تعتبر المرحلة الثانوية من أهم الفترات في حياتنا، فهي الجسر الذي يعبر بنا من مقاعد المدرسة إلى أروقة الجامعة. وفي ظل المناهج الدراسية المزدحمة والضغط المستمر للاختبارات، يرى الكثير منا أن التعليم مجرد واجب ثقيل. لكن من وجهة نظري كطالب ثانوي، التعلم الذاتي هو طوق النجاة الذي يحول الدراسة من عملية «حفظ جاف» إلى مغامرة ممتعة نكتشف فيها شغفنا الحقيقي بعيداً عن ضغوط المجموع والدرجات. لماذا نحتاج التعلم الذاتي في الثانوية تحديداً؟
المدرسة تمنحنا الخطوط العريضة والمناهج المشتركة مع الجميع، لكن التعلم الذاتي هو ما يمنحنا «التميز والخصوصية». كطلاب ثانوية، يفيدنا هذا الأسلوب في نقاط جوهرية: أولها اكتشاف التخصص الجامعي مبكراً؛ فبدلاً من انتظار التنسيق أو اختيار تخصص لا نعرف عنه شيئاً، يتيح لنا التعلم الذاتي تجربة مجالات مختلفة كالبرمجة أو اللغات ومعرفة ما نبرع فيه قبل دخول الجامعة. ثانيها تسهيل المواد المدرسية المعقدة؛ عندما أواجه صعوبة في فهم قاعدة علمية من المعلم، أتوجه فوراً إلى المنصات التعليمية لأجد من يبسط المعلومة برسوم متحركة وطرق تفاعلية تناسب طريقتي في الفهم. ثالثها بناء مهارات لا تقدمها المدرسة؛ فالمدارس لا تعلمنا كيف ندير وقتنا، أو كيف نتحدث بثقة أمام الجمهور؛ كل هذه المهارات الحياتية نكتسبها فقط بالجهد الذاتي.
أجمل ما في التعلم الذاتي في هذه السن هو التحرر من الرقابة والخوف. في المدرسة، ندرس والخوف من ورقة الامتحان يلاحقنا، أما في التعلم الذاتي، المحرك الأساسي هو الفضول. عندما أفتح حاسوبي لأتعلم مهارة جديدة كصناعة الفيديوهات أو التصميم، لا أفعل ذلك بحثاً عن درجات، بل لأنني أريد رؤية النتيجة بنفسي. هذا الشعور بالإنجاز يبني ثقة هائلة بالنفس تفتقدها قاعات الاختبارات التقليدية.
رغم حماسنا، نواجه كطلاب تحديات حقيقية مثل أزمة الوقت وضغط المذاكرة، أو التشتت بسبب الهاتف الذكي. ولإحداث التوازن الذكي بين شهادتنا الثانوية وشغفنا الخاص، يمكننا اتباع قواعد بسيطة: منها قاعدة الـ 30 دقيقة يومياً؛ فلا تحتاج لتخصيص ساعات طويلة؛ نصف ساعة فقط يومياً لتعلم مهارة معينة كافية لتغيير مستقبلك خلال عام واحد. ومن القواعد استغلال الأوقات الضائعة؛ عبر تحويل أوقات المواصلات أو الانتظار إلى فرص للتعلم من خلال الاستماع إلى بودكاست تعليمي أو قراءة كتاب إلكتروني. ومن القواعد أيضاً ربط التعلم بالمستقبل؛ عبر اختيار مهارات تدعم مسار الطالب الجامعي أو تمكنه من العمل الحر لتوفر لنفسه مهارة عملية قوية.
إن القيمة الحقيقية للتعلم الذاتي في المرحلة الثانوية هي أنه يذكرنا دائماً بأننا أكبر من مجرد مجموع درجات أو رقم مقعد في لجنة الاختبار. المدرسة تمنحك شهادة تعبر عن التزامك بالنظام، أما التعلم الذاتي فيمنحك عقلاً حراً مرناً وقادراً على مواجهة عالم الجامعة وسوق العمل بثبات. لنبدأ اليوم في تعليم أنفسنا بأنفسنا، فنحن لا ننتظر المستقبل، بل نصنعه بأيدينا!.
** **
- محمد بن بندر المدرع