صبحي شبانة
ليست القوة في الحروب مجرد قدرة على الرد، ولا تُقاس أخلاق الدول بحجم ما تمتلكه من سلاح، وإنما تظهر حقيقتها حين تتعرض للاعتداء، وتصبح قادرة على الرد، ثم تختار كيف تستخدم قوتها، وأين توجهها، وإلى أي مدى تستطيع أن تظل متمسكة بمبادئها وسط الاستفزازات، وهنا تتجلى إحدى أهم دلالات السلوك السعودي في مواجهة الاعتداءات الحوثية؛ فالمملكة وهي تواجه تهديدات استهدفت أمنها الوطني ومنشآتها الحيوية ومطاراتها ومقدراتها الاقتصادية، لم تجعل حقها المشروع في الدفاع عن أرضها مبررًا للتخلي عن مساعي التسوية، ولم تتعامل مع الشعب اليمني باعتباره خصمًا لمجرد أن ميليشيا الحوثي تفرض سلطتها على أجزاء من بلاده، بل ظلت تميز، في خطابها السياسي ومبادراتها المعلنة، بين الجماعة التي اختارت التصعيد وبين الشعب اليمني الذي يدفع الثمن الأكبر لاستمرار الحرب، وهذه ليست مسألة خطاب دبلوماسي فحسب، بل اختبار حقيقي لمعنى المسؤولية الأخلاقية حين تتقاطع اعتبارات الأمن الوطني مع واجب حماية المدنيين وإبقاء فرص السلام قائمة.
لقد واجهت المملكة على مدى سنوات اعتداءات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مطارات ومنشآت اقتصادية ومرافق مدنية، ووصلت التهديدات إلى قلب البنية النفطية التي تمثل شريانًا رئيسيًا للاقتصاد السعودي ولإمدادات الطاقة العالمية، ولم تكن الهجمات التي طالت منشآت أرامكو في أبقيق وخريص عام 2019، أو الاعتداءات التي استهدفت مرافق في جازان وينبع والظهران الجنوبي ومناطق أخرى، مجرد حوادث عسكرية عابرة، بل كانت اعتداءات تحمل مخاطر تتجاوز حدود المملكة، لأن ضرب منشآت الطاقة والمرافق المدنية يهدد سلامة العاملين والسكان، ويؤثر في الاقتصاد وحركة الإمدادات، ويضع المنطقة أمام احتمالات تصعيد لا يمكن التنبؤ بمآلاته، وكانت أرامكو قد أعلنت عقب هجمات أبقيق وخريص، تعليقًا مؤقتًا في إنتاج بلغ 5.7 مليون برميل يوميًا، في مؤشر واضح إلى حجم التأثير الذي يمكن أن تحدثه الاعتداءات على منشآت الطاقة.
إن جوهر القضية لا يكمن في تعداد الأهداف التي تعرضت للهجوم وحدها، بل في طبيعة السلوك الذي حكم التعامل مع هذه الاعتداءات، وفي الفارق بين من يسعى إلى حماية مجتمعه من الحرب ومن يتخذ من التصعيد وسيلة لفرض إرادته السياسية، فحين تتعرض دولة لهجمات تستهدف مطاراتها ومنشآتها المدنية، فإن حقها في الدفاع عن مواطنيها والمقيمين على أراضيها حق مشروع لا ينتقص منه تمسكها بالحل السياسي، ولا يعني سعيها إلى السلام أنها تقبل الاعتداء أو تتنازل عن أمنها وسيادتها، بل إن الدولة المسؤولة هي التي تجمع بين الحزم في حماية أراضيها وضبط استخدام القوة، وتدرك أن الرد العسكري، مهما كانت ضرورته في ظروف معينة، لا ينبغي أن يتحول إلى غاية مستقلة عن الهدف السياسي والإنساني الأوسع، وهو إنهاء التهديد واستعادة الاستقرار ومنع اتساع دائرة الخسائر البشرية والاقتصادية، ومن هنا تبرز قيمة المبدأ الذي ينبغي أن يحكم أي مواجهة عسكرية، وهو أن الشعب الذي يعيش تحت سلطة ميليشيا مسلحة ليس بالضرورة شريكًا في قراراتها، ولا يجوز اختزال مصيره في خياراتها أو تحميله جماعيًا نتائج أفعالها، واليمنيون الذين أنهكتهم سنوات الحرب، وتراجعت أمامهم فرص العمل والتعليم والعلاج، لا يحتاجون إلى مزيد من الدمار بقدر حاجتهم إلى دولة تستعيد مؤسساتها، وسلام يفتح الطريق أمام إعادة البناء، وحياة يستطيعون فيها تقرير مستقبلهم بعيدًا عن الخوف والحرمان، ولذلك فإن التمييز بين الحوثيين بوصفهم طرفًا مسلحًا يتخذ قرارات التصعيد وبين المدنيين اليمنيين الذين يعيشون تحت سلطتهم يمثل ضرورة أخلاقية وسياسية، وليس مجرد تعبير إنساني يُقال في البيانات، فمسؤولية الدولة لا تتوقف عند حماية مواطنيها، بل تشمل كذلك أن تزن خياراتها بما يمكن أن تتركه من آثار على المدنيين، وأن تتجنب تحويل الحرب إلى عقاب جماعي، وأن تبقي المجال مفتوحًا أمام التسوية متى توافرت شروطها.
وفي هذا السياق تتجلى حكمة الموقف السعودي في الجمع بين الحزم في مواجهة الاعتداءات الحوثية والحرص على تجنيب الشعب اليمني مزيدًا من ويلات الحرب، فالمملكة وهي تمارس حقها المشروع في الدفاع عن أمنها الوطني وحماية مواطنيها ومنشآتها الحيوية، تدرك أن الشعب اليمني ليس خصمًا لها، وأن معاناته الممتدة تستوجب العمل على إنهاء الحرب، لا تكريسها لذلك ظل المسار السياسي حاضرًا في الموقف السعودي، عبر المبادرات والمساعي الرامية إلى وقف إطلاق النار، وحقن دماء الأبرياء، وتهيئة الظروف لتسوية شاملة تعيد لليمن أمنه واستقراره ووحدته، وتلك هي الفلسفة التي تميز موقف الدولة المسؤولة؛ قوةٌ لا تتردد في حماية سيادتها، وحكمةٌ لا تغلق أبواب السلام، ومسؤوليةٌ أخلاقية ترفض أن يدفع المدنيون ثمن مغامرات الميليشيات الإرهابية وحساباتها، فالمملكة لا تفصل بين حقها في الدفاع عن أمنها وحرصها على استقرار اليمن، بل تنظر إلى الأمرين باعتبارهما ركيزتين متكاملتين لأي سلام حقيقي ودائم في المنطقة، ولعل الفارق الأوضح بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا يظهر في التعامل مع المبادرات السياسية، ففي 22 مارس 2021، أعلنت المملكة مبادرتها لإنهاء الأزمة اليمنية والتوصل إلى حل سياسي شامل، وتضمنت وقفًا شاملًا لإطلاق النار تحت مراقبة الأمم المتحدة، وفتح مطار صنعاء لعدد من الرحلات المباشرة الإقليمية والدولية، وتنظيم دخول المشتقات النفطية عبر ميناء الحديدة وفق الترتيبات المقترحة، إلى جانب استئناف المشاورات بين الأطراف اليمنية برعاية الأمم المتحدة، استنادًا إلى المرجعيات السياسية المعتمدة، ولم تكن هذه المبادرة مجرد إعلان عن رغبة عامة في السلام، بل اشتملت على خطوات محددة تمس ملفات عسكرية وإنسانية واقتصادية، في محاولة لتهيئة الظروف اللازمة لوقف نزيف الدم وبدء مسار سياسي.
لقد حملت تلك المبادرة رسالة تتجاوز تفاصيل بنودها؛ مفادها أن المملكة، رغم ما تعرضت له من اعتداءات، لا ترى في استمرار الحرب هدفًا قائمًا بذاته، ولا تعتبر إطالة الصراع إنجازًا سياسيًا، بل تسعى إلى الوصول إلى تسوية تضمن أمنها وتتيح لليمن الخروج من أزمته، فالسلام الحقيقي لا يتحقق بفرض الصمت على السلاح لفترة مؤقتة، وإنما بإيجاد ترتيبات تمنع تجدد القتال، وتعيد الاعتبار للمؤسسات الوطنية، وتسمح بإدارة الخلافات من خلال السياسة لا بالصواريخ والطائرات المسيّرة، كما أن إدراج الملفات الإنسانية والاقتصادية ضمن المبادرة يعكس إدراكًا بأن وقف الحرب لا ينفصل عن معالجة الظروف التي صنعتها، وأن فتح المطارات والموانئ وتيسير وصول الاحتياجات الأساسية ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جزء من بناء الثقة وتهيئة الأرضية لتسوية قابلة للاستمرار، وقد رحب مجلس الأمن الدولي بالمبادرة السعودية في أبريل 2021، ودعا الأطراف اليمنية إلى الانخراط البناء في الجهود السياسية والتفاوض من أجل وقف فوري لإطلاق النار وتسوية شاملة، لكن المواقف التي صدرت عن الحوثيين في أعقاب إعلان المبادرة أظهرت خلافًا جوهريًا حول مدخل التسوية وشروطها، إذ اعتبرت الجماعة الحوثية الإرهابية أن المقترح لا يقدم جديدًا، وطالبت بوقف العمليات العسكرية ورفع القيود التي وصفتها بالحصار قبل الدخول في ترتيبات أخرى، وهذا الاختلاف في المواقف لا يلغي الحاجة إلى مواصلة المساعي السياسية، لكنه يكشف أن الطريق إلى السلام لا يتوقف على إعلان المبادرات وحده، بل يتطلب استعدادًا حقيقيًا من الأطراف لتقديم التنازلات المتبادلة، والتعامل مع المخاوف الأمنية والإنسانية بوصفها قضايا ينبغي حلها، لا أوراقًا تستخدم لتعطيل التسوية.
إن المأساة اليمنية لا تسمح بتحويل السلام إلى ساحة للمزايدات السياسية، ولا ينبغي أن يصبح المدنيون رهائن لشروط لا تنتهي أو وسيلة للضغط على المملكة، فكل يوم تستمر فيه الحرب تتراكم أعباء جديدة على المجتمع اليمني، وتزداد صعوبة إعادة بناء الاقتصاد واستعادة الخدمات الأساسية، وتتسع الفجوة بين احتياجات الناس والحياة التي تفرضها عليهم المواجهة، وإذا كان من حق المملكة أن تطالب بضمانات حقيقية لحماية حدودها ومنشآتها ومواطنيها، فإن من حق اليمنيين كذلك أن ينتظروا من ميليشيا الحوثي الإرهابية موقفًا يضع حياتهم ومستقبلهم فوق الحسابات الضيقة، وهنا تتجلى المسؤولية السياسية والأخلاقية في استعداد الأطراف للانتقال من إدارة الحرب إلى إنهائها، ومن استثمار المعاناة إلى تخفيفها، ومن استخدام الموانئ والمطارات والموارد في الصراع إلى جعلها أدوات للحياة والتنمية.
ولا يمكن فصل السلوك السعودي عن طبيعة التحدي الذي تفرضه الهجمات الحوثية الإرهابية على المنشآت المدنية والاقتصادية، فحين تستهدف الصواريخ أو الطائرات المسيّرة مطارًا مدنيًا أو منشأة للطاقة، لا يكون الخطر محصورًا في الأضرار المادية المباشرة، بل يمتد إلى أرواح المسافرين والعاملين والسكان القريبين، وإلى سلامة النقل والإمدادات والاقتصاد، وقد أعلنت السعودية في مناسبات عدة اعتراض هجمات الحوثيين التي استهدفت مواقع مدنية واقتصادية، وأكدت بيانات رسمية أن بعض الاعتداءات طالت مرافق للطاقة ومطارات ومنشآت نفطية، وهذه الأهداف ليست ساحات قتال بالمعنى التقليدي، بل مرافق يعتمد عليها المجتمع في حياته اليومية، ويؤدي استهدافها إلى تعريض المدنيين للخطر حتى عندما لا تقع خسائر بشرية مباشرة، كما إن استهداف الأماكن المقدسة بالصواريخ والمسيّرات يمثل تصعيدًا بالغ الخطورة وتجاوزًا لا يمكن القبول به؛ فالحَرَمان الشريفان ليسا مجرد موقعين جغرافيين، بل هما في قلب وجدان المسلمين في أنحاء العالم، وصون أمنهما وحرمتهما مسؤولية تتجاوز حدود المملكة إلى الضمير الإسلامي والإنساني بأسره، ولولا يقظة الدفاعات السعودية وكفاءتها في اعتراض الصواريخ والمسيّرات المعادية التي اتجهت نحو مكة المكرمة ومنطقة المدينة المنورة، لكان الخطر أشد على أمن المقدسات وسلامة قاصديها، ويؤكد هذا التصدي الحازم أن المملكة تضطلع بمسؤوليتها في حماية الحرمين الشريفين، ولن تتهاون في مواجهة أي تهديد يمس أمنهما أو يعرض زوارهما للخطر، إن استهداف الحرمين أو تعريضهما للخطر اعتداء على مشاعر المسلمين جميعًا، وانتهاك لحرمة المقدسات ومبدأ إبعادها عن الصراعات، وهو ما يستوجب موقفًا دوليًا واضحًا يتجاوز الإدانة إلى رفض صريح لاستخدام الأسلحة في تهديد الأماكن المقدسة أو ترويع المدنيين. فحماية الحرمين الشريفين، وصون أرواح الحجاج والمعتمرين والزوار، وحماية المنشآت المدنية، مسؤولية لا تقبل المساومة أو الانتقائية، ومبدأ ينبغي أن يحظى بإجماع دولي صريح.
وفي المقابل، فإن أخلاق القوة لا تعني أن تفرّط الدولة في مقتضيات أمنها، أو أن تتعامل مع الهجمات المتكررة باعتبارها ثمنًا لا بد من دفعه من أجل السلام، فالتسامح مع الاعتداء ليس فضيلة، والتغاضي عن تهديد المدنيين لا يصنع تسوية مستدامة، كما أن الدفاع عن النفس لا يتعارض مع احترام القانون الدولي الإنساني، المطلوب هو الجمع بين الردع والحكمة، بحيث يدرك الطرف الحوثي أن استهداف المملكة لن يمر من دون إجراءات تحمي أمنها، ويدرك المدنيون في الوقت نفسه أن الدولة تميز بين من يخطط للهجوم وينفذه وبين من لا علاقة له به، وهذا التوازن هو ما يمنح القوة معناها السياسي والأخلاقي؛ لأنها تصبح وسيلة لحماية المجتمع وإيقاف التهديد، لا أداة للانتقام المفتوح أو لتوسيع دائرة المعاناة.
ومن الخطأ كذلك النظر إلى الجهود السعودية من زاوية المواجهة العسكرية وحدها، وإغفال ما يرتبط بالمسار السياسي والإنساني من مبادرات ومساعٍ، فالدبلوماسية ليست بديلًا عن حماية الحدود عندما تتعرض للاعتداء، كما أن القوة لا تستطيع وحدها أن تنتج سلامًا مستقرًا إذا لم تترافق مع تسوية سياسية تعالج أسباب الصراع، إن إنهاء الحرب يحتاج إلى وقف فعلي للهجمات العابرة للحدود، وضمانات تمنع استخدامها مجددًا، والتزام يمني بمسار سياسي شامل، وتعاون دولي يحول دون تدفق الأسلحة إلى الحوثيين الإرهابيين التي تطيل أمد النزاع، فضلًا عن ترتيبات إنسانية واقتصادية تخفف معاناة السكان، وهذه عناصر مترابطة؛ إذ لا يمكن بناء الثقة مع استمرار استهداف المطارات والمنشآت، ولا يمكن تثبيت وقف إطلاق النار إذا ظل المدنيون عرضة للتهديد الحوثي، ولا يمكن إحياء الاقتصاد اليمني ما دامت موارده ومرافقه جزءًا من معادلة الصراع.
وتتطلب المرحلة المقبلة أيضًا أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته بوضوح، فلا يكتفي بالدعوات العامة إلى التهدئة، بل يعمل على دعم المساعي السياسية، وتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، والضغط من أجل وقف الهجمات الحوثية التي تستهدف الأعيان المدنية، ومساندة أي اتفاق يضمن أمن المملكة وسيادة اليمن واستقلال قراره، كما أن استقرار اليمن لا يتحقق بتكريس سلطة السلاح، ولا بإدامة الانقسام، بل ببناء دولة قادرة على حماية جميع مواطنيها، وإدارة مواردها، وإقامة علاقات متوازنة مع جيرانها، ومن هذا المنطلق فإن مساعدة الشعب اليمني لا تعني مكافأة من يطيل الحرب وهي ميليشيا الحوثي، بل تعني فتح الطريق أمام معالجة تنهي معانات الشعب اليمني وتعيد إليه حقه في الحياة الآمنة والتنمية والقرار الوطني المستقل.
إن التجربة السعودية في مواجهة الحوثيين تضع أمامنا سؤالًا أوسع من حدود اليمن والمملكة: كيف يمكن للدولة أن تحمي أمنها في بيئة مضطربة دون أن تفقد البوصلة الإنسانية؟ والجواب لا يكون بادعاء الكمال، ولا بتجاهل تعقيدات الحرب، وإنما بالتمسك بمبادئ قابلة للاختبار: حق الدفاع عن النفس، وحماية المدنيين، والتناسب في استخدام القوة، واستمرار السعي إلى الحل السياسي، ورفض تحميل الشعوب نتائج خيارات الميليشيات المسلحة، وهذه المبادئ لا تمنح أي الحوثيين حصانة من المساءلة، لكنها تقدم معيارًا يمكن من خلاله تقييم السلوك السياسي والعسكري بعيدًا عن الشعارات والانفعالات، لقد أثبتت المبادرات أن باب السلام يمكن أن يظل مفتوحًا حتى في أصعب الظروف، كما أثبتت الاعتداءات أن السلام لا يستقيم مع تجاهل مصادر التهديد وهو الحوثي أو ترك المدنيين والمنشآت الحيوية عرضة للهجمات، وبين هذين المسارين تقع مسؤولية القيادة السياسية: أن تحمي الوطن، وأن تمنع الحرب من التحول إلى غاية، وأن تمنح الحلول الدبلوماسية فرصة حقيقية، وأن تتعامل مع الإنسان بوصفه القيمة التي ينبغي أن تنتهي إليها كل السياسات، إن الموقف السعودي، الذي يجمع بين الحزم في حماية الأمن الوطني والتمسك بخيار التسوية السياسية الشاملة بين اليمنيين، يعكس نهجًا يوازن بين متطلبات الدفاع عن أمن المملكة والسعي إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي، ويؤكد أن القوة المسؤولة لا تتعارض مع الحلول السياسية، بل تسهم في تهيئة الظروف اللازمة لها، مع الالتزام بالقواعد الإنسانية ومبادئ القانون الدولي في مختلف العمليات العسكرية.
وفي النهاية ليست أخلاق القوة أن تمتنع الدولة عن حماية نفسها، وليست الشجاعة أن ترد على كل اعتداء بتوسيع دائرة الدمار، بل أن تمتلك القدرة على الرد، والحكمة في اختيار وسيلته، والإرادة السياسية لإنهاء الحرب عندما تتوافر فرصة السلام، فالمملكة وهي تواجه هجمات تستهدف أمنها ومنشآتها ومرافقها المدنية، مطالبة بحقها المشروع في الدفاع عن سيادتها وحماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها، كما أن التزامها بالحل السياسي يظل قيمة مهمة كلما اقترن بخطوات عملية تحمي المدنيين وتفتح طريقًا لإنهاء الأزمة، أما الحوثيون، فإن مسؤوليتهم تجاه اليمنيين لا تنفصل عن مسؤوليتهم عن قرارات التصعيد التي تزيد معاناة بلد أنهكته الحرب؛ فلا يمكن لمن يرفع شعار الدفاع عن اليمن أن يجعل أراضيه منصة لاستهداف جيرانه، ثم يتجاهل ما يترتب على ذلك من مخاطر على شعبه ومستقبل دولته، إن السلام فيه حماية من استهداف المدنيين وتأكيد اليمن على حقه في حياة لا تتحكم فيها الصواريخ الحوثية ولا رهانات ميليشياتها.