أحمد الأسمري
مع حلول يوم الأمم المتحدة في 24 أكتوبر، تستعيد المملكة العربية السعودية 81 عاماً من مشاركتها الفاعلة في المنظمة الدولية، منذ أن كانت واحدة من 51 دولة أسستها عام 1945، وحتى إسهاماتها السياسية والإنسانية ومبادراتها الدبلوماسية الراهنة.
كانت البداية في سان فرانسيسكو، عندما وجّه الملك عبدالعزيز بمشاركة المملكة في مؤتمر تأسيس المنظمة، حيث وقّعت ميثاقها، ثم توالت مواقفها وخطاباتها على منبر الأمم المتحدة.
جاءت الخطوة في مرحلة كثّف فيها الملك المؤسس اتصالاته الدولية؛ فالتقى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في فبراير 1945، وانضمت المملكة إلى «إعلان الأمم المتحدة» في 1 مارس من العام نفسه، ثم أوفد نجله الأمير فيصل بن عبدالعزيز، نائب الملك في الحجاز ووزير الخارجية آنذاك، لرئاسة وفد المملكة إلى مؤتمر سان فرانسيسكو الذي افتتح في 25 أبريل.
ورافق الأمير فيصل في رحلته الأمريكية إخوته الأمراء محمد وفهد ونواف أبناء الملك عبدالعزيز، وابنه الأمير عبدالله الفيصل، وضمت البعثة السعودية أسماء بارزة، بينها حافظ وهبة وأسعد الفقيه وإبراهيم السليمان وأحمد عبدالجبار.
ولفت الوفد السعودي اهتمام الصحافة الأمريكية، خصوصاً بزيه العربي المميز؛ فقد رصدت مجلة «تايم» في عددها الصادر في 7 مايو 1945 ظهور الأمراء السعوديين بملابسهم التقليدية وسط البدلات الرمادية والسوداء لوفود المؤتمر، ونقلت تعليقاً معجباً لإحدى الحاضرات. وعادت المجلة في عدد 13 أغسطس لتصف ظهور الأمراء السعوديين بأزيائهم العربية بأنه اتسم بالوقار والهيبة.
أما سياسياً، فحمل الأمير فيصل إلى المؤتمر صوت المملكة في القضايا العربية. وفي 29 مايو طلب لقاءً جمع رؤساء الوفود العربية بوزير الخارجية الأمريكي إدوارد ستيتنيوس، لبحث أوضاع سوريا ولبنان ومسألة استقلالهما.
وبعد شهرين من المفاوضات بين ممثلي 50 دولة، اعتُمد ميثاق الأمم المتحدة في 25 يونيو، ووقّعه الأمير فيصل باسم المملكة يوم 26 يونيو 1945 في قاعة «هيربست» بسان فرانسيسكو. وأودعت السعودية وثيقة تصديقها على الميثاق في 18 أكتوبر، قبل ستة أيام من دخوله حيز التنفيذ في 24 أكتوبر، فيما اكتمل عدد الدول المؤسسة إلى 51 بانضمام بولندا إلى الموقّعين.
بدأ الحضور السعودي في أجهزة المنظمة يتخذ طابعاً مؤسسياً، فافتتحت المملكة بعثتها الدائمة في نيويورك عام 1948 برئاسة أسعد الفقيه. وفي عام 1957 أصبح الملك سعود بن عبدالعزيز أول ملك سعودي يخاطب الجمعية العامة، مؤكداً مبادئ السلام والعدالة والمساواة بين الشعوب والتعاون الدولي.
وشهد عام 1991 محطة بارزة في تاريخ الدبلوماسية السعودية، بانتخاب مندوب المملكة الدائم لدى الأمم المتحدة السفير سمير الشهابي رئيساً للدورة السادسة والأربعين للجمعية العامة بالتزكية، في منصب أتاح له إدارة أعمال الجهاز الرئيسي الذي يضم جميع الدول الأعضاء، وفي خضم تحولات كبرى أعقبت نهاية الحرب الباردة.
وفي نوفمبر 2008، شارك الملك عبدالله بن عبدالعزيز في اجتماع رفيع المستوى للجمعية العامة بشأن الحوار بين أتباع الأديان والثقافات والحضارات، عُقد بمبادرته وبمشاركة قادة ومسؤولين دوليين.
وفي مجال مكافحة الإرهاب، أسهمت مبادرة طرحها الملك عبدالله خلال مؤتمر دولي استضافته الرياض عام 2005 في التمهيد لإنشاء مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب عام 2011، بمساهمة سعودية بلغت 10 ملايين دولار، تلتها مساهمة إضافية بقيمة 100 مليون دولار عام 2014، دعماً للتعاون الدولي في مواجهة الإرهاب.
كما خاطب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الجمعية العامة في عامي 2020 و2021 عبر كلمتين مرئيتين تناولتا القضايا الدولية، وفي مقدمتها الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب والقضية الفلسطينية والتعاون بين الدول، مؤكداً التزام المملكة بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة ودعم الحلول السياسية للنزاعات.
ومن المحطات الدبلوماسية التي سبقت هذين الخطابين زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم 27 مارس 2018، ولقاؤه الأمين العام أنطونيو غوتيريش. وأكد سموه في كلمة أعقبت اللقاء أهمية تطبيق مبادئ المنظمة وسيادة القانون، وحرص المملكة على إيجاد حلول سياسية لأزمات الشرق الأوسط بالتعاون مع الأمم المتحدة، مشيراً إلى إسهاماتها التاريخية في دعم المنظمة والالتزام بميثاقها.
شهدت الزيارة توقيع اتفاقية لدعم الاستجابة الإنسانية في اليمن ضمن مساهمة سعودية إماراتية مشتركة بلغت مليار دولار، منها 930 مليون دولار لمنظمات الأمم المتحدة، و70 مليون دولار لتأهيل الموانئ والطرق وتسهيل دخول المساعدات والواردات التجارية. وأشاد غوتيريش بالمساهمة، معرباً عن تقديره للدعم الإنساني الذي تقدمه المملكة.
وفي السنوات الأخيرة، شاركت المملكة في إطلاق التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين عام 2024، ثم شاركت فرنسا في رئاسة المؤتمر الأممي بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية عام 2025، الذي أفضى إلى «إعلان نيويورك»، وأيدته الجمعية العامة في سبتمبر من العام نفسه بأغلبية 142 صوتاً.
واستضافت الرياض في ديسمبر 2025 المنتدى العالمي الحادي عشر لتحالف الأمم المتحدة للحضارات، بحضور الأمين العام للمنظمة ومشاركة دولية واسعة. وفي سبتمبر 2026، شاركت المملكة الاتحاد الأوروبي والنرويج في استضافة اجتماع وزاري للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين على هامش أعمال الجمعية العامة في نيويورك.