عبدالله بن محمد آل الشيخ
ليست كل الأزمات شراً محضاً: فبعضها على قسوتها وما تخلفه من آلام وخسائر يكشف حقائق ظلت غائبة ويعيد ترتيب الأولويات ويميز بين التحالف الذي يقوم على المصالح العابرة والتحالف الذي تصنعه وحدة المصير.
ولعل ما تشهده منطقتنا اليوم من تطورات متسارعة، وما تتعرض له المملكة العربية السعودية من اعتداءات بالصواريخ والطائرات المسيّرة يمثل واحدة من تلك اللحظات التي لا.. يجوز أن نقرأها بعين الحدث وحده وإنما بعين المستقبل أيضاً..
فالمسألة لم تعد مقتصرة على صاروخ يُطلق أو مسيّرة تُعترض أو منشأة مدنية تتعرض للاعتداء:
بل أصبحت تتعلق بمستقبل الأمن العربي ومصداقية التحالفات ومصير اليمن وبالسؤال الأهم: هل تستطيع دول المنطقة أن تحول هذه المحنة إلى بداية لمرحلة أكثر أمناً واستقراراً..؟
إن أرواح الأبرياء الذين سقطوا والمصابين الذين دفعوا ثمن هذه الاعتداءات وما أصاب المطارات المدنية والمرافق الحيوية من أضرار ليست مجرد تفاصيل في نشرات الأخبار وإنما شواهد مؤلمة على خطورة ترك الميليشيات المسلحة تتحكم بقرارات الحرب والسلم بعيداً عن سلطة الدولة ومسؤولياتها ومن هنا أرى أن الوقت قد حان لقراءة المشهد كاملاً لا باعتباره مواجهة عسكرية محدودة.. وإنما باعتباره اختباراً لمشروع الأمن الإقليمي بأسره..
اتفاق مكة حين تتقدم المصالح المشتركة وجاءت التفاهمات الدفاعية التي جمعت المملكة وباكستان وتركيا وما ارتبط بها من تحركات واجتماعات لتفتح باباً مهماً أمام مفهوم أوسع للتعاون الأمني والعسكري..
فالمملكة بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وديني وباكستان بما تملكه من قدرات عسكرية وخبرات دفاعية وتركيا بما تتمتع به من إمكانات صناعية وعسكرية وموقع إستراتيجي تستطيع من خلال التنسيق والتعاون أن تسهم في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها..
وليس المقصود من هذه الشراكات صناعة محاور جديدة تستدعي مزيداً من الصراعات وإنما إيجاد توازن يمنع الاعتداء ويجعل كلفة المغامرات العسكرية أكبر من مكاسبها المتوهمة..
وقد علمتنا تجارب المنطقة أن الاتفاقيات لا تكتسب قيمتها الحقيقية بمجرد توقيعها وإنما حين تتحول إلى تنسيق فعلي وتبادل للمعلومات وتكامل في القدرات وموقف واضح عند وقوع الخطر..
ولهذا فإن ما نرجوه من اتفاق مكة والتعاون الثلاثي ألا يتوقف عند حدود المرحلة الراهنة بل أن يكون نواة لتفاهمات أوسع تحفظ السيادة الوطنية لكل دولة وتدعم الأمن المشترك..
فالتحالف الناجح ليس الذي يجمع الدول ساعة الخطر فحسب بل الذي يجعل الخطر أقل احتمالاً في المستقبل..
مجلس التعاون والعودة إلى جوهر التأسيس: وحين نتحدث عن أمن المملكة فإن من الطبيعي أن نتوقف عند مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي تأسس عام 1981 انطلاقاً من إدراك عميق لوحدة الجغرافيا والمصالح والمصير..
لقد مر المجلس بمحطات صعبة كان من أبرزها الغزو العراقي للكويت عام 1990، وما أعقبه من مواقف وتضحيات أكدت أن أمن الخليج لا.. يمكن تجزئته..
واليوم ومع ما تشهده المنطقة من اعتداءات وتهديدات تعود تلك الحقيقة إلى الواجهة..
إن المملكة والكويت والإمارات وقطر والبحرين وسلطنة عُمان.. ليست مجرد دول متجاورة بل مجتمعات تربطها وشائج التاريخ والقرابة والمصالح ويجمعها مستقبل لا يمكن لأي منها أن تعيش بمعزل عن تحدياته..
ونقدر كل موقف خليجي صادق تضامن مع المملكة وأدان الاعتداءات عليها، ونتطلع إلى أن يترجم هذا التضامن إلى خطوات عملية تعزز الدفاع الجوي المشترك والتنسيق الاستخباراتي وحماية المنشآت المدنية والممرات البحرية..
ولا أرى أن اختلاف وجهات النظر بين الأشقاء مهما بلغت حدته ينبغي أن يحجب هذه الحقيقة.. فقد نختلف في تقدير بعض القضايا لكننا لا ينبغي أن نختلف على أمن أوطاننا.. وسلامة شعوبنا.. ولعل المرحلة الحالية فرصة لاستعادة روح التأسيس والانتقال من مفهوم التعاون عند الحاجة إلى مفهوم الأمن المشترك الدائم..
وجمهورية مصر العربية هي عمق عربي لا تحكمه الظروف وفي المشهد العربي لا يمكن تجاوز الموقف المصري من الاعتداءات على المملكة، وما عبّرت عنه القيادة المصرية والحكومة من تضامن ورفض للمساس بأمنها واستقرارها..
فالعلاقات السعودية المصرية أكبر من أن تختصر في بيان أو مناسبة: إنها علاقة امتدت عبر مراحل تاريخية وشهدت تعاوناً في قضايا عربية وإقليمية متعددة..
ونحن هنا: نقدر للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مواقفه المؤكدة على أهمية المملكة وأمنها كما نقدر للحكومة المصرية وشعب مصر الشقيق مشاعر التضامن والأخوة.. وإذا كانت المملكة ومصر تمثلان ركيزتين مهمتين في العمل العربي..فإن الظروف الراهنة تجعل التنسيق بينهما ضرورة إستراتيجية لا.. مجرد خيار دبلوماسي.
إن الأمة العربية تحتاج اليوم إلى أن تستعيد قدرتها على المبادرة وأن يكون لها صوت مؤثر في معالجة أزماتها بعيداً عن الارتهان للتدخلات الخارجية أو انتظار الحلول التي يصوغها الآخرون..
ولعل أجمل ما في المواقف الصادقة أنها تذكرنا بأن العلاقات بين الشعوب أعمق من الضجيج الذي تثيره بعض المنابر والأصوات العابرة..
واليمن الدولة التي تنتظر العودة وإذا انتقلنا من مكة والخليج والقاهرة إلى صنعاء وجدنا أنفسنا أمام أصل الأزمة وأشد جوانبها إيلاماً..
فاليمن هذا البلد العربي الأصيل لم يكن يوماً مجرد ساحة صراع بل وطن له حضارته وتاريخه وإنسانه الذي يستحق الحياة الكريمة..
ومنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014.. ودخول البلاد في دوامة الحرب دفع اليمنيون أثماناً باهظة من أمنهم واقتصادهم ووحدتهم الاجتماعية..
وجاء التحالف العربي بقيادة المملكة عام 2015 استجابة لطلب السلطة اليمنية الشرعية ومنذ ذلك الحين تعاقبت المواجهات والمبادرات والوساطات دون أن يتحقق السلام المنشود..
ولعل من المهم هنا التذكير بأن المملكة لم تكن بعيدة عن مساعي التسوية السياسية بل طرحت مبادرتها للسلام في مارس 2021، ودعمت الجهود الهادفة إلى وقف القتال والوصول إلى حل شامل..
لكن التجربة أثبتت أن أي تسوية لا تعالج مسألة السلاح خارج مؤسسات الدولة.. ولا تضمن وقف الاعتداءات على دول الجوار ستبقى عرضة للانهيار..
واليوم ومع التطورات المرتبطة بعملية «فجر اليمن»، تتجدد الآمال بأن تتمكن القوات الحكومية اليمنية بدعم التحالف العربي من تعزيز موقف الدولة واستعادة مؤسساتها..
وقد جاءت تصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي لتؤكد أهمية استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وهو هدف لا ينبغي أن يغيب عن أي تحرك سياسي أو عسكري..
إنني أتطلع إلى استمرار الدعم العربي للحكومة اليمنية الشرعية وإلى توحيد القوى الوطنية اليمنية وإلى أن تكون التطورات الحالية فرصة لإنهاء قدرة الميليشيات على تهديد المدنيين ودول الجوار..
ولا شك أن المعلومات العسكرية المتاحة الآن: عن مواقع إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة قد تساعد القوات المختصة في الحد من هذه التهديدات شريطة أن تتم العمليات وفق القانون الدولي الإنساني وبأقصى درجات الحرص على سلامة المدنيين..
فنحن لا نريد لليمن حرباً تستبدل مأساة بأخرى وإنما نريد دولة تستعيد قرارها وجيشاً وطنياً يحمي شعبه وسلاماً يحفظ كرامة الجميع..
إن إنهاء خطر الحوثيين لا يعني الانتصار على اليمن بل انتصار اليمن على سنوات اختطاف دولته وعاصمته وإيران الوساطة التي تسبقها الأسئلة وفي خضم هذه التطورات تبرز إيران بوصفها طرفاً لا يمكن تجاهل دوره في الأزمة اليمنية، فالعلاقة بين طهران والحوثيين وما ارتبط بها من دعم عسكري وتقني وسياسي ليست أمراً جديداً بل كانت على مدى سنوات أحد العوامل التي أسهمت في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها..
ولهذا فإن الحديث عن: وساطة إيرانية يثير تساؤلاً مشروعاً كيف يمكن لمن ارتبط بدعم أحد أطراف النزاع أن يقدم نفسه وسيطاً محايداً دون أن يسبق ذلك تغيير واضح في سياساته..؟
وهنا يحضر أمامي الآن المثل العربي المعروف: «يقتل القتيل ويمشي في جنازته» ولعل المواقف الصادرة عن الحكومة اليمنية الشرعية،» ومنها تصريحات وزيرة الخارجية بشأن الدور الإيراني تعكس هذه الإشكالية..
لسنا ضد الوساطات ولا ضد الحوار بل نرحب بكل جهد صادق يوقف نزيف الدم ويحفظ سيادة الدول ولكن الوساطة الحقيقية تحتاج إلى نوايا حسنة ومصداقية والمصداقية تبدأ بوقف التدخلات والتمويل ومنع تدفق السلاح والالتزام العملي بعدم استخدام أراضي الدول الأخرى ساحات لتصفية الحسابات..
كما ينبغي ألا نخلط بين سياسات النظام الإيراني والشعب الإيراني الذي يستحق شأنه شأن شعوب المنطقة أن يعيش بعيداً عن الحروب والصراعات.. والفرصة التي لا تتكرر كثيراً إن ما يجري اليوم.. رغم خطورته قد يمثل فرصة لإعادة ترتيب المشهد اليمني والإقليمي إذا أحسنت الأطراف المعنية قراءة اللحظة..
فهناك تحالفات دفاعية تتطور ومواقف عربية تتبلور وحكومة يمنية شرعية تسعى إلى استعادة الدولة وإدراك متزايد بأن ترك الميليشيات المسلحة خارج سلطة المؤسسات الوطنية يعني بقاء المنطقة رهينة لتهديدات متكررة.. لكن هذه الفرصة لا ينبغي أن تختزل في تحقيق تقدم عسكري مؤقت..
المطلوب رؤية متكاملة تبدأ بحماية وطن..ودول الجوار من الاعتداءات وتمر بدعم المؤسسات اليمنية الشرعية وتنتهي بتسوية تضمن حصر السلاح بيد الدولة وعودة الخدمات والحياة الطبيعية وإعادة الإعمار ومعالجة أسباب الانقسام..
ولا بد أن يترافق ذلك مع موقف دولي جاد يمنع وصول الأسلحة غير المشروعة إلى الميليشيات ويحمي الممرات البحرية ويضع حياة المدنيين فوق الحسابات السياسية..
إن اليمن لا يحتاج إلى انتصار عسكري يعقبه فراغ سياسي وإنما إلى مشروع دولة قادر على استيعاب أبنائه وحماية تنوعه وإعادة الثقة بين مكوناته..
وفي تقديري أن المملكة العربية السعودية بما تملكه من خبرة سياسية وثقل إقليمي وعلاقات دولية تستطيع أن تسهم بدور محوري في صياغة هذه المرحلة بالتعاون مع الأشقاء والحكومة اليمنية الشرعية والمجتمع الدولي..
وخاتمتي
ماذا سنترك للغد؟
حين تنتهي هذه المرحلة كما تنتهي كل مراحل التاريخ مهما طالت.. لن يكون السؤال الأهم كم بياناً صدر ولا كم اجتماعاً عُقد ولا حتى كم معركة حُسمت..
سيكون السؤال المهم:
هل أصبح الإنسان أكثر أمناً..؟
وهل عادت الدولة اليمنية إلى أهلها؟ وهل باتت مطاراتنا ومدننا ومقدساتنا بعيدة عن تهديد الصواريخ والمسيّرات؟
وهل تعلمت المنطقة من تجاربها ما يمنع تكرار المأساة؟
إننا لا نريد أن نورث أبناءنا وأحفادنا خرائط جديدة للصراعات وإنما نريد أن نورثهم أوطاناً آمنة وعلاقات عربية متماسكة وحدوداً تعبرها التجارة والمحبة لا.. الصواريخ والكراهية..!
ومن مكة المكرمة حيث تتجلى معاني الوحدة والتآخي إلى صنعاء.. التي تنتظر عودة الأمن والدولة تمتد اليوم مسؤولية تاريخية أمام القادة والشعوب..
فليكن ما يجري بداية لنهاية الخوف لا بداية لخوف جديد وليكن «فجر اليمن.. فجراً يستيقظ فيه الطفل على صوت المدرسة لا صفارات الإنذار وتفتح فيه المطارات أبوابها للمسافرين لا لضحايا الحروب..
ولعل أجمل انتصار ننتظره أن يأتي يوم لا نحتاج فيه إلى الحديث عن صاروخ جرى اعتراضه ولا عن مسيّرة أسقطت لأن أسباب إطلاقها قد انتهت..
اللهم احفظ وطننا المملكة العربية السعودية وقيادتها الرشيدة ومقدساتها وشعبها.. والمقيمين على أرضها وأدم عليها نعمة الأمن والاستقرار وارحم ضحايا الاعتداءات واشفِ جرحاها واحفظ رجال قواتنا المسلحة، وكل من يسهر على أمن وطننا. اللهم أعد إلى اليمن أمنه وعافيته ووحدته واجمع أبناءه على ما فيه خيرهم وألّف بين قلوب شعوبنا العربية والإسلامية وأبعد عنها الفتن والحروب..
فالأوطان لا تقاس بما تكسبه من الحروب بل بما تحفظه من أرواح وما تصنعه من سلام وما تتركه للأجيال من مستقبل.. اللًهم آمين.. ياربّ.