قيمة الإنسان بنتيجة واحدة، فننظر إلى من نجح بوصفه جديرًا بالتقدير، وإلى من أخفق بوصفه أقل كفاءة أو قدرة. عندئذ لا يعود الفشل حدثًا وقع في حياة الإنسان، بل يصبح وصفًا نلصقه به، وكأن تجربة واحدة قادرة على اختصار شخصيته وإمكاناته ومستقبله كله.
ولعل هذا ما يجعل بعض الناس يخشون المحاولة أكثر مما يخشون الخسارة نفسها. فالمحاولة قد تنتهي بنتيجة غير مرضية، لكن ما يؤلمهم حقًا هو ما قد يأتي بعدها: نظرات الشفقة، وأسئلة المقارنة، والتعليقات التي تستدعي تجارب الآخرين الناجحة، وكأن لكل إنسان توقيتًا واحدًا ينبغي أن يصل فيه إلى أهدافه. وقد يفضّل المرء البقاء في طريق لا يناسبه، أو التمسك بخيار لم يعد يؤمن به، لا لأنه مقتنع به، بل لأنه يخشى أن يبدو تغييره اعترافًا بالفشل.
وتزداد هذه النظرة وضوحًا في عصر وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ نرى النتائج النهائية أكثر مما نرى الظروف التي سبقتها. نرى صورة التخرج، ولا نعرف دائمًا ما رافق الدراسة من صعوبات. ونقرأ خبر تأسيس شركة، ولا نرى بالضرورة المشروعات التي لم تنجح قبلها. ونشاهد إنجازًا مهنيًا في بضع كلمات، بينما تظل سنوات التجربة والتردد والعمل غير المرئي خارج الصورة. ومع تكرار هذه المشاهد، قد يبدو النجاح طريقًا مستقيمًا يسلكه الآخرون بسهولة، بينما نرى تعثراتنا نحن دليلًا على أننا نسير في الاتجاه الخطأ.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه الصورة. فليس كل طريق ناجحًا لأنه أوصل صاحبه إلى النتيجة التي أرادها، وليس كل طريق فاشلًا لأنه انتهى إلى نتيجة مختلفة. قد يكتشف شخص، بعد سنوات من الدراسة أو العمل، أن المجال الذي اختاره لا يناسب قدراته أو قيمه. وقد يبدأ مشروعًا بحماس، ثم تكشف التجربة أن فكرته تحتاج إلى تعديل أو أن ظروف تنفيذه لم تكن ملائمة. وقد يسعى إنسان إلى هدف بعينه، ثم يتبين له أن تحقيقه لن يمنحه ما كان يتوقعه. في مثل هذه الحالات، لا تكون مراجعة المسار بالضرورة هزيمة؛ فقد تكون استجابة واعية لمعلومات لم تكن متاحة من قبل. غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني تمجيد الفشل أو البحث عنه، ولا تحويل كل خسارة إلى قصة نجاح مؤجلة. فثمة إخفاقات مؤلمة تترك آثارًا حقيقية، وقد يترتب عليها فقدان المال أو الفرص أو سنوات من الجهد. وبعض الأخطاء كان يمكن تجنبها لو توفرت المعرفة أو حُسن التقدير. ومن غير المنصف أن نطلب من كل من تعثر أن يرى تجربته إيجابية، أو أن نختصر معاناته في عبارة جاهزة عن الدروس المستفادة. فالألم لا يصبح أقل حقيقة لمجرد أننا نستطيع أن نتعلم منه.
لكن بين الاعتراف بالخسارة والاستسلام لمعناها مساحة مهمة. يمكن للإنسان أن يحزن على تجربة لم تنجح، وأن يتحمل مسؤولية أخطائه، وأن يعترف بما خسره، دون أن يسمح لتلك التجربة بأن تتحول إلى حكم نهائي على قدراته. فالفرق كبير بين أن نقول: «لم أنجح في هذه المحاولة»، وأن نقول: «أنا إنسان لا ينجح». الأولى تصف حدثًا محددًا يمكن فهم أسبابه ومراجعة نتائجه، أما الثانية فتحوّل الحدث إلى هوية، وتغلق أبوابًا قد تكون ما تزال مفتوحة.
وهنا تظهر أهمية الطريقة التي نتعامل بها مع الإخفاق، أفرادًا ومؤسسات. فالمدرسة التي تعاقب الخطأ دون أن تفسح مجالًا لفهمه قد تدفع طلابها إلى إخفاء ضعفهم بدلًا من معالجته. وبيئة العمل التي لا ترى إلا النتائج قد تشجع الموظفين على تجنب المبادرات الجديدة خوفًا من عواقب التجربة غير الناجحة. والأسرة التي تقارن أبناءها باستمرار قد تجعلهم أكثر انشغالًا بإثبات تفوقهم أمام الآخرين من اكتشاف ما يناسبهم فعلًا.
في المقابل، لا تعني البيئة الداعمة غياب المحاسبة أو التساهل مع الإهمال، بل تعني التمييز بين الخطأ الذي يكشف حاجة إلى التعلم، والتقصير الذي يتطلب تحمل المسؤولية، وبين تعثر ناتج عن ظروف لم تكن متوقعة وقرار اتُّخذ دون تقدير كافٍ لعواقبه. فالمجتمع الذي يتعلم من تجاربه لا يكتفي بالسؤال عمّن أخفق، بل يسأل أيضًا: ما الذي أدى إلى الإخفاق؟ وما الذي كان يمكن فعله بصورة مختلفة؟ وكيف نمنع تكرار الخطأ دون أن نمنع المحاولة نفسها؟
وربما نحتاج، قبل كل ذلك، إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح الذي نستخدمه للحكم على أنفسنا والآخرين. هل النجاح هو الوصول إلى الهدف مهما كانت التكلفة؟ أم أن لطريقة الوصول، وما يتعلمه الإنسان خلالها، وما يحافظ عليه من قيمه وعلاقاته، أهمية لا تقل عن أهمية النتيجة؟ وإذا كان لكل إنسان ظروفه وقدراته ومساره الخاص، فلماذا نصرّ أحيانًا على قياس الجميع بمقياس واحد، وفي مرحلة زمنية واحدة؟
لا يعني هذا أن النتائج غير مهمة، ولا أن النيات الحسنة تعوّض دائمًا عن غياب الإنجاز. لكنه يعني أن النتيجة وحدها لا تحكي القصة كاملة. فقد ينجح إنسان في مشروع، لكنه لا يراجع أخطاءه ولا يتعلم منها، وقد يتعثر آخر ثم يخرج بفهم أعمق لطبيعة العمل وحدوده. الأول حقق نتيجة جيدة، والثاني اكتسب معرفة قد تساعده في خطواته المقبلة. وليس من الحكمة أن نلغي أحد المعنيين لحساب الآخر.
إن الحياة لا تمنحنا ضمانات كاملة قبل كل بداية. قد نختار بعد تفكير طويل ثم نكتشف أننا أخطأنا، وقد نبذل جهدًا صادقًا دون أن نحصل على النتيجة التي نرجوها. وهذا جزء من طبيعة التجربة الإنسانية، لا دليل قاطع على انعدام الكفاءة أو ضياع المستقبل. وما نستطيع فعله ليس أن نضمن النجاح في كل مرة، بل أن نتعلم كيف نراجع قراراتنا، ونفهم حدود معرفتنا، ونصحح أخطاءنا، ونبدأ من جديد حين يكون البدء هو الخيار الأجدى.
فليس كل إخفاق هزيمة، كما أن ليس كل نجاح انتصارًا كاملًا. أحيانًا نخسر فرصة ونربح فهمًا، ونغيّر طريقًا لأننا اكتشفنا أنه لا يقود إلى المكان الذي نريده، ونتوقف عن ملاحقة هدف لأننا أدركنا أن كلفته أكبر من قيمته. وقد لا تحمل هذه التحولات انتصارًا واضحًا يمكن عرضه للآخرين، لكنها قد تمثل تقدمًا حقيقيًا في قدرتنا على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا. ربما لا تكمن الهزيمة الحقيقية في أن نحاول ولا نصل، بل في أن نجعل الخوف من الإخفاق يمنعنا من المحاولة، أو أن نسمح لتجربة واحدة بأن تقنعنا بأن الطريق قد انتهى. فالتعثر قد يكون نهاية محاولة، لكنه ليس بالضرورة نهاية الحكاية.