عبدالله العولقي
إنْ كان لإنجلترا شكسبير، ولألمانيا غوته، ولإيطاليا دانتي، فإنّ لفرنسا مارسيل بروست. هكذا قال الناقد الفرنسي جان إيف تادييه إنصافًا لهذا الكاتب الكبير الذي قضى معظم أيّام حياته منعزلًا داخل غرفة كئيبة مظلمة، كلُّ جدرانها مغطاة بألواحٍ من مادة الفلّين؛ فنسمة هواءٍ باردةٍ قد تشعل التهابًا حادًّا في صدره المتهالك، فبسبب ضعف دورته الدموية كان دائم الإحساس ببرودةٍ داخل جسده! ولهذا فرض على نفسه العيش داخل ظروف قاسية محكمة. فعندما كان في سنّ التاسعة أُصيب بأوّل نوبة ربوٍ كادت أن تقضي على حياته! وبسبب مرضه كان يقضي عطلات طويلة في قرية إليليرس التي حوّلها خياله فيما بعد إلى مدينة كومبراي الخياليّة في روايته «البحث عن الزمن المفقود»، هذه الرواية التي أضحت من روائع الأدب العالمي.
وُلد مارسيل بروست عام 1871م، ودرس القانون، لكنّه كان شغوفًا بالأدب، وكعادة الكتّاب المتميّزين، نشأ غارقًا بين ثنائيّة القراءة والكتابة. ففي العطلات التي كان يقضيها مع أسرته داخل منزلٍ ريفيٍّ صغير، لم يكن الصبي يتوقف عن القراءة ليلًا أو نهارًا، وهو الأمر الذي رافقه طيلة حياته. وهنا ننتقل إلى دور الأم في حياته، والتي كان لها الدور الأبرز في إثارة شغف القراءة عنده منذ أن كان طفلًا، فكانت تستلقي جواره وهي تحيطه بذراعيها، بينما كانت تقرأ له حتى ينام. وبعد أن كبر قليلًا، بدأ يعاني من الأرق، فكان ينتظر حتى ينام جميع أفراد الأسرة، فيشعل الشمعة ليقرأ خائفًا من أن يُكتشف أمره ويتعرض للعقاب!
لم يكن الربو مرضه الوحيد! فقد كان بروست يعاني من اضطراباتٍ نفسيّةٍ وعصبيّةٍ مزمنةٍ كانت تقوده إلى المستشفى أحيانًا، وإلى العزلة والانطواء أحيانًا أخرى. ولهذا كان يرى أنّ علاجه يكمن في الاستغراق بين صفحات الورق قارئًا أو كاتبًا. ففي كتابه «أيّام القراءة» يقول: «هذه الكتب تلعب دورًا موازيًا لدور الأطباء في الحالة العصابيّة، فقد أتاحت لي القراءة أن أعيد التفكير مرارًا في كتابة روايتي، كما أنها ساعدتني على أن أمتلك عقلًا قادرًا على الوصول إلى الحياة الداخلية للكلمات، فالأيام التي نقضيها بصحبة كتابنا المفضل هي أهمّ أيام حياتنا!». لكنّ بروست لم يكن يقرأ بفوضوية، بل كان يقرأ بتوجّسٍ ونقدٍ داخلي حتى يحمي إبداعه الخاص من التأثر بأساليب الآخرين، فهو يرى أنّ الإفراط في القراءة قد يقتل عبقريّة الكاتب عندما تبتلع أفكار الآخرين صوته الداخلي الخاص.
وعن طقوسه في الكتابة، كان بروست يحب الكتابة بقلم الحبر فقط، وفي داخل غرفته المظلمة كان يصنع مختبره الإبداعي. فهل كان إبداعه الفني مقابلًا موضوعيًّا لأوجاع المرض؟ ربّما يكون الأمر كذلك! فقد كان يعاني من الحساسية المفرطة من ثلاثية لفح البرد والروائح النفّاذة والأصوات المرتفعة، ولهذا قام بتبطين جدران الغرفة بألواح الفلّين العازل للصوت، كما كان يُبقي النوافذ مغلقة حتى في قيظ الصيف! ويمنع تسلّل أيّ زهورٍ أو عطورٍ لأنها تسبّب له نوبات اختناق! ورغم أنه عاش في مدينة الجمال والموضة، فإنه كان متقشفًا في مظهره وملبسه، بعيدًا عن مظاهر الأناقة، لكنه في المقابل كان صاحب أخلاق رفيعة في تعامله مع الآخرين، ولكم غمر أصدقاءه بالهدايا غير المتوقعة رغم ظروفه الماديّة الصعبة!
لقد أمضى سنواته الأخيرة محجوزًا داخل غرفة نومه، ينام بالنهار ويعمل في الليل، لا يكتب إلا وهو مستلقٍ على ظهره، ممسكًا قلمه بيده اليمنى، ويحمل بيده اليسرى أوراقه، كاتبًا ومصحّحًا روايته الخالدة «البحث عن الزمن المفقود». ولهذا جاءت مسودّاته عبارة عن خارطة متشعبة من الألغاز التي حيّرت عمّال المطابع أثناء عمليّة النشر! وإن أصابه الملل من وضعيّة الاستلقاء جلس على حافة السرير واتخذ من ركبتيه منضدة له! وأحيانًا كان يضطرّ للخروج إلى الصالونات الباريسيّة، فهو مهووس بالدقة والإتقان في وصف شخصيّات روايته، فكان يخرج وهو يرتدي معطفًا ثقيلًا وفراءً حتى في الطقس الدافئ، فيبدو كشبحٍ يراقب المجتمع الباريسي بصمت، فيدوّن في مذكراته أدقّ تفاصيل حركاتهم ونبرات أصواتهم.
أمّا عن أسلوبه في الكتابة، فقد تميز بإدخال الحواس كمحرّك أساسي للذاكرة والتاريخ الإنساني، فكان يردّد أنّ الجسد لديه ذاكرة أعمق من العقل، وقد تميز أسلوبه بالجمل الطويلة ذات البناء الهندسي المحكم. يقول أحد النقاد: «كان بروست لا ينفصل أبدًا عن شخصيات أبطاله، بل كان يعيش معهم ويحلم بهم ويموت معهم حرفيًّا». وتُعدُّ روايته «البحث عن الزمن المفقود» أطول رواية في التاريخ، إذ تجاوزت كلماتها المليون والنصف مليون كلمة! وتجاوزت شخصيّاتها المئتي شخصية، ورغم هذا الطول فقد جاءت محكمة في البناء الهندسي الروائي، وهذا يدلُّ على عبقرية بروست الأدبية. لقد كرّس حوالي أربعة عشر عامًا من حياته مستغرقًا في كتابة هذه التحفة الخالدة، فجاءت في سبعة مجلدات، هي: «جانب منازل سوان»، و«في ظلال ربيع الفتيات»، و«جانب منازل غرمانت»، و«سادوم وعامورة»، و«السجينة»، و«ألبرتين المختفية»، وأخيرًا «الزمن المستعاد». وقد وصفها الكاتب والناقد غراهام غرين بأنّها أعظم رواية في القرن العشرين من حيث القيمة الأدبيّة وجمال الأسلوب وعمق التحليل.
لقد ضرب مارسيل بروست أروع أمثلة الكفاح والصبر في معاناة المؤلفين مع النشر. فحين انتهى من كتابة آخر كلمة في الرواية، راوده شعورٌ داخليٌّ بأنّ دور النشر ستتهافت على نيل حقوق طباعة روايته، فقد ظهرت عليه ملامح الزهو وهو يسير بين طرقات باريس متجهًا نحو مبنى «غاليمار»، تلك الدار الشهيرة التي تنشر لأشهر كتّاب فرنسا وأوروبا، لكنّ المشرف على النشر، وهو الأديب المعروف أندريه جيد، لم تعجبه الصفحات الأولى من الرواية! فرفضها وكتب معلّقًا: «لا مكان لرواية بروست عند غاليمار!». صُعق بروست من هذا الرفض، فقبول روايته في هذه الدار كان كفيلًا بأن تطغى شهرته على أرجاء العالم، لكنّه بثبات الواثق من نفسه شدّ رحاله إلى دار «فاسكال»، التي جاء في تقرير رفضها نقدٌ لاذعٌ لبروست وأسلوبه في الكتابة! وهكذا كانت نتائج الرفض تتوالى أمام بروست واحدة تلو الأخرى، وعندما طلب منه صديقه لويس روبرت أن يكفّ عن البحث ويقرّ بفشل روايته، عاتبه بروست قائلًا: «هذه الرواية هي ابنتي! ومن الطبيعي أن أبذل قصارى جهدي من أجلها، إنني أتصرف معها كما يتصرّف الأب مع صغيرته!». إنّ المعاناة الطويلة التي بذلها بروست مع دور النشر جعلت الباحث فرانك لومو يُفرد لها كتابًا خاصًّا وسمه بـ«مارسيل بروست في بحثه عن ناشر»!
وهكذا لم يستسلم بروست لليأس أبدًا، وبعد تفكير عميق قرّر أن ينشر الجزء الأول على حسابه الخاص، فاستدان من أصدقائه ورفاقه مبلغ الطباعة، وبعدها قدّم روايته لإحدى دور النشر التي أرهقها بكثرة تدخّلاته وتعديلاته. لقد كان يقضي يومه مع عمّال المطبعة! يشرف على كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ في عمليّة النشر رغم كلّ آلام المرض. وفي إحدى رسائله آنذاك يقول: «ما دمتُ قادرًا على الكتابة فإنّ المرض لن يهزمني!». وأثناء عمليّة الطباعة كانت الأفكار تتوالى على ذهنه وتجبره على تغيير مسار أحداث الرواية، وهذا الأمر سبّب له مشكلات عديدة مع دار النشر التي اضطرّت إلى تغريمه المزيد من الأموال! كان عمّال المطبعة يشتكون من رداءة خطّ بروست، بالإضافة إلى أنّ الورقة الواحدة كانت تتضمّن عشرات التفريعات والحواشي التي تتطلب جهودًا في تجميعها وترتيبها. لقد كان بروست مُغرمًا بتجويد العمل وإتقانه حتى تظهر الرواية في أحسن مظهر، بل إنه كان يتدخل في حجم الخط وشكل الغلاف ونوع التجليد، فكان يرى في كلّ هذه التفاصيل انعكاسًا لجماليّة العمل، وكان يقول: «إنني أكره أن تُغيّر كلمة واحدة فيما أكتب، فكلّ كلمةٍ عندي هي نبضٌ من دمي!».
وبعد عملٍ شاق، ظهرت الرواية أخيرًا في مكتبات باريس، فماذا كانت النتيجة؟ لقد حققت أرقامًا خياليّة في المبيعات! وتصدّرت قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، وهنا شعرت دور النشر الباريسيّة بالخطأ الجسيم حين رفضت رواية «البحث عن الزمن المفقود». ويكفي أنّ المستشار الثقافي لدار غاليمار الشهيرة، أندريه جيد، بعث رسالة اعتذار إلى بروست أصبحت فيما بعد أشهر رسالة اعتذار أدبي في العصر الحديث، كما يكفي أنّ مسودّتها قد بيعت لاحقًا في مزاد علني بملايين الدولارات! يقول فيها: «إنّه شعور الندم والتأنيب الأكثر حرقة في حياتي! إنّ رفضي لهذه التحفة الأدبيّة البارعة هو أكبر خطأ في تاريخ دار غاليمار».
توفي بروست وهو في الحادية والخمسين من عمره عام 1922م، وفي أيّامه الأخيرة كان مسرفًا في شرب القهوة والمهدّئات حتى ضعفت مناعته وذبل جسده، ويحكي المؤرخون عن ليلته الأخيرة أنّه نهض من فراشه مثقلًا ليلقي نظرته الأخيرة على لوحته المفضلة «منظر ديلفت» للرسام الهولندي يوهانس فيرمير، وبعدها استدعى خادمته وأملى عليها التعديلات الأخيرة على مشهد وفاة الشاعر بيرغوت، فكان يكتب عن الموت وهو يعيشه واقعًا في تلك اللحظات الصعبة!