سلطان بن نايف الحربي
في التاسعة من صباح الأحد، الثامن عشر من أكتوبر 2026، علمنا بقدوم صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان إلى الجبيل الصناعية، لم يكن أمامنا وقت طويل لاستيعاب الخبر؛ ففي الحادية عشرة كان موعد اللقاء الذي سيترك في نفوس الحاضرين أثرًا يتجاوز المناسبة التي جاء الأمير من أجلها.
كان ذلك اليوم يشهد الاستعداد لتخريج دفعة جديدة من طلاب كليات، ومعاهد الهيئة الملكية بالجبيل، وقد رتبت مراسم الاستقبال وفق ما تقتضيه زيارة مسؤول رفيع؛ استقبال، وترحيب، وتنظيم تتولاه الجهات المختصة. غير أن ما استوقفني، وما وجدته يتكرر في أحاديث من التقيتهم بعد ذلك، بدأ عند دخول الأمير قاعة اللقاء.
تروي بعض الشهادات أنه ما إن دخل حتى خلع «بشته»، وطلب أن يترك التصوير جانبًا. لم يكن المنظمون يتوقعون في ترتيبات البروتوكول أن يتم ذلك، فقد أراد الأمير، بحسب ما نقله من استعادوا كلماته، أن يسمع من الموظفين، والمستفيدين ما لديهم عن الهيئة الملكية، وأن يعرف المشكلات التي تواجههم في أعمالهم، وما تعترضها من إجراءاتٍ وقرارات.
ولست أجزم بما دار في نفسه عندما خلع «البشت» أو طلب عدم التصوير؛ فالإشارات الرمزية تحتمل أكثر من تفسير؛ لكن ما أعقبها أوضح طبيعة اختياره: لقد منح الكلام لمن لم يكونوا جزءًا من برنامج الحفل، وأتاح لهم أن يعرضوا قضايا قد لا تظهر في الكلمات الرسمية والتقارير المعدة سلفًا.
وللبروتوكول مكانته في إدارة المناسبات، فهو يحفظ الوقت، وينظم المسؤوليات، ويمنع الارتباك، غير أن القائد يحتاج، بين حين وآخر، إلى أن يسمع المؤسسة خارج الطريقة التي اعتادت أن تقدم بها نفسها إليه، فالتقرير مهما بلغت دقته يظل اختيارًا للمعلومات، وترتيبًا لها، وقد يحمل الموظف معرفة لا تستطيع الجداول نقلها كاملة.
بدأ الحديث، ووجد بعض الحاضرين أنفسهم أمام فرصة غير مألوفة.
كانت إحدى المتحدثات تعمل، وفق ما وصلني من روايات اللقاء، في برنامج لرياض الأطفال. تحدثت عن أوضاع العاملات فيه، وعن مؤهلاتهن ومسمياتهن الوظيفية، وأثارت تساؤلات حول التصنيف الذي يخضعن له، ولم تصلني التفاصيل النظامية الكاملة للبرنامج؛ ولذلك لا أستطيع أن أحكم على صحة المطالبة أو على طبيعة الاستحقاق الذي تحدثت عنه؛ لكن ما لفت انتباه من رووا لي الموقف هو أن الأمير أخذ يستوضح منها جوانب المسألة، ويسأل عن الإجراءات المتعلقة بها.
وهذه نقطة إدارية تستحق الوقوف عندها، فالمسؤول الذي يتلقى شكوى يستطيع أن يحيلها مباشرة إلى جهة الاختصاص، وقد يكون ذلك هو التصرف المناسب في حالات كثيرة، أما أن يحاول، قبل الإحالة، فهم طبيعة المشكلة، وما يحكمها من إجراءات، فإنه يتيح لنفسه فرصة التمييز بين شكوى ناشئة عن سوء فهم، وخلل في التطبيق، وقاعدة تنظيمية ربما تحتاج إلى مراجعة.
وفي علم الإدارة تتجاوز الأسئلة الجيدة وظيفة جمع البيانات؛ إنها تساعد على تشخيص المشكلة، وقد تقترب الأسئلة المتتابعة من روح «الحوار السقراطي» عندما تكشف الافتراضات التي بني عليها القرار، وتختبر اتساق الإجابات؛ لكن نسبة «منهج سقراطي» مكتمل إلى ذلك الحوار تحتاج إلى معرفة الأسئلة، وترتيبها، وهو ما لا أملكه حتى الآن.
ثم أمسك أحد الموظفين بالميكروفون، وقال للأمير-في معنى كلامه- إنه سيختصر عليه المسألة: هناك أخطاء في التعيينات القيادية بحاجة لأن تصحح، ويعاد النظر فيها، وذكر ملاحظات تتعلق بالمحسوبية، والعلاقات الشخصية، والاستحواذ التنظيمي الناتج عن شبكات العلاقات غير الرسمية، وأننا بحاجةٍ ملحةٍ إلى تطبيق الحوكمة على نحو أكثر فاعلية.
كانت العبارة صريحة، وربما تجاوزت ما اعتاد بعض الحاضرين سماعه في مثل هذه اللقاءات، ونتيجة لأنها حظيت بقبول عدد كبير من الحضور؛ بل وصفقوا لها كثيراً، وفقاً للروايات التي استعادت تفاصيل الموقف، وقد يكشف التصفيق عن تأييد المتحدث أو شعور بعض الحاضرين بأن ملاحظاته تعبر عن مخاوفهم؛ لكنه لا يثبت بأي حال من الأحوال صحة ما طرحه من اتهامات.
وهذا التمييز بالغ الأهمية، فالمؤسسة التي تريد إنصاف الناس لا تستطيع إدانة مسؤول لأن موظفًا اشتكى منه، كما لا يجوز لها تجاهل ملاحظة لمجرد أنها تمس موقعًا قياديًا.
المطلوب أن تكون معايير التعيين، والترشيح، والمفاضلة قابلة للفحص، وأن يمنح كل طرفٍ حقه في عرض الوقائع، وتوضيح موقفه.
وقد وجدت في استقبال الأمير لهذا النوع من الحديث ملمحًا من الانفتاح القيادي؛ ذلك السلوك الذي يسمح للمعلومات غير المريحة بالوصول إلى صاحب القرار دون أن يطالب حاملها أولًا بتجميل لغته أو إخفاء المشكلة.
وفي أدبيات السلوك التنظيمي، اهتم الباحثان « ديتيرت وبوريس» بالعلاقة بين انفتاح القائد، واستعداد العاملين إلى إبداء آرائهم، وتزداد أهمية هذا المفهوم في المنظمات الواسعة، حيث تتعدد المستويات الإدارية، وتطول المسافة بين من يعيش المشكلة، ومن يستطيع توجيه مراجعتها.
ثم جاء متحدث آخر حمل إلى الميكروفون قصةً أكثر خصوصيةً.
روى الرجل رحلةً علميةً، ومهنية طويلةً، تحدث فيها عن دراسته خارج المملكة، وعن تأهيل تخصصيٍ نادرٍ يعتز به، وعن مسؤولية إدارية سابقة يقول: إنه تعامل معها بوصفها تكليفًا يقتضي العمل والتطوير، ثم تحدث عن خلاف مهنيٍ أعقبه، بحسب روايته، استبعاده من ذلك الموقع، وعن سنوات شعر خلالها بأن خبرته لم تستثمر كما ينبغي، فقد قال: بأن له ثلاث سنوات مهمش في مكتب مساحته متر في متر!
وكان في حديثه قدر من الحسرة يصعب تجاهله؛ كما أشار إلى مراسلةٍ إلكترونيةٍ تلقى بشأنها ردًا فهم منه التهديد بالمساءلة، وقدم خطابًا يتضمن قضيته؛ لكن المشهد اللافت جاء عندما قدم الرجل خطابه إلى أحد المسؤولين المرافقين، فطلب الأمير تسلمه بنفسه، وأعلن توجيهه بفتح تحقيق.
في تلك اللحظة انتقلت القضية من حديث شفهي يحمل رواية طرف واحد إلى شأن يستدعي فحصًا رسميًا. لقد بقيت الحقيقة بحاجة إلى التحقيق، وهو الطريق الذي يحفظ حقوق صاحب الالتماس، وحقوق المسؤولين المعنيين به.
أحسب أن هذا من أدق الاختبارات التي تواجه القائد في اللقاءات المفتوحة: أن يظهر التعاطف دون أن يتعجل الحكم، وأن يتعامل مع الموظف بكرامةٍ دون أن يمنحه وعدًا بنتيجة لا تملك الوقائع ضمانها.
ولم يخل الحوار من لحظاتٍ خفيفةٍ، فقد استعاد بعض من تحدثت إليهم مزاحًا للأمير حول اسمي عائلتين ترددا في الحديث، فضحك الحاضرون، وخف شيءٌ من التوتر الذي يصاحب طرح القضايا الحساسة أمام مسؤولٍ بهذه المكانة.
وقد يبدو المزاح تفصيلًا عابرًا؛ لكنه يؤدي أحيانًا وظيفةً مهمةً في التفاعل الإنساني؛ فهو يخفف رهبة اللحظة، ويساعد الناس على استعادة عفويتهم، ولا يعني ذلك أن الضحك دليل على زوال الخوف من المؤسسة، أو أن لقاءً واحدًا يستطيع تغيير ثقافةٍ ترسخت عبر سنواتٍ طويلةٍ؛ لكنه يجعل من الممكن أن نرى كيف تؤثر طريقة القائد في الجو النفسي الذي يدور فيه الحوار.
ومضى الوقت.
من الحادية عشرة صباحًا حتى الثالثة عصرًا، ظل الأمير مع الحاضرين، يستمع إلى قضايا تتفاوت في طبيعتها، ويتلقى ملاحظات لم يكن من الممكن أن يعرفها كلها مسبقًا. أربع ساعات من وقت مسؤولٍ رفيعٍ في يومٍ له ارتباطاته الرسمية، تستحق أن نتوقف عندها بعيدًا عن لغة المبالغة.
فالوقت موردٌ قياديٌ نادرٌ، وكل ساعةٍ يمنحها المسؤول لقضيةٍ ما تعني أنه قدمها، في تلك اللحظة، على قضايا أخرى كان يستطيع الانشغال بها، ولذلك؛ فإن توزيع وقت القائد يكشف أحيانًا عن أولوياته بصورة أبلغ من العبارات التي يرددها في خطاباته.
وعندما بلغت الساعة الثالثة، استأذن الأمير الحاضرين للصلاة والغداء، وسألهم إن كانوا بحاجةٍ إلى وقتٍ إضافيٍ لاستكمال اللقاء بعد ذلك، أم يعذرونه ليتوجه إلى ارتباطه بحفل التخريج.
هنا توقفت طويلًا.
فقد كان يستطيع أن ينهي اللقاء ويغادر، وله من المسؤوليات ما يجعل ذلك مفهومًا تمامًا؛ لكنه سأل الناس عن حاجتهم إلى استمرار الحديث، ومنحهم فرصة التعبير عنها قبل أن يغادر.
وفي هذا المشهد رأيت ما أحب أن أسميه بـ «أناقة السلطة».
تظهر هذه «الأناقة» عندما يدرك صاحب المكانة أن قدرته على اتخاذ القرار لا تعفيه من مراعاة الآخرين، وأن استئذانه منهم لا ينتقص من منزلته؛ بل لعله يزيد تلك المنزلة احترامًا؛ لأن «الرفعة» حين تقترن بحسن المعاملة تترك في النفوس أثرًا لا تصنعه المراسم وحدها.
ولست أقول: إن النبل حكرٌ على طبقةٍ أو أسرةٍ أو منصبٍ. إنما أتحدث عن معنىً أخلاقيٍ قديمٍ يرى أن «المكانة الرفيعة» تلزم صاحبها بمسؤوليةٍ أكبر في طريقة التعامل مع الناس، وقد وجدت لهذا المعنى صورةً حيةً في مسؤولٍ خصص ساعاتٍ للاستماع، ثم سأل الحاضرين إن كانوا يحتاجون إلى المزيد من وقته.
ولم ينته أثر ذلك اليوم عند باب قاعة الاحتفال، ففي صباح اليوم التالي ذهبت إلى قسم الإعلام، وأعددت خطابًا يحمل «التماسي الشخصي». كان لدي ما أريد إيصاله بشأن تجربةٍ مهنية امتدت سنواتٍ، وقراراتٍ تركت لدي تساؤلاتٍ عن الإنصاف، والاستفادة من المؤهلات، والخبرات.
وهناك التقيت مسؤولةً متخصصةً في علم السلوك التنظيمي؛ ذلك العلم الذي أجد نفسي مولعًا به، وأعود إلى مفاهيمه كلما حاولت فهم علاقة الإنسان بالمؤسسة، وما تفعله القيادة، والعدالة، والثقافة التنظيمية في مشاعره وسلوكه.
جلست أمامها، ورويت شيئًا من تجربتي، فوجدت منها استقبالًا حسنًا وإنصاتًا منحني قدرًا كبيرًا من الطمأنينة، ووعدتني، في عبارةٍ بقي معناها حاضرًا في ذهني، بأن إيصال موضوعي إلى مكتب سمو الأمير أمانةٌ تتعهد بها لي.
لم أخرج معتقدًا أن قضيتي قد حسمت، أو أن الخطاب وصل بالفعل إلى الأمير، كنت أعرف أن أمامه طريقًا إداريًا لم أتابع نهايته بعد؛ لكنني شعرت بالارتياح؛ لأنني وضعت «التماسي» أمام من وعد بالنظر في إيصاله، ولأن طريقة استقبالي منحتني إحساسًا بأن حديثي يستحق الاهتمام.
وزاد من أثر اللقاء أن هذه المسؤولة كانت متخصصة في علم أحببته طويلًا، فقد وجدت نفسي أمام ممارسةٍ إنسانيةٍ يمكن أن أقرأها من خلال أحد مفاهيم السلوك التنظيمي: العدالة التفاعلية، والتي تعني بكل ما يتصل باحترام الإنسان، وحسن معاملته، وطريقة التواصل معه أثناء الإجراءات، والقرارات التي تمس حياته المهنية.
وعندما انتهينا، دعوت لها بالخير، فقامت من كرسيها لترافقني، طلبت منها ألا تتكلف، وأن تبقى في مكانها، لكنها أصرت على الخروج معي.
احتفظت بتلك الحركة الصغيرة في ذاكرتي، كما احتفظت بمشهد الأمير، وهو يستأذن الموظفين بعد ساعات من الحوار، لم أفترض وجود علاقة سببية بين التصرفين؛ لكنني وجدت فيهما معنى إنسانيًا مشتركًا: يستطيع صاحب المكانة أن يمنح من يقابله شعورًا بالتقدير، حتى قبل أن يعرف ما ستؤول إليه معاملته.
ولأنني رفعت «التماسي» إلى مكتب ابن الملك سلمان، استحضرت قول خادم الحرمين الشريفين في حديثه عن حقوق المواطنين: «فلا فرق بين مواطن وآخر، ولا بين منطقة وأخرى»، وهي عبارةٌ تضع أمام كل مؤسسة معيارًا جليلًا للمساواة، وتذكرنا بأن العدالة في الإجراءات، والفرص ينبغي أن تبقى أوسع من العلاقات الشخصية، والانتماءات الضيقة.
ما زلت أرى أن لقاء الأمير عبد العزيز بن سلمان يستحق الكتابة عنه، فقد شهدت منه ما يدعو إلى التأمل في معنى القيادة، ثم سمعت من آخرين تفاصيل وسعت فهمي لما جرى، وأكتب هذه الشهادة مدركًا أن بعض الروايات تحتاج إلى تثبت، وأن الأمانة تقتضي ألا أنسب إلى أحد نية لم يعلنها، أو نتيجةً لم يصدر بها قرار.
ولعل «القيمة الإدارية» الأهم في ذلك اليوم أن الأمير اختار أن يعرف شيئًا من واقع المؤسسة من أفواه العاملين فيها، وأن يستخدم مكانته ليفتح طريقًا إلى معلوماتٍ ربما كان الوصول إليها أصعب لو بقي اللقاء داخل ترتيباته الرسمية.
أما الأسئلة التي طرحت، والخطابات التي قدمت، والتحقيقات التي وجه بها، فهي تحتاج إلى متابعةٍ عادلةٍ تكشف ما صح منها، وما لم يصح، وعندها يمكن أن نعرف إلى أي مدى امتد أثر تلك الساعات الأربع إلى الإجراءات والقرارات.
أما لقائي بتلك المسؤولة عندما قامت من كرسيها لترافقني إلى الخارج، أدركت أن ما أراحني لم يكن وعدًا بنتيجة محددة. لقد وجدت من يفسح لتجربتي مكانًا، ومن يتعامل معي كما لو أن الوقت الذي أمضيته وأنا أشرح كان يستحق الاحترام.
هناك مواقف لا تمنح الإنسان حقه في اللحظة نفسها؛ لكنها تعيد إليه شجاعته في المطالبة به.