جواهر الرشيد
تتجلَّى قيمةُ الشِّعرِ في قدرةِ الشُّعراءِ على تحويلِ الألمِ النَّفسيّ إلى صورةٍ فنَّيـَّـةٍ ذاتَ طابعٍ وجدانِيّ، تمنحُ الحزنَ لغةً شعريَّةً تفصَحُ عمَّا يختلِجُ في أعماقِ النَّفسِ من مشاعرَ استولَتْ على الوجدانِ حتَّى نطقتْ بها الدُّموعُ فعكسَتْ آلامَه في إيقاعٍ يحملُ صدى ارتجافِ الشُّعورِ الذي تجاوزَ حدودَ الوصفِ الظَّاهريّ إلى الكشفِ عن صدقِ التَّجربةِ الشُّعوريَّةِ، فالشَّاعرُ الوجدانيّ يقرِّرُ الصِّلةَ بين الدَّمعِ ومسبِّباتِه الوجدانيَّة الكامنةِ وراءَ انهمارِها في شعرٍ صادقٍ رهيفٍ يمنحُ التَّجربةَ الإنسانيَّةَ حقَّها ومعناها.
صوَّرَ الأدبُ آمالَ الشُّعراءِ وآلامَهم، وصانَ أمانةَ الحضارةِ العربيّةِ، فهو مرآةُ الأممِ الذي يزدهرُ بازدهارِها، ويخفتُ إذا خبا وهجها، مُتأثِّرًا بما يطرأُ عليها من قوََّةِ أو ضعف. وقد مرَّ الأدبُ العربيُّ بعصورٍ من الوهنِ والفُتور، وخفتَتْ بعضُ خصائصِه التي عُرفَ بها في عصورِ ازدهارِه، من قوَّةِ الصِّياغةِ، وجزالةِ اللَّفظِ، ورصانةِ البناءِ، وجمالِ الفكرةِ، وسعةِ الخيالِ حتَّى بدأتْ في القرنِ التَّاسعِ عشر بوادرُ نهضةٍ عربيَّةٍ سعَتْ إلى استعادةِ الصِّلةِ بالموروثِ الأدبيِّ، وإحياءِ ما خبَا من جمالِه وقوَّتِه، فحقَّقَتْ زعامةً أدبيَّةً بدأَها (محمود سامي البارودي) رائدُ الشِّعرِ العربيّ الحديثِ الذي تمسَّكَ بالأصولِ التَّقليديَّةِ للشِّعرِ العربيّ، فكانَ من أبرزِ روَّادِ الإحياءِ والبعثِ. استلهمَ نماذجَ الفحولِ من الشُّعراءِ، واستعادَ الأصولَ الفنِّـيَّـةَ في بناءِ القصيدةِ العربيَّةِ وصاغَها في تجربةِ عصرِه ووصفِ قضاياه، فكانَ إحياؤُه للشِّعرِ امتدادًا لمجدٍ عربيٍّ عريق، وإعادةَ وصلٍ بينَ حاضرِ الشِّعرِ العربيّ وماضِيه المجيدِ.كانَ شديدَ الاعتزازِ بهذا الميراثِ، مُستشعرًا صلتَه العميقةَ به، يقولُ:
أنا في الشِّعر عريقٌ
لم أرثْهُ عن كَلالةْ
كان إبراهيمُ خالي
فيه مشهورَ المقالة
أحيا البارودي الشِّعرَ شكلًا ومضمونًا، فامتدَّ إحياؤُه إلى جوهرِ الشِّعرِ المستمدِّ من عمقِ إحساسِه وصدقِ تجربتِه، فحلَّقَ بأفكارِه إلى قِمَمِ الإبداعِ متغنِّيًا بإيقاعٍ عربيٍّ أصيلٍ في إطارِ تجربةٍ إنسانيَّةٍ حديثةٍ تلائمُ عصرَه بقضاياه النَّفسيَّةِ والسِّياسيَّةِ، حتى غدَت قصائدُه مزيجًا من أصالةِ التَّعبيرِ وحرارةِ الإحساسِ.
ذاقَ الشَّاعرُ مرارةَ اليُتمِ وهو في السَّابعةِ من عمرِه، فتولّت أمُّه فاطمة رعايتَه كاملةً. أشرفَت على تعليمِه وأنشأتهُ نشأةً عسكريَّةً كأبِيه، تعلَّمَ النَّحوَ والصَّرفَ والعَروضَ والجبرَ والهندسةَ، وحفظَ القرآنَ الكريم. كانَ يقضي ساعاتٍ طوال في مكتبتِه الضّخمةِ بين كتبِ التَّاريخِ والأدبِ ودواوين فحولِ الشُّعراء.
دخلَ المدرسةَ الحربيَّةَ في الثَّانيةِ عشرةَ من عمرِه، ثمّ تدرَّجَ في الجيشِ. تولَّى مناصبَ ذاتَ مكانةٍ في الدَّولةِ، واشتركَ مع وزيرِ الحربيَّةِ (أحمد عُرابي) في موقفٍ سياسيّ ووطنيّ، ترأَّسَ فيه البارودي الوزارةَ حين اتَّخذَتِ الإمبراطوريَّةُ البريطانيَّةُ قرارًا بالتَّدخُّلِ العسكريّ في مصر؛ لتصفيةِ واغتيالِ الشَّخصيَّاتِ الوطنيَّةِ المصريَّةِ ومحاكمتِهم بالإعدامِ أوَّلًا ثمّ خُفِّفَ الحكمُ إلى النَّفي مدى الحياةِ إلى جزيرةِ سِيلان. بقيَ البارودي فيها سبعةَ عشرَ عامًا حتَّى عادَ إلى القاهرةِ بعدَ وِساطةِ الشَّيخِ محمد عبده للخديوي، وأعادَ ممتلكاتِه؛ ليتفرَّغَ إلى الأدبِ بعدَ أن جاوزَ عامَه الستِّين.
اجتمعَت على الشَّاعرِ في سيلان آلامُ الغربةِ بمرارةِ الشَّوقِ والحَنين، إذ توالَت عليه مصائبُ الفقدِ حتَّى فاضَ قلبُه أسىً، فما إنْ وَردَ إليه نعيُ زوجتِه عديلة حتَّى بكَاها في تعبيرٍ فنِّي مانحًا الدَّمعَ صوتًا، والغيابَ صورةً، والحنينَ إيقاعًا بمرثيَّةٍ موجعةٍ حوَّلَت المحنةَ الوطنيَّة إلى محنةٍ ذاتيَّةٍ صادقة، يقولُ:
أيدِ المنونِ قدحتِ أيَّ زِنادِ
وأطرتِ أيّةَ شعلةٍ بفؤادي
لم أدرِ هل خَطبٌ ألمَّ بساحتي
فأناخَ أم سهمٌ أصابَ سوادي
أقذى العيونَ فأسبلت بمدامعٍ
تجري على الخدَّين كالفرصادِ
يا دهرُ فيمَ فجعتني بحليلةٍ
كانت خلاصةُ عُدَّتي وعتادي
إن كنتَ لم ترحم ضناي لبُعدِها
أفلا رحمت من الأسَى أولادِي
أفردتهنَّ فلم ينَمنَ توجُّعًا
قرحى العيونِ رواجفَ الأكبادِ
ألقَينَ دُرَّ عقودِهنَّ وصُغنَ مِن
دُرِّ الدُّموعِ قلائدَ الأجيادِ
يبكينَ من ولهٍ فراقَ حفيَّةٍ
كانت لهنَّ كثيرةَ الإسعادِ
لكنّها الأقدارُ ليس بناجعٍ
فيها سوى التَّسليمِ والإخلادِ
لجأَ البارودي إلى غربتِه حاملًا مرارةَ الفقدِ وغربةَ الوطنِ، تزوَّجَ وأنجبَ ابنَه -علي- الذي كانَ موطِنًا للأنسِ، وبهجةً لقلبِه غيرَ أنَّ الفقدَ سرعانَ ما عاد؛ لِيجدِّدَ أحزانَه ويسلبَ منه روحًا سكنت أعماقَ قلبِه ، يقولُ في رثائِه:
كيفَ طوتك المنونُ يا ولدي
وكيف أودعتُكَ الثَّرى بيدي؟
واكبدي يا عليُّ بعدَكَ لو
كانَت تَـبُـلُّ الغليل واكبدي
كم ليلةٍ فيكَ لا صباحَ لها
سهِرتُها باكيًا بلا مَددِ
دمعٌ وسُهْدٌ وأيُّ ناظرةٍ
تبقى على المــدمعَين والسَّهَدِ
فليبكِ قلبي عليكَ فالعينُ لا
تَبلغُ بالدَّمعِ رُتبةَ الخُلدِ
لم يُبقِ الشَّاعرُ إحساسَه حبيسَ النَّفسِ، فهو يقرِّرُ حقيقةً وجدانيَّةً ناتجةً عن اعتراكِ المشاعرِ الدَّاخليَّةِ في أعماقِ النَّفسِ، حقيقةً تتجسّد في أنَّ الدموعَ تكشفُ عمَّا عجزَ القلبُ عن حملِه، وتُفرغُ الرُّوحَ عمَّا احتشدَ فيها أثرَ خيبةٍ أو خسارةٍ أو فقد، فيترجِمُ الدَّمعُ وجعَ الحزنِ وإن عجزَ عن وصفِ شدَّتِه، يقولُ:
لكلِّ دمعٍ جرى من مقلةٍ سببُ
وكيف يملكُ دمعُ العينِ مكتئبُ
فلولا مكابدةُ الأشواقِ ما دمعَت
عينٌ ولا باتَ قلبٌ في الحشا يجِبُ
لو كانَ للمرءِ عقلٌ يُستضاءُ به
في ظلمةِ الشَّكِّ لم تَعلق بهِ النُّوَبُ
ولو تبيَّنَ ما في الغَيبِ من حَدثٍ
لكانَ يعلمُ ما يأتي ويَجتنبُ
لكنَّه غرضٌ للدَّهرِ يرشُقُه
بأسهمٍ ما لها ريشٌ ولا عقبُ
مالَ البارودي إلى جانبِ بطولتِه وفروسيَّتِه إلى الكشفِ عن نزعاتِه الوجدانيَّةِ، فاجتمعَ ما قد يبدو مُتباعدًا ومُتناقضًا في آنٍ واحد، لكنَّ صلابةَ الفارسِ لم تَحجبْ رقَّةَ مشاعرِه ورهافةَ حسِّه ووجدانِه، بل وجدَ في الشِّعرِ مجالًا رحبًا للتَّعبيرِ عن آلامِه بصدقٍ عميقٍ يكشفُ قوَّةَ الجانبِ الإنسانيّ في مواجهةِ ما لا تستطيعُ النَّفسُ تغييرَه وبينَ ما تَشتَهيه، فيُودِعُ شكواهُ من قلبِ المعاناةِ نفسِها إلى فضاءٍ يمنحُ الآلامَ صوتًا يتخلَّله حِكمٌ مريرةٌ تمسُّ النّفسَ وتوقظُ أوجاعَها، حتى يغدو صوتُه الشِّعريُّ عزاءً عذبًا يحوِّل الألمَ إلى معرفةٍ والمعرفةَ إلى قبولِ ما لا تملكُ النَّفسُ دفعَه ولا تغييره أو منعَه، يقولُ:
رضيتُ من الدُّنيا بما لا أودُّه
وأيُّ امرئٍ يقوَى على الدَّهرِ زَندُهُ
أُحاولُ وَصلًا والصُّدودُ خصيمُهُ
وأَبغي وفاءً والطَّبيعةُ ضِدُّهُ
فأيُّ نعيمٍ في الزَّمانِ أرومُهُ؟
وأيُّ خليلٍ للوفاءِ أعدُّهُ
وكيف ألومُ النَّاسَ في الغدرِ بعدما
رأيتُ شبابي قد تغيَّرَ عهدُهُ
أطالبُ أيّامي بما ليس عندها
ومَن طلبَ المعدومَ أعياهُ وجدُهُ
وأصعبُ ما يلقى الفتى في زمانِه
صحابةُ مَن يشفي من الدَّاءِ فقدُهُ
وما أُبْتُ بالحرمانِ إلَّا لأنَّني
أودُّ من الأيامِ ما لا تودُّهُ
يتجلَّى الدَّمعُ الرِّثائي عندَ البارودي في أبلغِ صورِه حينَ يعجزُ الدَّمعُ عن الاستجابةِ عمَّا يكنُّه داخلُه من مشاعرَ. فقد تبلغُ الفاجعةُ حدًّا يعجزُ الدَّمعُ عن أداءِ مُهمَّتِه في التَّعبيرِ عن الألمِ وتجسيدِ أثرِه في النَّفسِ. وإذا كانَ الشَّاعرُ قد عُرِفَ بغزارة قريحتِه، وتدفُّقِ شعرِه في القصائدِ المطوّلةِ، ونظمِه في شتّى أغراضِ الشِّعرِ، فإنَّ فداحةَ الفقدِ قد تجاوزَت قدرتَه على البَوحِ، حتى بدَا أنَّ الدَّمعَ يحبِسُ البيانَ على رحابتِه، ويعجز الفنُّ البليغُ عن استجلاءِ ما يعتملُ في النَّفسِ من مشاعرَ. ولعلَّ أصدقَ شاهدٍ على ذلكَ هو رثاءُ ابنتِه سميرة؛ إذْ لم يُجاوزْ في رثائِها بيتَين، يقولُ:
فزعتُ إلى الدُّموعِ فلم تُجبني
وفَقدُ الدَّمعِ عند الحزنِ داءُ
وما قصَّرتُ في جزعٍ ولكن
إذا غلبَ الأسى ذهبَ البُكَاءُ
حُرِمَ البارودي من العزاءِ في محنتِه، فاستطاعَ أن يكون العزاءَ لغيرِه، إذ حوَّلَ محنتَه الذَّاتيَّةَ إلى محنةٍ إنسانيَّةٍ عميقةٍ عن طريق لغةٍ عَزَّى بها غيرَه، مانحًا من تجربتِه قدرةً على المواساةِ، ورغبةً في بثِّ الألمِ
من حيِّزِ النَّفسِ إلى فضاءِ الأدبِ حتَّى غدَا شعرُه صورةً من صورِ مقاومةِ الألمِ، ومعنىً بليغًا يتغنَّى به الوجعُ، فكانَ البُكاءُ طريقًا إلى الرِّضا والتَّسليم، إذ خلَّفَتِ الدُّموعُ إيمانًا بما لا حيلةَ للإنسانِ في تغييره، وكان الفقدُ سبيلًا إلى التَّأمُّلِ، فمِن قلبِ الفاجعةِ تولدُ مقاومةُ الانكسارِ، وقد ينبضُ الرِّضَا في رحمِ المعاناةِ، فيغدو الألمُ ذاتُه طريقًا إلى العزاءِ، وسبيلًا إلى الحكمةِ التي تلوذُ بها النَّفسُ؛ لتهبها قدرةً على الصبرِ والمواساة، يقولُ عبَّاس محمود العقَّاد: «خيرُ الشِّعرِ المطبوعِ مَا نَاجى العَواطفَ على اختلافِها، وبَثَّ الحياةَ في أجزاءِ النَّفسِ بأجمعِها».