رشيد محمد آل جلي
خلق الله الإنسان، وكرّمه بالعقل والحواس، ومنحه من القدرات ما يستطيع به أن يتدبّر شؤون حياته، وسخّر له ما في الأرض جميعًا، واستخلفه فيها ليعمرها بالخير، ويقيم العدل، ويؤدي الأمانة التي حمّله الله إياها، وفق حكمة أرادها سبحانه وتعالى، ثم كانت حياة الإنسان في هذه الأرض ميدانًا للاختبار والعمل، وساحةً تتجلى فيها حقيقة الإيمان، وقوة الإرادة، وصدق العزيمة.
ومن طبيعة هذه المهمة أن الإنسان خُلق في كَبَد؛ يكابد الحياة، ويصارع التحديات، ويواجه تقلبات الأيام، فالحياة لم تُخلق صفوًا دائمًا من الكدر، ولا طريقًا خاليًا من العثرات، كما أن الإنجازات العظيمة لا تأتي على أطباق من ذهب، ولا تُمنح لمن ينتظرها مكتوف اليدين. فالطريق إلى الأهداف لا يكون دائمًا مفروشًا بالورود، ولابد دون الشهد من إبر النحل، ولا يبلغ القمة من فقد الهمة، وتلك من سنن الحياة التي لا تتبدل لمجرد أن الأمنيات كبيرة.
إن الحياة ليست مجرد أيام تتعاقب، ولا سنوات تُضاف إلى أعمارنا، بل هي رسالة نؤديها، وفرص نصنعها، ومواقف تكشف معادننا، وآثار نتركها من بعدنا. وليس المقصود أن يعيش الإنسان في صراع دائم مع الآخرين، وإنما أن يخوض معركته الحقيقية مع التردد، والكسل، والخوف، والاستسلام، وأن ينتصر على تلك الحواجز التي قد يصنعها بنفسه قبل أن تفرضها عليه الظروف.
إن البقاء في الظل لا يصنع مجدًا، والارتهان لمنطقة الراحة لا يفتح أبواب الريادة، فمن أراد أن يغيّر واقعه، فعليه أن يبدأ بتغيير نظرته إلى قدراته، وأن يدرك أن الإمكانات مهما بلغت تظل معطّلة ما لم تتحول إلى عمل، وأن الأفكار مهما كانت عظيمة لا قيمة لها إن بقيت حبيسة العقول، ولم تجد طريقها إلى التنفيذ.
وليس كل من بدأ وصل، ولا كل من تعثر فشل؛ فالتعثر قد يكون درسًا، والتأخر قد يكون فرصة لإعادة ترتيب الخطوات، والخسارة قد تكشف للإنسان ما لم يكن ليراه لو ظل الطريق ممهدًا أمامه. العبرة ليست في عدد المرات التي نسقط فيها، بل في قدرتنا على النهوض، واستخلاص الحكمة، واستئناف المسير بعقل أكثر نضجًا وإرادة أكثر صلابة.
وما أحوج الإنسان إلى أن يوازن بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب، فلا يتذرع بالقدر ليبرر تقاعسه، ولا يعتمد على قدراته وينسى فضل خالقه. فالتوكل الحق ليس انتظارًا بلا عمل، والأمل ليس أمنية بلا سعي، وحسن الظن بالله لا يعني أن الطريق سيخلو من الصعوبات، بل أن نوقن برحمته، ونحسن السعي، ونرضى بما يقدّره لنا، ونتعامل مع النتائج بحكمة وإيمان.
ولعل من أعظم الأخطاء أن يظن الإنسان أن فرصته قد فاتت لمجرد أن غيره سبقه، أو أن العمر قد مضى، أو أن الظروف لم تعد مواتية، فلكل مرحلة فرصتها، ولكل تجربة حكمتها، ولكل إنسان باب يستطيع أن يلج منه إلى عمل نافع، ما دام يملك إرادة صادقة وعقلًا يتعلم وقلبًا لا يعرف اليأس، وليس النجاح حكرًا على فئة بعينها، كما أن الريادة ليست وقفًا على أصحاب البدايات المبكرة؛ وإنما هي ثمرة الإصرار، وحسن التخطيط، والاستفادة من التجارب، والقدرة على مواصلة الطريق.
إن الأمم، لا تتقدم بالأماني وحدها، ولا تتبوأ مكانتها بين الأمم بمجرد الحديث عن أمجاد الماضي؛ وإنما تنهض بسواعد أبنائها، وعقول مفكريها، وإخلاص العاملين فيها، وشجاعة المبادرين إلى التغيير، فالعالم من حولنا لا يتوقف، وميادين العلم والإبداع والتنافس تتسع كل يوم، ومن لا يطوّر أدواته، ويستثمر طاقاته، ويواكب تحولات عصره، يخاطر بأن يبقى متفرجًا بينما يصنع الآخرون المستقبل.
ولا يعني ذلك أن يكون الإنسان في سباق محموم مع الجميع، أو أن يقيس قيمته بما يملكه الآخرون من مال أو شهرة أو مكانة؛ فلكل إنسان رسالته، وميدانه، وظروفه. وإنما أن ينافس نفسه قبل غيره، وأن يكون اليوم أفضل مما كان عليه بالأمس، وأن يجعل من قدراته وسيلة للنفع، ومن نجاحه بابًا للعطاء، ومن مكانته مسؤولية لا امتيازًا مجردًا.
فليس المجد أن تصل وحدك، بل أن يكون لوصولك أثر، وليس النجاح أن تعلو على الآخرين، بل أن ترتقي بنفسك وتُسهم في الارتقاء بمن حولك، وقد يكون أعظم إنجاز يحققه الإنسان فكرة نافعة، أو كلمة صادقة، أو مبادرة ترفع معاناة، أو عمل يظل نفعه ممتدًا بعد أن يغادر صاحبه المشهد.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا: أننا لم نُخلق لنكون مجرد شهود على الحياة، بل لنكون شركاء في إعمارها وصناعة خيرها.
فانهض إلى رسالتك، واخرج من دائرة الانتظار، ولا تجعل الخوف يحرس أحلامك حتى تموت، ولا تجعل الراحة غايتك حتى تفوتك فرص الحياة. ابدأ بما تملك، ومن حيث أنت، وبما تستطيع؛ فخطوة صادقة في طريق العمل خير من ألف أمنية مؤجلة، وأثر نافع تتركه في الأرض خير من مجد تتحدث عنه ولا تصنعه.
فالحياة لا تمنح الخلود لمن عاش طويلًا، بل تخلّد في ذاكرة الأجيال من عاش عظيم الأثر؛ فلا تكن عابرًا على هامش الأيام، بل كن ممن يتركون فيها ما يستحق البقاء.