د. عيسى محمد العميري
لم يكن دور المملكة العربية السعودية في دعم الاستقرار العربي مقتصراً على مواقف التضامن السياسي أو تقديم المساعدات الاقتصادية والإنسانية، بل امتد على مدى عقود ليشمل جهود الوساطة والمصالحة، وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، واحتضان الحوارات التي تستهدف إنهاء الخلافات وتعزيز فرص السلام. وقد شكلت هذه الجهود جانباً مهماً من حضور المملكة الإقليمي، انطلاقاً من أهمية استقرار الدول العربية ووحدة مجتمعاتها وحماية شعوبها من تداعيات الصراعات. وتستند الدبلوماسية السعودية في هذا المجال إلى قناعة بأن الخلافات العربية، مهما بلغت حدتها، تظل بحاجة إلى قنوات للحوار ومساحات للتفاهم، وأن استمرار النزاعات لا يهدد الدول المعنية وحدها، بل يمتد أثره إلى أمن المنطقة واقتصاداتها ومصالح شعوبها.
من هذا المنطلق، سعت المملكة إلى توظيف علاقاتها العربية والدولية في دعم المبادرات السياسية، وتشجيع الحلول السلمية، وتوفير الأجواء الملائمة للتفاهم بين الفرقاء. ومن أبرز التجارب التاريخية التي تستحضر في هذا السياق «اتفاق الطائف عام 1989»، الذي أسهم في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية ووضع إطار لإعادة تنظيم الحياة السياسية في لبنان. فقد استضافت مدينة الطائف النواب اللبنانيين، وشكل الاتفاق محطة مفصلية في مسار التسوية السياسية، رغم ما واجهته البلاد لاحقاً من تحديات وأزمات. وتكشف هذه التجربة أهمية توفير مساحة للحوار عندما تتعقد الخلافات وتصبح التسوية ضرورة لحماية الدولة والمجتمع. كما حضرت المملكة في محطات عربية أخرى من خلال الوساطة ورعاية الحوار. ففي اليمن، استضافت الرياض عام 2011 المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، اللتين استهدفتا تنظيم انتقال سياسي وتجنب اتساع المواجهة الداخلية. وعلى الرغم من التعقيدات التي شهدها اليمن لاحقاً، فإن هذه المبادرة مثلت محاولة إقليمية لمعالجة الأزمة عبر مسار سياسي بدلاً من تركها تتفاقم دون تسوية. وفي السودان، استضافت المملكة، بالشراكة مع الولايات المتحدة، محادثات جدة عام 2023 بين ممثلي القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار وتيسير المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين. وقد عكست هذه المبادرة استمرار السعي إلى فتح أبواب التفاوض، حتى في الظروف التي تتراجع فيها فرص التفاهم وتتعاظم فيها المعاناة الإنسانية. ولا تقتصر هذه الجهود على استضافة المؤتمرات، بل شملت العمل الدبلوماسي المتواصل، وتنسيق المواقف مع الدول الشقيقة والمنظمات الدولية، وتقديم الدعم الإنساني للمتضررين من النزاعات.
المملكة تدرك أن السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد توقيع الاتفاقيات، وإنما يحتاج إلى التزام الأطراف بتنفيذها، وإلى معالجة أسباب الخلاف، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع الواحد. ومن المحطات البارزة كذلك اتفاق بكين عام 2023 لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، الذي مثل تطوراً مهماً في مسار العلاقات الإقليمية، وفتح المجال أمام تعزيز التواصل وخفض التوتر. ورغم اختلاف هذا المسار عن الوساطات الداخلية بين الفرقاء العرب، فإنه يعكس أهمية الحوار السياسي في احتواء الخلافات وتوسيع فرص التفاهم بين دول المنطقة تزداد الحاجة إلى المبادرات التي تضع مصلحة الشعوب فوق الاعتبارات الضيقة، وتمنح الحوار فرصة حقيقية قبل أن تتسع دائرة المواجهة. كما تبرز أهمية المؤتمرات التي لطالما كانت برعاية المملكة والتي تجمع الخصوم على طاولة واحدة، لأنها تتيح تبادل الرؤى، وتحديد نقاط الاتفاق، والبحث عن حلول عملية قابلة للتنفيذ. وتبقى المملكة بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي وعلاقات إقليمية ودولية واسعة، طرفاً مهماً في الجهود الرامية إلى إرساء السلام العربي. وتستحق المبادرات التي تقرّب وجهات النظر وتخفف معاناة المدنيين الاهتمام والتقدير، متى استندت إلى الحوار واحترام سيادة الدول ومصالح شعوبها. إن الرسالة الأهم التي تقدمها التجارب السابقة هي أن السلام ليس حدثاً عابراً، بل مسار طويل يحتاج إلى الصبر والحكمة والتعاون. ومن هنا ومن هذا المنطلق فإن مواصلة المملكة دعم المصالحات، واستضافة الحوارات، وتشجيع الحلول السياسية، تمثل مساهمة مهمة في بناء مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً، تتراجع فيه لغة السلاح، وتتقدم فيه فرص التنمية والتعاون والتعايش بين الشعوب. والله الموفق.
** **
- كاتب كويتي