د. أنس عضيبات
حين تهوي مطرقة القاضي في قاعة المحكمة معلنةً النقطة الأخيرة في وثيقة الزواج، يُسدل الستار رسمياً وقانونياً على شراكة لم يُكتب لها الاستمرار، لتُحسم الخلافات بلغة البنود والنفقات وأوقات الرؤية ولكن خلف هذا الحسم الإجرائي البارد، يولد في اللحظة ذاتها فصل تراجيدي صامت داخل عقل طفل صغير يقف مشدوهاً عند مفترق الطرق؛ فالصغير لا يرى في الطلاق مجرد إجراء تنظيمي أو انتقال مكاني سلس من غرفة إلى أخرى، بل يختبره كزلزال عنيف يُقوض أركان عالمه بالكامل، فالأب والأم يمثلان في وعيه الفطري «السماء والأرض»، وسقوط هذا البناء المتكامل يعني تهاوي سقف أمانه النفسي، ليدخل مبكراً في مواجهة ضارية مع قلق الفقد وتداعي الثوابت التي شيّد عليها تصوره البدائي عن الوجود والحياة.
تتسلل هذه الأزمة الوجودية إلى مسامّ الطفل اليومية حين يتحول «البيت» من ملاذ دافئ ومرساة وجدانية إلى «حقيبة سفر معلقة» ومحطة عبور دائمة، ويجد الصغير نفسه مشطور الهوية، معلقاً بين نظامين تربويين متنافرين، وقاعدتين سلوكيتين متضاربتين، ومزاجين متباينين يتطلبان منه تكيفاً مستمراً ومرهقاً، وفي هذا التمزق الجغرافي والنفسي، تثور في أعماقه تساؤلات مربكة لا تسعفها لغته القاصرة: «من أكون إن لم نعد معاً؟ وأين موطني الحقيقي؟» وسرعان ما ينقلب الشتات المكاني إلى اغتراب عاطفي؛ إذ يشعر الصغير بأنه بات مجرد «ضيف دائم» في حياة والديه، يُجبر نهاية كل أسبوع على توضيب مشاعره وإعادة ترتيب ولائه بما يناسب هوية العنوان الجديد الذي يبيت فيه.
تربوياً ونفسياً، يقع معظم هؤلاء الأطفال في شِباك فخ معرفي لا يرحم يُعرف بـ»الذنب الأناني»؛ فبحكم مرحلته النمائية المتمركزة حول الذات، يعتقد الصغير أنه مركز الكون وسبب كل ما يجري حوله، ومن ثمّ يسارع إلى لوم نفسه على تصدع هذا الكيان الأسر،.و يتملكه هاجس مرير بأن نوبة غضب عابرة، أو تراجعاً في درجاته المدرسية، أو تمرداً طفولياً صغيراً كان الشرارة التي دفعت أحد والديه للرحيل، وهذا الحمل الجائر يثقل كاهله الهش، مفرزاً صورتين متناقضتين: إما انكفاءً داخلياً واكتئاباً مقنعاً يداريه خلف صمت ثقيل، أو انفجاراً سلوكياً يتمثل في عدوانية ونوبات غضب غير مبررة؛ وهي في جوهرها ليست سوى صرخة احتجاج وجودية تعبر عن عجزه التام عن رأب صدع الانهيار.
تزداد المأساة قتامة حين يُنزع الطفل قسراً من براءته ليتحول -بوعي من الوالدين أو بدونه- إلى ورقة ضغط، أو وسيط استخباراتي، أو سلاح تصفية حسابات في حرب استنزاف خفية، حيث تنهال عليه الاستجوابات المشحونة عقب كل زيارة: «ماذا أكلت هناك؟ ومن قابلت؟ وماذا قالا عني؟»، مصحوبة بعبارات تقطير السم وتشويه الطرف الغائب، وهذا الاستقطاب الحاد يزج بالطفل في صراع ولاءات مدمر، حيث يغدو حبه لأحدهما بمثابة خيانة موصومة للآخر، مما يضطره مبكراً لارتداء أقنعة نفسية مشوهة تفوق سنوات عمره؛ فيتعلم كيف ينافق الأم بما تحب سماعه، ويساير الأب بما يرضي غروره، ليكبر على ازدواجية مؤلمة تفقده اتصاله الصادق بذاته، وتزعزع ثقته الفطرية بمصداقية عالم الكبار.
لا تقف ارتدادات هذه الصدمة عند حدود سنين الطفولة الأولى، بل تتمدد كظلال ثقيلة تعيد تشكيل وعيه الاجتماعي ونظرته المستقبلية لكافة الروابط الإنسانية فالطفل الذي عاين عن قرب هشاشة العهود المقدسة وتلاشي مفهوم العش الآمن، ينمو في الغالب محاصراً بـ»عقدة التعلق غير الآمن» ورعب دفين من الاقتراب الحميم، أو يفرط في السعي نحو الكمالية الدفاعية خوفاً من التعرض للرفض والنبذ مجدداً، وتصبح العلاقات في لاوعيه مشاريع مؤقتة، هشة، وآيلة للسقوط عند أول اختبار، مما يُلقي بظلال الشك على قدرته مستقبلاً في بناء أسرة متزنة، ويجعله يراوح بين العزلة النفسية الواقية وبين الارتباط المشوب بالترقب الدائم للخيانة والرحيل.
إن حماية الطفولة من هذا الانزلاق الوجودي لا تتطلب التضحية بالانفصال إن استحالت الحياة، بل تستوجب النضج لإدراك حقيقة جوهرية فاصلة: «إنهاء عقد الزواج لا يسقط أبداً ميثاق الوالدية»، حيث تقع على عاتق الأبوين مسؤولية أخلاقية تقتضي تحييد الصغير تحييداً تاماً عن ساحات العداء القضائي والشخصي، وتكريس رسالة طمأنينة غير مشروطة تثبت في قلبه: «لقد توقفت شراكتنا كزوجين، لكن رعايتنا وحبنا لك كأب وأم حقيقة أبدية لا تنال منها المسافات ولا تبطلها وثائق المحاكم»، عندها فقط، يستعيد الصغير اتزانه الروحي ويهدأ قلقه الوجودي، متيقناً أن كيانه لم يكن يوماً ضريبة خطأ عابر، بل هو الأصل الذي يستحق أن تزهر طفولته آمناً ومحمياً، مهما عصفت بأطرافه رياح الفراق.