إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
حين يعود الإنسان إلى طفولته فإنه لا يفتح دروجاً غطاها الغبار، ولا يستعيد صوراً باهتة علقت على جدران الزمن لكنه يطأ مساحة أولى نقية تتشكل فيها أسرار العلاقة الأولى مع العالم، وتبدأ منها طرائق النظر إلى الأشياء بعين الدهشة والأسئلة المفتوحة.
إن اللعب في جوهره العميق ليس ترفيهاً عابراً للوقت إنما هو فعل اكتشاف وتأمل وتجريب تتكون من خلاله بذور الخيال، وتتأصل تدريجيًا ملامح اللغة البصرية لأي فنان يحمل طفله الداخلي حياً في أروقة روحه.
من هنا ينطلق معرض «فلاش باك»، ليأخذ الزائر في رحلة بصرية وشعورية استثنائية صاغت فكرتها ورؤيتها النقدية والفكرية القيم الفني غيداء المقرن؛ إذ لم تقدم مجرد قراءة تقليدية للأعمال لكنها وضعت إطاراً فلسفياً وجمالياً يربط بين فعل «اللعب» ومفهوم «الذاكرة والنشأة»، لتصبح كل قطعة فنية جزءاً من خطاب بصري أعمق يعيد بناء طفولة الفنانين في فضاء متكامل. ليكون المعرض نافذة واسعة على طفولة تتجسد عبر تجربتين فنيتين مختلفتين تماماً في النشأة والبيئة والمفردات البصرية وهما تجربتا الفنانين محمد الشمري وفهد النعيمة.
تتقاطع هاتان التجربتان وتفترقان عند مفترق طرق ذاكرة المكان، حيث ينطلق محمد الشمري من صخب بغداد وتفاصيل المدينة العريقة وألعاب الطفولة وآلياتها الحركية، بينما ينبثق عالم فهد النعيمة من اتساع الصحراء وهدوئها الفسيح في ضرما حيث المزرعة والنخيل والآثار الممتدة على الرمال.
وحين نتأمل هذه الثنائية البصرية ندرك كيف أن البيئة لا تصنع ذاكرة الفنان وحدها بل تحفر أثرها الغائر في أسلوبه وفي طبيعة الأيقونات والرموز التي يستحضرها داخل أروقة أعماله الفنية.
في تجربة الفنان محمد الشمري، تتجلى العلاقة مع الطفولة عبر فضول ذلك الطفل الذي لا يكتفي بالنظر العابر إلى سطح الأشياء لكنه يسعى باهتمام شغوف لتفكيكها، واكتشاف ما يكمن في خباياها. يستعيد الشمري ألعاب الزنبرك التي طالما اقتناها ويفككها بين يديه الصغيرتين، متأملاً آلياتها المعقدة وحركتها والطاقة المختبئة في داخلها بانتظار الانفلات. ويتحول هذا الشغف الطفولي تدريجيًا إلى حس هندسي صارم وواضح في أعماله المعروضة، حيث تبدو المدينة، بألعابها وتفاصيلها الميكانيكية الدقيقة، وكأنها بنية مرنة قابلة للفك وإعادة القراءة والتأويل. فالصورة الفنية هنا لا تتعامل مع الأشكال بوصفها كائنات مكتملة إنما تغوص عميقاً في بنيتها الداخلية وفي العلاقات الخفية التي تحكم حركتها والنظام الدقيق الذي يمنحها الحياة والنبض.
وهذا ما يترجمه الفنان في تصريحه: «ألعاب زنبرك تنطلق من ذكرى طفولية، حين كان جدي يناديني «يا زنبرك» بسبب حركتي الدائمة. تحولت الكلمة إلى صورة عن الطاقة الكامنة في الجسد والروح كما تختزنها الألعاب الميكانيكية في زنبركاتها. أستعيد ألعاب الزنبرك التي كنت أقتنيها وأفككها مفتوناً بالحركة وبالميكانيكا الخفية داخلها. تتحول الألعاب في الفيديو إلى كائنات مرحة تتحرك، تتتصادم، وتتداخل في مشهد يشبه الفوضى والمعركة. صوت تفريغ الزنبركات واصطدام الأجسام يصبح إيقاعاً لحركة الحياة، بما فيها من لعب واضطراب وصراع وفقدان. الفيديو يستحضر أيضاً تحوّل «التكويك» القديم إلى «الشحن» في زمن البطاريات والتكنولوجيا. وفي النهاية أعود إلى صورة الطفل الذي يدخل من نافذة بيت جده، مستعيداً صوتاً قديماً يقول: «أيا زنبرك!»».
وفي المقابل، يقودنا الفنان فهد النعيمة إلى عالم آخر مختلف يشكله فضاء ضرما الواسع وتفاصيل الحياة اليومية البسيطة المرتبطة بالمزرعة والبيت والأسرة وحضن الطبيعة الدافئ. تحضر الصحراء في تجربته الفريدة بوصفها مصدراً بصرياً وشعورياً نابضاً بالحياة وليست مجرد موضوع جامد يوضع على القماش. فنحن نلمس أثر الخيمة وجمل الصحراء وخطوط الرمال وآثار الأقدام الممتدة على الأرض إلى جانب الإحساس الغامر بالاتساع والهدوء والحركة المستمرة للطبيعة. وتكتسب هذه المفردات حضورها الطاغي من خلال معالجة شاعرية دقيقة تختزل المشهد وتديم بناءه بحيث يصبح الأثر علامة دلالية والخط حركة نابضة والفراغ مساحة رحبة للتأمل واستحضار تلابيب الذاكرة.
ويستعيد النعيمة تفاصيل تلك البدايات قائلًا: «نشأتي في مدينة ضرماء أكسبتني مخيلة أوسع لاستيعاب ذلك الهدوء والفضاء والمساحة الغنية بمصادرها الطبيعية من النخيل والبيوت وبساطة عيش أهلها وملامحهم. وتحديدًا المزرعة بصحبة جدي وجدتي والركض خلف أغنامها لأعود في المساء والشوك عالقًا في قدميّ.
أتذكر بداياتي الأولى في المدرسة مع قلم الرصاص والدفتر حيث كانت تخطيطات البورتريه تحديدًا وغيرها من المواضيع المحيطة بي تحتل جزءًا كبيرًا من أفكاري ووقتي. وكان جبل طويق الذي كنت أتأمله من شباك الصف حاضرًا في ذاكرتي ومخيلتي منذ تلك السنوات. وقتٌ لم يتسع كثيرًا لمراجعة الواجبات المدرسية ودفعت ضريبة ذلك مع عصا المعلم. وبالرغم من ندرة المواد الفنية حينها لم يمنعني ذلك من الاستمرار. ومع مرور السنوات أصبحت خطواتي أوسع وفرص التجريب والتعرف على الخامات أكثر إتاحة، لتتسع معها تجربتي وتتعدد وسائل التعبير».
وحين نمعن النظر في هاتين التجربتين المتقابلتين نرى كيف يتجلى جوهر المعرض من خلال ما سطرته القيم الفنية غيداء المقرن إذ تؤكد في كلمتها قائلة: «يعتبر معرض فلاش باك اللعب إحدى أقدم الطرق التي يتعلم الطفل من خلالها أن يسكن العالم ويتفاعل معه.
وقبل أن تكتسب الأشياء معانيها الثابتة، تظل مفتوحة أمام الخيال. يمكن للعبة أن تصبح رفيقاً، ويمكن لآلية أن تتحول إلى لغز، ويمكن لمشهد طبيعي أن يصبح ساحة للمغامرة. اللعب هو فعل من أفعال الانتباه، يكتشف الطفل من خلاله المادة والحركة والمكان والإمكانات. يجمع المعرض بين طفولتين تشكلتا في بيئتين مختلفتين: مدينة بغداد ومدينة ضرما في نجد. وتكشف الفروق بينهما عن الدور العميق الذي تؤديه البيئة المحيطة في تشكيل الخيال. فالمواد المتاحة للطفل تؤثر في الألعاب التي يبتكرها، والمساحات من حوله تحدد نطاق الاستكشاف وحجمه. كما تدخل الثقافة والمشهد الطبيعي والأسرة والتجارب اليومية إلى عالم اللعب، قبل أن تتحول إلى ذكريات واعية».
تكتمل ملامح القراءة الفنية للأعمال حين نتأمل الفضاء المتحفي للمعرض حيث تتناغم المنحوتات المعدنية والفضية التي تحاكي الهياكل العظمية وبقايا الكائنات برقة وجمال آسر على الجدران المعتمة متقاطعة مع اللوحات التجريدية ذات الخطوط والطبقات اللونية البيضاء والسوداء الموشاة بلمسات صفراء وحمراء خفيفة والتي تشبه تخطيطات الذاكرة الممتدة على مساحات شاسعة. وتتوسط القاعة طاولة عرض تضم دفاتر فنية (آرت بوك) مصفوفة بعناية يتفحصها الزوار بشغف بالغ وهم يقلبون صفحاتها المليئة بالأعمال الفنية.
إن هذا التفاعل الحي بين المتلقي والأعمال يجسد بدقة ما ذهبت إليه القيم الفنية غيداء المقرن في وصفها لهذا الثنائي الفكري: «في هذا المعرض الثنائي تُفهم اللعبة بوصفها طريقة للتفكير. فالآلية التي تعمل بالزنبرك تعرّف الطفل على أنظمة خفية، وطاقة مختزنة، وحركة، وتعثر وتكرار. أما الصحراء فتقدم مفردات أخرى؛ إذ يتحول الرمل إلى سطح، وتصبح الآثار علامات، وتغدو عظام الجمال شظايا يمكن من خلالها استحضار الذاكرة. وما يحيط بالطفل يصبح مادة للاختراع. يحمل اللعب قوةً فكريّة؛ فهو يعلّم الطفل أن يحوّل ما هو مُعطى إلى ما يمكن تخيله. كما يؤسس علاقة مبكرة بين الملاحظة والإبداع، وبين الفضول والمعرفة. يعود فلاش باك إلى هذا الفضاء التكويني، حيث يظل العالم غير مكتمل، وحيث يحتفظ كل شيء بإمكانية أن يصبح شيئاً آخر».
وتتوالى التأملات في أروقة المعرض، حيث تتبدى أمام الناظرين أبعاد إضافية تتجاوز المألوف فالأعمال المعروضة ليست مجرد قطع فنية ساكنة بل هي دعوة مفتوحة لإعادة قراءة الجذور الأولى التي انبثقت منها طاقات الفنانين الإبداعية وكأن اللوحة أو المنحوتة مرآة صافية تعكس صدى الطفولة بصخبيها وهدوئها. إن الزائر وهو يتنقل بين تجربة محمد الشمري المفعمة بالتفاصيل الهندسية والحركية وتجربة فهد النعيمة المترعة بروح الصحراء وأصالتها يشعر وكأنه يعبر جسراً زمنياً ممتداً بين الأمس واليوم ليلامس بحواسه ذلك الشغف الدفين الذي يحركه الإبداع الخالص وتتجسد أمامه الفلسفة العميقة التي صاغتها القيم الفني غيداء المقرن في طرحها الواعي المتميز الذي يعيد الاعتبار للعب باعتباره المحرك الأول لملكات التفكير والابتكار الإنساني عبر تاريخه الطويل.
وبهذا المزيج البديع بين التفكيك الهندسي الذي يمارسه الشمري والاختزال الشاعري العذب الذي ينتهجه النعيمة، ينجح معرض «فلاش باك» في تقديم لوحة متكاملة عن طفولة الإنسان، مذكراً إيانا بأن الأماكن التي نكبر فيها لا تفارقنا أبداً، لكنها تظل تلويحاً دافئاً يرافق خطواتنا، وكلما أردنا أن نعيد اكتشاف أنفسنا والعالم من جديد وجدنا تلك الطفولة بانتظارنا على أول الطريق.
** **
X: AL_KHAFAJII