سليم السوطاني
تحت ركام العمر ومتغيراته يرزح مصير الإنسان.. كم هي مرعبة فكرة هرولت حياة المرء بها نحو العجز والتلاشي والانطفاء شيئًا فشيئًا!
ربما ينبع صوت من داخلنا يقول: «علينا أن نتعايش مع تقدّم العمر، فهذه حال الجميع». نعم، هذه دورة الحياة، لكنك حين تخونك قدماك في السير، وتترنح خطواتك، وتتجعد ملامح وجهك، فتنشأ عقدة في داخلك تجعلك تشيح بعينيك عن المرآة كي لا ترى شبحًا لا تعرفه يبرز منها، تدرك حجم وقيمة العمر الذي مضى!
قد يبعث الوعي رسالة طمأنينة، وأن المرء لن يعيش خارج حدود ما كتب له… وهذا الأمر يعدُّ بلسمًا مخدرًا في بعض الأحيان، لكن سرعان ما تعود بعدها «كآبة الشيخوخة» لتطل برأسها بكل بشاعتها التي بدأت تنخر في قوى الإنسان.
حقيقةً، على المستوى الشخصي لا أخشى الموت، وأعدّه نقيض الحياة، ونهاية لا بد منها، ولكن خوفي الكامن في أعماق نفسي يأتي من ولوج العمر في عتبات الشيخوخة، وأشد ما أخافه ضعف الذاكرة، فقدان البصر، العجز… أو أن أصبح عالة على غيري، ولا أستطيع أن أقوم بأبسط الأشياء إلا بمساعدة الآخرين… يا لهذه اللحظات القاسية من حياتي التي سأصل إليها، والتي تجعلني على هذا النحو البائس!
لقد عشتُ وحيدًا أركض في متاهات الأمكنة، والدنيا، وعشت نزق الحياة وفورة الشباب، ولم أكن أعبأ بعثرات الزمن، فقد بنيت جسورًا من الصبر على مكابدة كل المنزلقات التي تعترض طريقي. وأنا اليوم على عتبات الخمسين، بعد ما رحل الأصدقاء، وبدأت الوجوه التي حفظت ملامحها، منذ كنت صغيرًا، تتوارى من مشهد الحياة، وتجرعتُ الخيبات، وكُسِرت مرارًا، ولكن ذلك كله لم يحرك فيّ شعرة، فما زلت صبورًا وأُجابِه كل إعصار يهب بقوةـ وأقفل أبوابي المحكمة أمامه، ولكن عندما خطوت نحو الخمسين ارتعش قلبي، ودخلتها خائفًا، أنتعل التردد بالخطوات المترنحة، واجتاح عقلي القلق المضني. وكل خوفي من شبح «العجز والضعف»…
وأنا هنا، ما زلت واقفًا أقاوم فكرة الشيخوخة، لكنني لا أعلم؛ هل سأنفذ منها، أو ستتوقف رحلة القوة، وأبدأ بالتهاوي تحت ركام العمر الذي ينقص كل يوم.
وتظل مراحل العمر تجارب، لكل أمرئ تجربته الخاصة، يعيشها بحلوها ومرها متأملًا ما كان عليه، وما ينتظره، ويستمر الركض حتى الانطفاء.