صالح الشادي
في محيط السياسة الدولية، لا تتحرك الدول من فراغ، ولا تبني علاقاتها على العاطفة وحدها. فالمصلحة بوصلة طبيعية، والقوة لغة لا يمكن تجاهلها، والتحالفات أدوات لتحقيق الأمن والتنمية. لكن الفارق بين دولة وأخرى لا يكمن في سعيها إلى مصالحها، فهذا حق مشروع لكل دولة، بل في الطريقة التي تدير بها هذه المصالح. هل تبقى محكومة بالأخلاق والثوابت والروابط المشتركة، أم تتحول إلى انتهازية باردة تتنكر لكل ما عدا النفع العابر؟ هنا تتحدد مكانة الدول، وتظهر حقيقة سياستها، لا في خطاباتها وحدها، بل في مواقفها حين تتغير الظروف وتتبدل التحالفات.
على مر عقود، مرت المملكة العربية السعودية بمتغيرات كبرى، وواجهت أزمات سياسية وعسكرية واقتصادية بحكمة واقتدار. ولم تكن يوماً جزيرة معزولة عن المجتمع الدولي، بل ظلت طرفاً فاعلاً في الإقليم والعالم. حاورت، وتشاورت، ووسّعت شراكاتها، ولم تغلق أبوابها أمام أحد. لكنها في المقابل لم تكن ساذجة، ولم تسمح بأن تُختزل علاقاتها مع الآخرين في حسابات المصالح المادية وحدها، دون التفات إلى الدين والعروبة والجوار والصداقة الإنسانية. فالمملكة دولة ذات ثقل خاص، فهي قلب العالم الإسلامي، وقبلة المسلمين، وصاحبة تأثير كبير في أسواق الطاقة، وعضو فاعل في مجموعة العشرين، ومحور رئيسي في الخليج والعالم العربي. هذه المكانة تفرض عليها مسؤوليات أكبر من مجرد البحث عن مكسب سياسي أو تجاري.
من الطبيعي أن تسعى كل دولة إلى تحقيق مكتسباتها الاقتصادية والسياسية والأمنية، وهذا ليس عيباً، بل هو جوهر العمل الدبلوماسي. لكن الأزمة تبدأ عندما تتحول المصلحة إلى المعيار الوحيد، وعندما تتنكر الدول للأخلاق والأعراف والمواقف التاريخية، وعندما تتعامل مع بلادنا كسوق أو ساحة نفوذ، لا كشريك له مكانته وتاريخه وحضوره. هنا تظهر أزمة أخلاقية حقيقية، ليست في أن تبحث الدولة عن مصلحتها، بل في أن تبيع مبادئها ومواقفها مقابل مكسب عارض، أو أن تقلب ظهرها لحلفاء الأمس لمجرد تغيّر المعادلات. السياسة بلا أخلاق تصبح لعبة مصالح قصيرة الأجل، تنتهي بفقدان الثقة، وانهيار التحالفات، وانتشار الشك بين الأمم.
لذلك، ظلت السياسة السعودية في كثير من مراحلها مزيجاً بين الواقعية والحكمة. واقعية لا تتنكر للمصالح، وحكمة لا تتخلى عن القيم. سعت إلى استقرار أسواق الطاقة، ودعم القضايا العربية والإسلامية، ومد يد الوساطة في أزمات إقليمية، وتقديم المساعدات الإنسانية للدول المنكوبة. ومن الأمثلة على ذلك دورها في المصالحة الخليجية في قمة العلا، ووساطاتها في ملفات إقليمية، وجهودها الإغاثية في اليمن وسوريا والسودان، ومساهمتها في استقرار أسواق النفط عبر اتفاقيات أوبك بلس. هذه المواقف لا تعني أن المملكة لا تحسب مصالحها، بل تعني أن مصالحها ليست منفصلة عن مصالح محيطها، وأن أمنها القومي جزء من أمن المنطقة، وأن استقرار العالم الإسلامي جزء من استقرارها.
ولم تكن المملكة يوماً دولة مغلقة، وعلى الرغم من الأزمات والصراعات، حافظت على قنوات الحوار مع مختلف الأطراف، لأنها تدرك أن الحوار ليس ضعفاً، بل أداة لتحقيق المصالح ومنع الانزلاق إلى مواجهات لا يحمد عقباها. لكن الحوار الذي تنشده الرياض ليس خضوعاً، ولا تفريطاً في السيادة، ولا قبولاً بمنطق الإملاءات. إنه حوار مبني على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بالشرعية الدولية. ومع مرور الوقت، اتضح أن كثيراً من الدول في هذا الزمن تبحث عن مصالحها أولاً، وهذا حقها. لكن أن تُبنى العلاقات مع بلادنا على أساس النفع فقط، وأن يُتجاهل ما يربطنا بها من دين أو عروبة أو تاريخ أو صداقة إنسانية، فهذا ما ترفضه المملكة. فالمملكة لا تريد علاقات عابرة، بل شراكات قائمة على الاحترام والمنفعة المتبادلة والثقة.
وفي سط هذه التحولات، تبرز أهمية الوعي السياسي العالي الذي تمتلكه القيادة السعودية. فالقرار السعودي لا يُبنى على ردود الأفعال، ولا على الشائعات، ولا على ضغط اللحظة. إنه قرار يُدرس بعمق، ويوازن بين المصالح والثوابت، وبين الحكمة والقوة. وهذا ما يجعل المملكة قادرة على المناورة في بيئة دولية مضطربة، دون أن تفقد بوصلتها. وإلى جانب ذلك، بدأ الإعلام السعودي يعرف دوره جيداً، فالإعلام ليس منصة للتصعيد المجاني، ولا أداة لنشر الشائعات، بل هو واجهة للوعي، وسلاح للصدق، ودرع لحماية الصورة الوطنية. وفي زمن تتسارع فيه الأخبار المضللة، يصبح الإعلام المسؤول ضرورة أمنية وسياسية، لأنه يحمي الجبهة الداخلية، ويوضح المواقف، ويكشف الأهداف الخفية لمن يتربصون ببلادنا.
والمملكة دولة محسودة لمكانتها، وهذا ليس سراً. فهي تمتلك مقومات لا تتكرر: الدين، والاقتصاد، والجغرافيا، والقيادة، والشعب. لذلك، تتعرض لحملات تشويه وشائعات ممنهجة. لكن المملكة لا تتبع الشائعات، وتعرف الهدف منها. وهي لا تناصب أحداً العداء ما لم يظهر منه ما يؤذيها. هذا نهج متوازن، لا ضعف فيه ولا تردد. لكن الصبر والحكمة والتأني ليست دعوة للاستسلام، بل هي سمات دولة قوية تعرف متى تصبر، ومتى تحسم. فإذا ضربت المملكة، أوجعت. وإذا دُفعت إلى المواجهة، دخلتها بقوة وصلابة. فالردع ليس عدواناً، بل ضمانة للسيادة، وحماية للمصالح، ورسالة لكل من يتوهم أن المملكة يمكن أن تُستضعف أو تُستهدف.
وهكذا، فإن نهج العلاقات وفق المصالح أصبح اليوم ضمن الخيارات السليمة في السياسة الخارجية السعودية، لكنه ليس نهجاً منفصلاً عن الأخلاق. إنه نهج يضع المصلحة الوطنية في المقدمة، لكنه لا يبيع القيم، ولا يتنكر للروابط، ولا ينسى المواقف.
المملكة تريد علاقات رابحة للجميع، قائمة على الاحترام والثقة والمنفعة المتبادلة. تريد سلاماً واستقراراً وتنمية، لا عداءً ولا شقاقاً. مع كل هذا، تبقى المملكة العربية السعودية دولة تعرف كيف توازن بين الحكمة والقوة، وبين الصبر والحسم، وبين الانفتاح على العالم والتمسك بالثوابت. وهذا هو سر قوتها، وسر احترام العالم لها، وسر قدرتها على عبور الأزمات، جيلاً بعد جيل.