محمد بن عبدالعزيز السالم
تُعدّ الشركات العائلية أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني، فهي ليست مجرد منشآت تجارية تسعى إلى تحقيق الأرباح، بل كيانات اقتصادية أسهمت على مدى عقود في بناء الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، وتدريب الكفاءات الوطنية، وفتح أبواب المستقبل أمام أجيال من الشباب السعودي، وقد استطاع كثير من المؤسسين -بفضل الله- ثم بجهودهم وإصرارهم، أن يحوّلوا بدايات متواضعة إلى شركات ومجموعات اقتصادية كبيرة أصبحت جزءًا مهمًا من مسيرة التنمية في المملكة.
إن قيمة الشركات العائلية لا تُقاس بحجم استثماراتها وأرباحها فحسب، بل بما تقدمه للوطن من وظائف، وما تسهم به في تأهيل الشباب، ونقل الخبرات، وصناعة القيادات، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية، فخلف كل شركة ناجحة قصص كفاح وتضحيات، وأعوام من العمل المتواصل، ورجال وضعوا مدخراتهم وأعمارهم لبناء كيانات اقتصادية تخدم أسرهم ووطنهم.ولكن السؤال الأهم: ماذا يحدث لهذه الشركات بعد رحيل مؤسسيها؟
هنا تكمن القضية التي تستحق اهتمام أصحاب الشركات العائلية قبل غيرهم، فكم من شركة بناها المؤسس بجهد سنوات طويلة، ثم واجهت الخلافات بين الورثة، وتضارب المصالح، وضعف الإدارة، وغياب الرؤية المشتركة، حتى تراجعت أعمالها أو تفككت بعد أن كانت نموذجًا للنجاح والاستقرار.إن استمرار الشركات العائلية لا ينبغي أن يعتمد على المحبة بين أفراد الأسرة وحدها، ولا على حسن النيات، بل لا بد من تأسيس نظام حوكمة واضح يحفظ الحقوق وينظم المسؤوليات، ويحدد آليات اتخاذ القرار، ويضع قواعد عادلة لانتقال الملكية والإدارة بين الأجيال، كما ينبغي الفصل بين ملكية الشركة وإدارتها التنفيذية، واختيار القيادات على أساس الكفاءة والخبرة، لا لمجرد صلة القرابة.
ومن الضروري أيضًا إعداد جيل جديد من أبناء الأسرة، وتأهيلهم علميًا وعمليًا، وإشراكهم تدريجيًا في المسؤوليات، مع الاستعانة بالخبرات المهنية المتخصصة ومجالس الإدارة الفاعلة، ووضع آليات واضحة لحل النزاعات قبل أن تتحول إلى خلافات تهدد مستقبل الشركة.
وهنا يأتي دور مركز المنشآت العائلية في تعزيز الوعي بأهمية الحوكمة والتخطيط للتعاقب القيادي، وتقديم البرامج الاستشارية والتدريبية التي تساعد الشركات العائلية على الانتقال الآمن بين الأجيال، بما يتناسب مع أحجامها وطبيعة أعمالها.
إن المؤسس الناجح لا يكتمل إنجازه ببناء شركة كبيرة فحسب، بل يكتمل حين يضع الأسس التي تضمن استمرارها من بعده، فالشركة العائلية الناجحة ليست إرثًا ماليًا تتقاسمه الأجيال، بل أمانة اقتصادية يجب المحافظة عليها وتطويرها.
إن حماية الشركات العائلية من الاندثار مسؤولية مشتركة، واستمرارها يعني حماية الوظائف، والمحافظة على الثروات الوطنية، وصناعة فرص جديدة للشباب. فالنجاح الحقيقي ليس أن نبني كيانًا يزدهر في حياتنا، بل أن نؤسس كيانًا قادرًا على النجاح بعد رحيلنا، ليبقى أثر المؤسس حاضرًا في الاقتصاد الوطني عبر الأجيال.