منصور بن صالح العُمري
حين يغادر مهووس بالشهرة وحب الذات وطنه، ويهجر أهله، ويلقي بنفسه في أتون الغربة ومهانة التبعية، ثم يسلم لسانه لمن يلقنه، وعقله لمن يوجهه، وضميره لمن يستثمر فيه؛ فقد لا يكون أشد ما خسره أرضا غادرها، ولا أهلا فارقهم، بل إرادة تنازل عنها، وكرامة ظن أنه سيجدها على موائد الآخرين.
ثم يطل على الناس متوشحا رداء الوطنية، مدعيا أنه نذر نفسه للدفاع عن وطنه ومصالح شعبه، وما درى أن الأوطان لا تخدم بالألسنة المستأجرة، ولا تصان الكرامة بالتسول على أبواب الخصوم، ولا يكون المرء حرا إذا كان لا يملك من رأيه إلا صوته، أما كلماته فتصاغ في غرفٍ لا يعرف أسرارها، وتوزن بموازين لا يدرك مقاصدها!
ويا لعجب الغفلة حين يتوهم المرء أنه يدير المعركة، وهو في حقيقتها إحدى أدواتها؛ ويحسب أنه يصنع الرأي، وهو لا يعدو أن يكون صدى لمن صنعوه؛ ويظن أن الأضواء المسلطة عليه اعتراف بمكانته، وما هي إلا أضواء المسرح التي تطفأ متى انتهى الدور، وانفض المتفرجون!
وأشد من خيانة الموقف أن يلبس صاحبه الهوى ثوب المبدأ، والطمع لباس التضحية، وأن يجعل من حب الوطن دعوى يتكسب بها، ومن الإساءة إليه بضاعة يروجها، ثم ينتظر من الناس أن يصدقوا دموعا على وطنٍ لا يكف لسانه عن النيل منه.
وليس كل من غادر وطنه قد جفاه؛ فكم من مغتربٍ حمل وطنه في قلبه، وظل وفيا له وإن باعدت بينهما الديار، وكم من مخلصٍ رأى خللا فسعى إلى إصلاحه بالحكمة والوسائل المشروعة، لا بالتشهير والتشفي، ولا باستعداء الخصوم واستجداء رضاهم. فالإخلاص لا يقاس بارتفاع الصوت، وإنما بصدق المقصد ونبل الوسيلة؛ والناصح الأمين لا يجعل من عثرات وطنه مواسم للشماتة، ولا من أسراره بضاعة في أسواق الخصومة، ولا من حبه دعوى تكذبها أفعاله.
فشتان بين من يؤلمه الخلل فيسعى إلى إصلاحه، ومن يؤلمه الإصلاح لأنه يحرمه من المتاجرة بالخلل!
إن العدو لا يحتاج دائما إلى أن يسكت صوتك؛ فقد يكون أنفع له أن يرفع صوتك، ويكثر ظهورك، ويغدق عليك من أوهام الأهمية، حتى تظن أنك أصبحت رقما صعبا، وأنت في حساباته مجرد رقمٍ قابلٍ للمحو!
فيا من استبدلت دفء الأهل ببرودة المصالح، وطمأنينة الانتماء بقلق الارتهان، وأصبحت تخاصم وطنك بلسان غيرك: راجع نفسك قبل أن يأتي يوم تكتشف فيه أن الذين صفقوا لك لم يكونوا يحبونك، وإنما كانوا يحبون ما تصنعه لهم، وأنهم لم يرفعوك إجلالا لقدرك، وإنما رفعوك ليبلغ صوتك حيث لا تبلغ أصواتهم. واعلم أن أخطر ما يصاب به الإنسان ليس أن يفقد وطنه، بل أن يفقد نفسه وهو يزعم الدفاع عنه؛ وأن أوجع الخيبات أن يكتشف، بعد أن تنتهي حاجتهم إليه، أنه لم يكن يوما صاحب قرارٍ في قضيتهم، بل كان قضية في أيديهم.
وصدق الله العظيم: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.
فاحذر أن تبيع ما لا يشترى، طلبا لما لا يبقى؛ فإن الشهرة التي تشترى بثمن الكرامة ليست مجدا، وإنما فضيحة تبقى معك أوزارها فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض.