مهدي آل عثمان
تمر منطقتنا العربية اليوم بمرحلة بالغة الحساسية، تتشابك فيها المصالح الدولية، وتتقاطع فيها الأجندات الإقليمية، وتتسع فيها دوائر الصراع والنفوذ. وما تشهده بعض الدول، كلبنان والعراق واليمن، يكشف جانباً من خطورة الجماعات المسلحة المرتبطة بمشروعات خارج حدود أوطانها، وما أحدثته التدخلات الإيرانية ودعمها لبعض التنظيمات من تعقيدات أمنية وسياسية أضعفت مؤسسات تلك الدول، وهددت استقرار مجتمعاتها، وحولت أجزاءً من أراضيها إلى ساحات لتنفيذ أجندات خارجية وتحقيق أطماع سياسية لا تخدم مصالح شعوبها، ولا تحفظ سيادتها واستقلال قرارها الوطني.
لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما يهدد الدول ليس العدوان الخارجي وحده، وإنما تصدع جبهتها الداخلية، وتسلل الفرقة بين أبنائها، وتحويل الاختلافات إلى وسائل لزعزعة الأمن وإضعاف الثقة بالمؤسسات. فالعدو الذي يعجز عن اختراق الحدود قد يسعى إلى اختراق العقول، ومن لا يستطيع مواجهة الدولة عسكرياً قد يحاول النيل من وحدتها عبر الشائعات والتضليل وإثارة الانقسامات.
وفي خضم هذه التحولات، تقف المملكة العربية السعودية بما حباها الله من مكانة دينية، وثقل سياسي واقتصادي، وتاريخ راسخ في حماية سيادتها ومقدراتها. فهي أرض الحرمين الشريفين، ومهوى أفئدة المسلمين، وموطن قبلة الإسلام، ومنها انطلقت رسالة التوحيد إلى العالم. وما قامت عليه هذه الدولة من تحكيم كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وجعلت من خدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما شرفاً ومسؤولية عظيمة.
في ظل هذه الأحداث والتحديات الإقليمية، يقف أبناء الوطن من منسوبي القطاعات العسكرية والأمنية مرابطين على ثغور البلاد وحدودها، جنوداً مجندين ودرعاً حصيناً بعد حفظ الله، يذودون عن كل شبر من أراضيه، ويحمون أمنه وسيادته ومقدساته، ويبذلون الغالي والنفيس دفاعاً عن أرضه ومقدراته. وفي المقابل، تمضي عجلة البناء والتنمية بثبات، وهو ما أكده العمل على أرض الواقع وكذلك ما أعلن في المؤتمر الصحفي الحكومي المنعقد يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026م، بحضور معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري، ومعالي الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية لمدينة الرياض المهندس إبراهيم السلطان، وما استُعرض خلاله من منجزات وطنية ومستجدات المشروعات التنموية الكبرى، تأكيداً على استمرار نهج الدولة في البناء والتطوير رغم ما تشهده المنطقة من اضطرابات. وهنا تتجلى قوة المملكة العربية السعودية حفظها الله، رجالاً يحمون حدودها، وسواعد تبني مستقبلها، وقيادة تمضي بها بثبات نحو تحقيق تطلعاتها. إنها معادلة وطنية راسخة تختصرها عبارة: «يدٌ تبني وأخرى تحمي».
غير أن الدرع المتين الذي يحفظ هذه البلاد، بعد توفيق الله وحفظه، لا يقوم على قوة السلاح وحدها، ولا على متانة الاقتصاد فقط، بل يتجسد كذلك في المواطن السعودي، في عقيدته، ووعيه، وولائه، وصدق بيعته، ومحبته لأرضه وقيادته. ذلك المواطن الذي يدرك أن أمن وطنه ليس مسؤولية رجل الأمن وحده، بل مسؤولية كل فرد يعيش على هذه الأرض المباركة، يؤدي واجبه بإخلاص، ويحفظ مقدرات بلاده، ويصون وحدتها، ويرفض أن يكون أداة لتحقيق لأجندة خارجية أو لنشر الفتنة.
وقد جسد عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - معنى الوفاء بالبيعة حين حذر في زمن الفتنة من نقض العهد والغدر به، وهي قيمة راسخة تؤكد أن المواقف لا تُقاس بكثرة ما يقال في أوقات الاستقرار، وإنما بما يثبت عليه الإنسان عندما تشتد المحن وتضطرب الأحوال.
إن المواطن السعودي لا ينظر إلى البيعة بوصفها مناسبة عابرة، بل يراها عهداً راسخاً، وميثاقاً شرعياً، ومسؤولية وطنية تتجدد معها معاني السمع والطاعة، والولاء والانتماء للوطن وقيادته. فهي بيعة يبتغي بها وجه الله تعالى، ويؤكد من خلالها ولاءه لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، ويجدد بها عهده على الوقوف صفاً واحداً خلف قيادته الرشيدة، والذود عن وطنه، وحماية أمنه وسيادته ومقدساته، والإسهام في تعزيز وحدته واستقراره، ودعم مسيرته التنموية والحضارية، وفاءً لثوابته الدينية والوطنية، واعتزازاً بما تنعم به المملكة العربية السعودية من أمن ورخاء وتقدم.
ولنا في مواقف صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبلغ العبر وأعظم الدروس في الوفاء والثبات وتحمل المسؤولية. فحين قال بنو إسرائيل لموسى -عليه السلام-: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)، كان موقفهم تعبيراً عن التخاذل والتنصل من المسؤولية. أما صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد جسدوا أسمى معاني الوفاء والنصرة والثبات، حين أعلنوا استعدادهم للوقوف إلى جانبه والدفاع عنه، وكان من أبلغ تلك المواقف قول المقداد بن الأسود -رضي الله عنه-: «لا نقول كما قال قوم موسى، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك»، في موقف خالد يجسد صدق الولاء، وقوة العزيمة، والاستعداد للتضحية والوفاء بالعهد.
وهذا هو المعنى الذي نستحضره اليوم في موقفنا من وطننا وقيادتنا. فلا نقول لقيادتنا امضوا وحدكم ونحن قاعدون، بل نقول: امضوا في حماية هذا الوطن وصيانة أمنه وسيادته، فنحن معكم، صفاً واحداً، نبني ونحمي، ونبذل الغالي والنفيس دفاعاً عن ديننا ومليكنا ووطننا، وعن أمن أهلنا ومستقبل أبنائنا.
إن شعار «يدٌ تبني وأخرى تحمي» ليس مجرد عبارة وطنية، بل منهج عمل ومسؤولية مشتركة. فالجندي الذي يسهر على الحدود يحمي الوطن، والمعلم الذي يبني العقول يحمي مستقبله، والطبيب الذي يحفظ الأرواح يؤدي واجبه، والعامل الذي يخلص في عمله يسهم في قوته، ورجل الأعمال الذي يدعم الاقتصاد الوطني يعزز متانته. وكل مواطن يحارب الشائعة، ويحترم النظام، ويحفظ الأمانة، إنما يضيف لبنة إلى حصن الوطن المنيع.
وليعلم كل من يراهن على إضعاف المملكة أو النيل من أمنها أن وحدة شعبها، وتماسك مؤسساتها، ووعي مواطنيها، وصلابة موقفها في الدفاع عن سيادتها، عوامل لا يجوز الاستهانة بها. فأبناء المملكة العربية السعودية شعب لا تستفزه الشائعات، ولا تفرقه الأهواء، ولا تدفعه التحديات إلى التخلي عن واجباته، بل تزيده وعياً بأهمية التكاتف وحفظ الأمن والاستقرار.
ونحن إذ نستمد قوتنا من إيماننا بالله وتوكلنا عليه، ندرك أن النصر والتوفيق بيده سبحانه، وأن الأخذ بالأسباب، وإعداد القوة، وتحقيق العدل، ووحدة الصف، والعمل المخلص، من أعظم واجباتنا في مواجهة الأخطار.
وسنبقى، بإذن الله، على العهد ماضين، وللقيادة أوفياء، وللوطن جنوداً في مواقع البناء والحماية، نبذل الغالي والنفيس في سبيل أمنه وعزته وكرامته.
فهذا وطننا، وهذه أرضنا، وهذه مقدساتنا، وهذه قيادتنا التي بايعناها على السمع والطاعة في المعروف. ولن يكون الوفاء مجرد كلمات نكتبها، بل مواقف نثبت عليها، وأعمالاً نؤديها، وتضحيات نبذلها متى استدعى الواجب.
باقون على العهد، ماضون في البناء، ثابتون في الولاء، يدٌ تبني وأخرى تحمي، وراية التوحيد خفاقة بإذن الله.