محمد بن عبدالله آل شملان
خلف كل رقم ضخم يُعلن في دواوين المال والاقتصاد، توجد حكاية إنسانية دافئة، ودعاء خفي صعد إلى السماء ذات ليلة، ونية صادقة أودعها صاحبها في الأرض لتنبت خيراً لا ينقطع. وحين نلتفت اليوم إلى قطاع الأوقاف في المملكة العربية السعودية، ونرى هذا الرقم المهيب الذي تجاوز 500 مليار ريال، فإننا لا نرى مجرد أصول وعقارات وأسهم، بل نرى بحراً من الوفاء، وجبالاً من صدق النوايا، شيدتها أيدي الآباء والأجداد، وتتعهدها اليوم أيدي الأبناء بالرعاية والنماء.
هذا الرقم هو تجسيد حي لروح العطاء التي تجري في عروق هذا الوطن، حكاية أمة تعشق الأثر، وتؤمن بأن رحيل الإنسان عن الدنيا ليس نهاية لقصته، بل هو بداية لقصة أخرى يكتبها «الوقف» بأحرف من نور.
حين تحدث نائب محافظ الهيئة العامة للأوقاف، الأستاذ عبد الرحمن العقيل، عن قرب صدور نظام الأوقاف الجديد وعلاج معضلة «النظارة»، لم يكن يتحدث عن نصوص جافة أو مواد قانونية مجردة، بل كان يضع المظلة التي تحمي «الأمانة».
إن الوقف في جوهره هو «أمانة الغائب في يد الحاضر». وكم من أوقاف تعثرت في الماضي، لا لنقص في نية صاحبها، بل لأن عاديات الزمن واختلاف الأجيال وغياب النظارة المؤسسية المحترفة كان يطفئ بريقها. وحين يأتي النظام الجديد ليفعل مفهوم «النظارة الاعتبارية»، فهو في الحقيقة يضخ دماء جديدة في عروق تلك الوصايا القديمة. إنه يضمن أن النبتة الطيبة التي غرسها واقفٌ رحل عن دنيانا قبل مائة عام، لن تذبل بسبب خلاف عائلي أو نقص خبرة فردية، بل ستتولاها مؤسسات قوية، تحمي هذا الإرث، وتحترم دمعة الواقف وصوت دعائه، ليبقى ريع الوقف متدفقاً إلى وجوه الخير كما أراد وأحب.
قد يبدو دخول الشركات الخاصة إلى عالم الأوقاف خطوة غارقة في المادية لبعضهم، لكنه في العمق يمثل أسمى درجات الرعاية والتشريف لأموال الله. إن الاستعانة باحترافية القطاع الخاص، وخبرات الاستثمار الحديثة، لا تعني تجريد الوقف من روحانيته، بل تعني إحاطة هذه الروحانية بسياج من القوة والمنعة.
العاطفة وحدها قد تعجز عن إدارة محفظة استثمارية معقدة، لكن حين تلتقي نية الواقف الطاهرة مع كفاءة المدير المحترف، تحدث المعجزة التنموية. إن تحويل الأوقاف من نمط العقارات القديمة التي تكاد تندثر، إلى أسهم وصكوك ومشاريع تنموية حديثة، هو بمثابة إطلاق العنان لخير الوقف لكي يطير بأجنحة قوية. الشركات الخاصة هنا لا تسعى للربح المجرد، بل هي «العقل الحارس» الذي يضمن أن التدفقات النقدية الموجهة لإطعام جائع أو كفالة يتيم أو بناء مدرسة أو علاج مريض لن تتوقف أبداً، بل ستتضاعف وتنمو لتصل إلى أعداد أكبر من البشر الذين ينتظرون هذا العطاء خلف أبواب الحاجة الموصدة.
لقد تحولت الهيئة العامة للأوقاف من دور الجهة البيروقراطية الصارمة إلى دور الحاضن الحاني لكل نية خير على أرض المملكة. بجهودها وممكناتها، جعلت من قطاع الأوقاف بيئة آمنة يشعر فيها الواقف -سواء كان ثرياً يوقف الملايين، أو إنساناً بسيطاً يساهم بريالات معدودة في صندوق وقفي عام- بأن صدقته في أيد أمينة.
عبر منصاتها الرقمية، وصناديقها الاستثمارية الوقفية، فتحت الهيئة الأبواب مشرعة أمام كل من يريد أن يترك خلفه أثراً لا يموت. لم يعد الوقف حكراً على كبار الملاك، بل أصبح ثقافة شعبية، يساهم فيها الجميع، لتتجمع قطرات العطاء الصغيرة وتصنع هذا النهر الهادر «500 مليار ريال» الذي يروي ظمأ المحتاجين في كل زاوية من زوايا الوطن.
إن الأوقاف في المملكة العربية السعودية هي قصة حب ممتدة بين الإنسان وأرضه، وبين العبد وربه. إنها الرسالة التي يبعثها الأحياء للأموات بأن «وصاياكم في حدقات العيون»، والرسالة التي يبعثها جيل اليوم للأجيال القادمة بأن «الخير مستدام، وأن هذه الأرض ولّادة بالرحمة».
تحت مظلة رؤية السعودية 2030، وفي ظل توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -أيده الله-، ومتابعة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، يرتدي الوقف حلة المستقبل دون أن يفقد هويته الروحية العميقة. ستظل هذه الـ500 مليار ريال، بفضل الحوكمة والشركات والأنظمة الجديدة، شاهدة على أن العطاء في هذا الوطن ليس مجرد واجب، بل هو نبض قلب وثقافة حياة ومنارة نقاء لن تنطفئ أبداً، لتظل بركتها تظلل البلاد والعباد إلى ما شاء الله.