علي حسن حسون
حين وصلني خبر إصابة أحد أبطالنا في حادثة الطائرة، لم أستطع أن أكتفي بالسؤال عنه أو انتظار أخبار تطمئنني على حاله؛ شعرت أن عليّ أن أذهب إليه، أن أراه بعيني، وأن أطمئن إلى أنه ما زال بيننا لم تكن زيارتي مجرد واجب صداقة، بل كانت محاولة للوقوف إلى جانب إنسان مرّ بلحظات لا يعرف فيها إن كان سيعود إلى حياته أم ستُطوى حكايته في لحظة.
حاولت أن أستعيد شيئاً من عفويتنا القديمة، فأخذت ألقي عليه بعض النكات وأستحضر المواقف الطريفة التي اعتدنا أن نتبادلها، لعلّ الضحكة تخفف عنه شيئاً مما يحمله. كنت أريد أن أقول له، بطريقتنا المعتادة، إن الحياة ما زالت تستحق الابتسام، وإن ما حدث، على قسوته، لم ينتزع منا قدرتنا على الضحك.
وضعت يدي على ظهره مواسياً إياه، فإذا بي أشعر بآثار الشظايا التي اخترقت جسده. في تلك اللحظة، لم تعد الحادثة خبراً سمعته، ولا مشهداً قرأت عنه، بل أصبحت حقيقة ألمس آثارها بيدي. نظرت إلى ملامحه، فرأيت الألم الذي حاول أن يخفيه، وشعرت بأن خلف ذلك الجسد المصاب حكاية أكبر بكثير مما يمكن أن ترويه الكلمات.
قلت له: لا عليك يا صديقي، ستبقى هذه الآثار شاهدة على ما مررت به، وستأتي أيام تروي فيها حكايتك بفخر، ليست المسألة أن الألم سهل، أو أن الجراح أمر يمكن الاستهانة به، ولكنك كنت هناك، وأنت تؤدي واجبك، وستظل قطرات الدم التي سالت في تلك اللحظات شاهدة على أن وراء الواجب رجالاً يدفعون من راحتهم وسلامتهم ثمناً لا يعرف حجمه إلا من عاش تجربتهم.
كنت أحدثه محاولاً أن أزرع في نفسه شيئاً من الطمأنينة، لكن عينيه كانتا تقولان أكثر مما تقوله شفتاه ، حيث كان فيهما بريق شخص أدرك للتو أن الحياة ومضة ، وأن المسافة بين الإنسان ومصيره قد تكون أقصر مما يتخيل.
قطع صديقي حبل أفكاري، وقال لي بصوت تختلط فيه مرارة التجربة بدهشة الناجي: (يا علي، كلما أغمضت عيني رأيت المشهد نفسه، وكأنه يحدث أمامي الآن. ما زلت أشم تلك الرائحة، وأستعيد ما جرى في مشهد صامت، كأن الأصوات كلها اختفت. لم أعد أستطيع أن أنام نوماً هانئاً)
صمتُّ قليلاً ، لم أجد في تلك اللحظة نكتة أقولها، ولا عبارة جاهزة تصلح للمواساة عندها أدركت أن الإنسان قد ينجو بجسده من حادثة، لكنه يظل لبعض الوقت أسير لتفاصيلها؛ يستعيد المشهد دون إرادة منه، ويعيش الخوف مرة أخرى رغم أن الخطر قد زال وقد يراه الناس واقفاً أمامهم، يتحدث ويبتسم، بينما يخوض في داخله معركة صامته .
عندها أخبرته عن طريقة تعلّمتها من أحد الاستشاريين النفسيين، وكنت ألجأ إليها كلما أثقلتني المشاعر السلبية أو عجزت عن تجاوز ذكرى مؤلمة. شرحت له أن بعض الذكريات قد تبقى عالقة في أعماقنا لسنوات، لا لأننا عاجزون عن نسيانها، بل لأننا لم نمنح أنفسنا الفرصة الكافية لفهم ما تركته في داخلنا من مشاعر.
قلت له: حاول أن تسترجع تلك اللحظة، ولكن انظر إليها بوعيِك الحالي، وكأنك تفصل بين نفسك اليوم وبين ذلك الشاب الذي عاش التجربة في حينها. تخيّل أنك تجلس أمامه، وتطلب منه أن يروي لك حكايته بكل تفاصيلها، وأن يصف لك ما شعر به من خوف وألم وقلق، بينما تتولى أنت تدوين كل ما يقوله على ورقة، دون أن تحاول مقاطعة مشاعره أو التقليل من شأنها. دعه يخرج ما ظل حبيساً في داخله، واكتب ما يمليه عليك كما لو أنك تمنحه فرصة للكلام بعد صمت طويل.
وخلال الكتابة، حاول أن تلاحظ ما ينتابك من مشاعر وأحاسيس جسدية، وأين تشعر بثقل الألم أو التوتر في جسدك، فربما تساعدك هذه الخطوة على فهم الصلة بين الذكرى والمشاعر التي تثيرها فيك، وتمنحك مساحة أوسع للتعامل معها بوعي وهدوء.
إلى صديقي الذي نجا، وإلى كل مصاب في تلك الحادثة، أقول: قد تحمل أجسادكم آثاراً ستذكركم بما جرى، وقد تعود إليكم بعض المشاهد في لحظات لم تتوقعوها، لكنكم لستم وحدكم في هذه الرحلة فنحن نقدر شجاعتكم، ونحترم آلامكم، ونتمنى لكم شفاءً لا يقتصر على الجسد، بل يمتد إلى النفس حتى تستعيد طمأنينتها، ويعود النوم هانئاً، وتصبح الذكرى جزءاً من الماضي لا لحظة تتكرر في كل ليلة.
أقبّل جبين كل بطل تألم وهو يؤدي واجبه، وأترحم على الشهداء الذين رحلوا، وأسأل الله أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء والعافية، وأن يجبر قلوب أسرهم ومحبيهم، وأن يعاقب الله من كانوا وراء هذه الأعمال الإجرامية.