أحمد بن عبدالرحمن السبيهين
أنشأ الإنجليز مدينة «دلهي الجديدة» حاضرةً لمُلكهم في «الهند»، وسط عالَمٍ غريب كأنه بحرٌ مُتلاطم الأمواج.. أرادوها واحةً من (الحضارة) والنظام والعقل، وسط عالَمٍ (همجيّ) في زعمهم، وتيّارات من الفوضى.
وكما أن السير «كريستوفر رين» خطّط مدينة «لندن»، وأعطاها سمْتها وطابعها، فقد استقدموا إلى «الهند» مُهندسًا مِعماريًّا شهيرًا هو السير «إدوين ليوتنز»، فرسم «دلهي» وفي ذِهنه قصر «بكنجهام»، وشارع «مال» الذي يؤدّي إلى ميدان «الطّرف الأغرّ»، وحدائق «سان جيمس»، ومقرّ رئاسة الوزارة في «داوننج ستريت»، ومؤسّسات الدولة في «وايت هول».
وإذا كان قصر «بكنجهام» هو مركز الجذب في «لندن»، فإن مركز الجذب في «دلهي» هو مقرّ «فايس روي»، نائب الملِك أو الملِكة، وظِلّ العرش البريطاني على أرض «الهند».
الميدان هُنا في «دلهي» أوسع من الميدان أمام قصر «بكنجهام»، ودُور الحُكم المبنيّة من حجرٍ أحمر أكثر فخامةً وأُبّهةً من مثيلاتها في «لندن».. هُنا بنوا ببذخٍ؛ لأنهم ظنّوا أنهم سوف يبقون إلى الأبد!
غير بعيد من وسط المدينة، وراء الشوارع الواسعة والباحات الفسيحة، وراء الأشجار الظليلة والحدائق المُهذّبة، وراء الفِلل الرّاقية والفنادق الفخمة، تزخر أمواجٌ من البشَر، هُم أهل «الهند» كما كانوا منذ قُرون، تتدافع نحو مركز المدينة لتُغرِق الحُلم الإمبريالي إلى الأبد!
وها هي ذي الطّلائع: أبقارٌ مُهمَلة ترعى في الأحياء الراقية، وحُواةٌ ينفخون في مزاميرهم للأفاعي، ومُشعوِذون يوهِمون السّياح بأنهم يجعلون الناس يسبحون في الهواء.. صُراخ الباعة وزحمة البشَر، وخليط من الأنغام الهندية، وموسيقى القِرَب الإسكتلندية، ومارشات عسكرية من أبواقٍ نُحاسية، والخَلقُ حول المسجد الكبير، كأنهم في يوم الحَشر!
ماذا يفعل النظام الإنجليزي في هذه الفوضى الأزلية؟ لا بدّ أنهم كرهوا هذا التزاحم وهذه الفوضى.. هؤلاء الناس المُنطوون على أنفُسهم، المؤثِرون العُزلة والابتعاد عن الآخرين، كلّ واحد منهم جزيرة قائمة بذاتها، ما الذي أتى بهم إلى هذا العالَم المسحور، وجذبهم إلى هذا الأُفق البعيد المُحيّر؟
وبعد أن استقلّتْ «الهند»، عجِب البريطانيون حين انضوتْ تحت لواء رابطة شعوب «الكومنولث»، وعجبوا أكثر حين قال «نهرو»، الذي قضى زهرة شبابه في سُجونهم، في خُطبة له في «لندن»: إنه لا يشعر بأيّ مرارة تجاه «بريطانيا».
لقد حاول «تشرشل» جُهده ليحول دون استقلال «الهند»، واتّهم رئيس الوزراء «كليمنت أتلي»، الذي استقلّتْ «الهند» في عهده، بأنه يتخلّى عن أثمن ما تملكه «بريطانيا».
وإذا كان «غاندي» هو روح «الهند»، فإن «نهرو» هو مؤسّسها وواضع دعاماتها الأولى، وقد كان من حُسن الحظّ أن الأقدار قد جمعتْ بين الرّجلين في ذلك الوقت بالذّات، وكأنهما كانا على موعد؛ وذلك لا يحدث إلا نادرًا: أن يوافق رجُلُ الرّوح رجُلَ الفِكر والعمل.
نشأ «نهرو» في بحبوحةٍ من العيش، شأنه شأن نُبلاء الهند «البراهمين»، ودرس مع السّادة المُستعمِرين في كُليّة «إيتون» وجامعة «أوكسفورد»، وقد استهوتهُ حياتهم، واستجاب لإغراءات حضارتهم، وكان في طبيعته أميَل إلى اللوردات الإنجليز منه إلى فُقراء «الهند»، ولو ترك نفسه على سجيّتها، لربما مضى مثل مئات الهنود من طبقَته، وأصبح آخر الأمر، إن لم يكن إنسانًا تافهًا، فإنسانًا لا يُؤبَه له.
ولمّا أيقن المُستعمِرون أن زمانهم في «الهند» قد انقضى، كان «نهرو» مُستعدًّا.. كذلك، طوال مراحل التاريخ، تجيء لحظةٌ يُحِسّ فيها الدُّخلاء، مهما كانت نواياهم حسَنة، ومهما كانت أحلامهم كبيرة، أن زمانهم قد ولّى، ولا بدّ من الرحيل، ولم يكن في «الهند» كلّها رَجلٌ واحد يُمكن أن يُنافس «نهرو» على الزّعامة.
تمثال اللورد «روبرت كلايف»، الحاكم البريطاني الأول للهند، لم يزل قائمًا في مكانه في «دلهي»، تهُبّ عليه الرياح من الجنوب والشمال، وتسفعه أمطار «المنسون» الموسميّة، وتجلس الطير على رأسه.. وهو يتحمّل هذه المهانة بصبرٍ، زامًّا شفَتيه كما يفعل الإنجليز، ناظرًا إلى الأُفق نظرةً تجمع بين الاحتقار والرّضا عن النفس.
إنه مصيرٌ مُهينٌ حقًّا لرَجُلٍ كانت تنحني له جِباه «راجات» الهند، وتوجف القلوب من خشيته وبطشه، وتتعلّق مصائر الملايين بكلمةٍ منه.. ولعل هذا ما أراده «نهرو»: أن يجعل «الهند» تثأر لنفسها من الغُزاة الفاتحين على طريقتها، وكذلك ظلّتْ تماثيل كلّ الرّجال الذين مكّنوا لسُلطان «بريطانيا» في هذه البلاد، لم يُزيحوها عن أماكنها.
جاء «الإنجليز» إلى هذا الأُفق البعيد، مُتشبّثين بأذيال «شركة الهند الشرقية»، يحدوهم الطّمع وأحلام المجد، والفُضول وحُبّ المُغامرة. دخلوا بخليطٍ من التدبير والحذر، والإقدام والإحجام، وقليلًا قليلًا وجدوا أنفُسهم سادةً على شِبه قارّة، جزيرتهُ م بالنسبة إليها مثل الشّامة البيضاء في جِلد الثّور الأسود. وجدوا عالَمًا يموج بألوانٍ من البشَر، ويرطُن بلُغاتٍ شتّى، ففرضوا شرائعهم وقوانينهم، وأقاموا «دلهي الجديدة» رمزًا لهذا النظام الإمبريالي الجديد، وملأوا أرض «الهند» بتماثيل رجالهم؛ هذا يمتطي حصانًا، وذاك يمتشق حُسامًا، وهذا ينظر بصَلَفٍ، وذاك ينظر بحِكمة!
ثم حان وقت الرحيل، كما يحدث حتمًا للغُزاة الفاتحين عبر التاريخ، فدقّتْ ساعة مُنتصف الليل، وأعلن «نهرو» بصوتٍ مُتهدّج أن «الهند» قد عادت إلى أهلها.
كان يُتوقَّع، بل كان من حقّ أصحاب الأرض، أن يُزيلوا تلك الأنصاب الاستعمارية، ولكن «نهرو»، الخبير بتعرّجات التاريخ والمُدرِك لسُخرية الأقدار التي لا تني تضحك من تفاهة مسعى الإنسان، قرّر أن يدعَ ذكريات ذلك العهد البائد على حالها.. وظلّتْ واقفةً تعتَورُها الرياح، وتموج حولها حُشود الهنود في تدافُعها الأزليّ، حتى لتكاد تُغرقها.
وهكذا بقي «كلايف» ماثلًا في «دلهي» مثل الأسير، ولسوف تمرّ به الحقب وهو رهينة في أسره الأبديّ، لا يستطيع منه فكاكًا.. ظلّ «كلايف»، صاحب الهند، ماثلًا حيث وضعته الأقدار، سجين الغرور الإنساني، تمُرّ عليه الأزمنة، وتقفُ على رأسه الطّير!