د.عيد بن حجيج الفايدي
هناك مفارقة عميقة وعجيبة في طبيعة هذه العصابة الإرهابية عبر الثنائية الظاهرة في هذا العنوان: فمن جهة، تمثل الكهوف والجغرافيا الجبلية الوعرة داخل اليمن البيئة الطبيعية التي نشأت فيها وتتحرك بينها، حيث تفرض الجبال صعوبات لوجستية حقيقية على الحياة اليومية والتنقل والإمداد، وتمنح الإرهاب ملاذاً ضد التقدم التقليدي للجيوش النظامية وهذه الحقيقية واضحة منذ الإمبراطورية العثمانية وحتى هذا العصر.. وفي جهة مقابلة، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة يستخدمها الوكلاء والأذرع الإعلامية من خارج اليمن، في فضاء رقمي بعيد كل البعد عن تلك الكهوف، لصناعة قصص وروايات متطورة تخفي حقيقة البدائية داخل الجبال. هذه الفجوة بين الواقع الكهفي القاسي والصورة الرقمية المصقولة ليست مجرد تباين ظرفي، بل هي استراتيجية متعمدة لتضخيم القدرات عبر أدوات الفضاء الرقمي.
«الحوثي» كعصابة إرهابية وكيل ينفذ أجندة إيرانية صرفة، يتحمل مسؤولية مباشرة عن انتهاكات واسعة وتهديدات لأمن الملاحة الدولية، ويعتمد في منهجه على ما يُعرف بالحرب النفسية، حيث لا يستهدف تدمير القدرات العسكرية للخصم بقدر ما يستهدف تدمير إرادته القتالية وصناعة حالة من الردع النفسي المسبق. وتعمل هذه القصص كمؤثر سلبي اجتماعي يُغيب الحاضنة الشعبية عن الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، ويوجه الأنظار نحو انتصارات وهمية تُبرر استمرار التعبئة والتحشيد واستنزاف الموارد. ولهذا تؤكد العصابة ادعاءات استعراضية مثل القول إنها أسقطت طائرة بسلاح خاص أو أنها أغلقت باب المندب، في محاولة مكشوفة لرفع الخردة والبدائيات إلى مستوى التقنية المتقدمة، وبناء اسطورة إعلامية تُخدّر الأتباع وتصنع أمجاداً زائفة تتناقض مع الواقع الميداني.
يشارك في هذا التضليل بعض عواجيز التحليل في الفضاء الرقمي الذين يروجون - بقصد أو بغير قصد - لمقولات لا تستند إلى أي مصادر معلوماتية صحيحة أو تحقق ميداني، مثل الادعاء بأن الميليشيا الحوثية تمتلك جزر تدريب في البحر الأحمر، متجاهلين أن أي جزيرة في البحر هدف مكشوف وسهل للطرف الذي يمتلك سيطرة جوية وبحرية، وأن منطق العمليات العسكرية البحري يجعل مثل هذه الادعاءات غير قابلة للحياة. أو الادعاء بأن العصابة تستطيع ضرب أي سفينة على طول البحر الأحمر، وهو تعميم وهمي يفتقر لأدنى دقة معلوماتية ويصطدم بحقيقة أن التمكن من الإزعاج لا يعني القدرة على الإغلاق أو السيطرة. وينقسم هذا التهويل إلى تضخيم ساذج تقوده منصات تبحث عن الإثارة وجذب الانتباه، وتضخيم وظيفي تستخدمه قوى إقليمية ودولية لتصوير العصابة كبعبع مرعب يخدم الابتزاز السياسي أو تبرير صفقات تسليح أو التغطية أو غير ذلك من المقاصد.
ومهما يكن من أمر فالفحص التقني الدقيق للواقع العملياتي، تتبدد مقولة القدرة على ضرب أي مكان؛ فلا توجد مصانع حقيقية في اليمن لإنتاج الصواريخ من نقطة الصفر، بل منشآت تجميع بدائية تعتمد على مكونات مهربة من إيران. كما أن إطلاق صاروخ لمسافة طويلة لا يعني نجاح المهمة أو تحقيق الهدف، فالمعيار الحقيقي يُقاس بدقة الإصابة وقدرة المقذوف على المناورة والصمود أمام منظومات الدفاع الجوي المتطورة، وهو ما تفتقر إليه هذه المقذوفات بشكل جوهري. وتكتيك الإغراق الكمي عبر أسراب المسيرات الرخيصة المتزامنة مع الصواريخ الباليستية هو اعتراف ضمني بعجز الصواريخ المنفردة عن اختراق الأجواء المحصنة، مما يجعلها تعتمد على إنهاك المنظومات الدفاعية واستهلاك ذخائرها الثمينة، وهو تكتيك استنزاف لا تفوق.
عند مقارنة هذا الواقع بعمليات المطاردة الكلاسيكية بين جيش نظامي وعصابة مسلحة، تتضح المفارقة الاستراتيجية؛ فطبيعة الحرب غير المتناظرة تجعل الصراع أطول دون أن يعني ذلك تفوقاً استراتيجياً للطرف المتمرد أو قدرته على تغيير موازين القوى. الخطر الحقيقي الذي يفرضه الواقع يتمثل في الفوضى لا في الحسم، إذ تمتلك قدرة على رفع كلفة التأمين البحري وهز استقرار سلاسل الإمداد في باب المندب والبحر الأحمر، لكنه يبقى تهديداً أمنياً لخطوط الملاحة لا تفوقاً عسكرياً يغير المعادلة. وتفكيك هذه العصابة وغيرها من الخلايا ضرورة إستراتيجية لإعادة الصراع إلى حجمه الطبيعي وكشف الحدود الحقيقية.
وفي السنوات الأخيرة، دخل الذكاء الاصطناعي كأداة جديدة في يد العصابات لتضخيم الأكاذيب وصناعة محتوى مزيف يصعب على الجمهور تمييزه. فقد بات من السهل إنتاج صور مفبركة، تسجيلات صوتية مصطنعة، أو مقاطع فيديو مُولدة رقمياً تُظهر قدرات غير موجودة أو أحداثاً لم تقع، وتستغل هذه التقنيات لتغذية الحرب النفسية، وتضليل المتابعين، وإضفاء طابع تقني متطور على الأحداث، مما يجعل الأكاذيب أكثر قابلية للتصديق وأسرع انتشاراً عبر المنصات التي تبحث عن الإثارة. وهنا تكتمل الدائرة: فالكهوف توفر الملاذ، والذكاء الاصطناعي يوفر الوهم، والفجوة بينهما هي المساحة التي تتمدد فيها الأبواق.
وللحد من هذا النوع من التحريف، تبرز الحاجة الملحة إلى التربية الإعلامية الرقمية التي تمكّن من التحقق من المصادر، وفحص الصور والمقاطع عبر أدوات كشف التزييف، والاعتماد على منصات موثوقة لا على محتوى مجهول المصدر. كما أن تعزيز الشفافية الإعلامية، وتطوير قدرات الرصد والتحقق، ونشر الوعي حول أساليب التضليل الحديثة، كلها خطوات ضرورية لكسر تأثير الحرب النفسية وإبطال مفعول التزوير والتحريف المصنوع بالذكاء الاصطناعي، وإعادة الاعتبار للحقيقة في مواجهة وهم الكهوف والتقنية معاً.