سعدون مطلق السوارج
ليست الأرقام الاقتصادية الكبيرة هي التي تصنع التحولات وحدها، بل ما تكشفه حركتها عبر الزمن عن قدرة الدولة على تحويل رأس المال من زائر يبحث عن فرصة إلى شريك يجد في الاقتصاد مكانًا للبقاء والنمو. ومن هذه الزاوية تستحق أرقام الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة العربية السعودية خلال الربع الثاني من عام 2026 قراءة تتجاوز الخبر العابر؛ لأن الرقم هنا ليس نهاية الحكاية، وإنما نافذة على تحول اقتصادي أوسع أعاد خلال أقل من عقد تشكيل علاقة المملكة بالاستثمار العالمي.
فقد أظهرت نتائج إحصاءات الاستثمار الأجنبي المباشر الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء أن صافي التدفقات إلى المملكة بلغ 19.1 مليار ريال خلال الربع الثاني من عام 2026، مقابل 23.7 مليار ريال في الربع المماثل من عام 2025، بانخفاض سنوي نسبته 19.5 في المئة. وبلغت التدفقات الداخلة 22.3 مليار ريال، فيما بلغت التدفقات الخارجة 3.2 مليارات ريال. وعلى أساس فصلي، انخفض صافي التدفقات بنسبة 15.8 في المئة مقارنة بالربع الأول من العام الجاري، الذي بلغ 22.7 مليار ريال.
القراءة الاقتصادية الرصينة لا تنتقي من الإحصاء ما يناسبها وتترك ما عداه. فالانخفاض موجود وتثبته البيانات، لكن السؤال الأهم ليس: ماذا حدث في ربع واحد؟ بل: ما الذي تغير في الاقتصاد السعودي خلال السنوات الماضية حتى أصبحت المملكة وجهة تتقدم في خريطة الاستثمار العالمي؟
هنا تبدأ القصة الحقيقية.
الاستثمار الأجنبي المباشر، بخلاف الأموال القصيرة الأجل، يعكس في جوهره علاقة اقتصادية طويلة المدى؛ شركة أو مصنعًا أو مقرًا إقليميًا أو سلسلة إمداد أو معرفة تقنية أو قدرة إنتاجية جديدة. ولهذا فإن قيمته للدولة لا تقاس فقط بحجم المال الذي يعبر حدودها، وإنما بما يتركه ذلك المال داخل اقتصادها من إنتاج ومعرفة ووظائف وشراكات.
ومن هنا تصبح العودة إلى نقطة البداية ضرورية. فتقرير رؤية السعودية 2030 لعام 2025 يبين أن صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بلغ في عام 2017 نحو 1.1 مليار دولار. وبعد أقل من عقد أصبح المشهد مختلفًا جذريًا؛ إذ بلغ صافي التدفقات 21.3 مليار دولار في 2024، ووصل وفق التقديرات الأولية إلى نحو 32.5 مليار دولار في 2025. وفي الوقت نفسه ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر من نحو 133.8 مليار دولار عام 2017 إلى تقدير أولي يبلغ 293.3 مليار دولار في 2025.
وهذه المقارنة التاريخية أكثر دلالة من مقارنة ربع بربع.
فما حدث بين الرقمين ليس مجرد ارتفاع في منحنى إحصائي، وإنما تغيير في بنية الاقتصاد وفي الطريقة التي تقدم بها المملكة نفسها لرأس المال العالمي. فمنذ انطلاق رؤية السعودية 2030 انتقلت قضية الاستثمار من ملف اقتصادي منفصل إلى أحد المكونات الأساسية لمشروع تنويع الاقتصاد، وتوسيع دور القطاع الخاص، وبناء قطاعات جديدة، وربط المملكة بصورة أعمق بحركة الاقتصاد العالمي.
الشاهد الدولي هنا بالغ الدلالة؛ فوفق تقرير الاستثمار العالمي لعام 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، تقدمت المملكة أربع مراتب لتصبح في المركز الثالث عشر عالميًا بين أكبر الاقتصادات المستقبلة للاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2025، بعدما سجلت تدفقات تقارب 33 مليار دولار.
هذه المرتبة لا تعني أن الطريق اكتمل، لكنها تقول شيئًا مهمًا: إن السعودية لم تعد تتحدث فقط عن استهداف موقع متقدم على خريطة الاستثمار؛ بل أصبحت تتحرك بالفعل داخل الصفوف المتقدمة لهذه الخريطة.
وهنا تظهر رؤية السعودية 2030 لا بوصفها شعارًا مرافقًا للأرقام، وإنما إطارًا جمع التشريع والبنية التحتية والأسواق والقطاع الخاص والقطاعات الجديدة في مسار اقتصادي واحد.
فتقرير الرؤية لعام 2025 يشير إلى أن مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي بلغت 51 في المئة، متجاوزة مستهدف ذلك العام البالغ 47 في المئة، فيما يستهدف الوصول بها إلى 65 في المئة بحلول 2030. والأكثر اتصالًا بموضوع الاستثمار أن حصة القطاع الخاص من إجمالي الاستثمار ارتفعت من 60 إلى 76 في المئة، ليصبح، بحسب التقرير، المحرك الرئيس لنمو الاستثمار في المملكة.
وتلك نقطة شديدة الأهمية؛ لأن الاقتصاد الجاذب لرأس المال الأجنبي على المدى الطويل لا يبنى فقط بالمشروعات الحكومية الكبرى، وإنما بوجود قطاع خاص قادر على تكوين الشراكات وفتح سلاسل التوريد وتحويل الفرصة الاستثمارية إلى نشاط اقتصادي مستدام.
من هنا جاء نظام الاستثمار المحدث ليضيف إلى التحول الاقتصادي بنية قانونية أكثر وضوحًا. وقد أكد صندوق النقد الدولي في مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 أن نظام الاستثمار يعزز حماية المستثمرين والملكية الفكرية، ويوسع خيارات تسوية المنازعات، ويكرس المعاملة المتساوية للمستثمرين المحليين والأجانب، بالتوازي مع إصلاحات أخرى استهدفت تبسيط تسجيل الأعمال وتعزيز الشفافية.
قد تبدو هذه التفاصيل القانونية أقل إثارة من أرقام المليارات، لكنها في عالم الاستثمار أكثر رسوخًا منها؛ لأن رأس المال طويل الأجل يبحث عن وضوح القاعدة التي سيبني عليها قراره قبل أن يحسب عائده.
ولم تتحرك المملكة تشريعيًا فقط. فتقرير رؤية 2030 لعام 2025 يشير إلى وصول عدد الشركات ذات الاستثمار الأجنبي إلى نحو 55 ألف شركة، مقارنة بنحو خمسة آلاف شركة في 2020، كما بلغ عدد الشركات في برنامج المقرات الإقليمية 700 شركة في 2025، بعدما كان 44 فقط في 2021.
الفارق هنا عميق: هناك فرق بين شركة تبيع منتجاتها في سوق، وشركة تختار أن تجعل من المملكة موقعًا لحضورها المؤسسي وإدارة جانب من أعمالها الإقليمية.
حتى بوابات التجارة أصبحت جزءًا من منظومة التنافسية. فالبرنامج السعودي للمشغل الاقتصادي المعتمد يقدم حزمة من التسهيلات في الإجراءات الجمركية والضريبية والمنافذ وسلاسل الإمداد، إلى جانب الاستفادة من اتفاقيات الاعتراف المتبادل. ويتسع هذا البعد عبر برنامج المشغل الاقتصادي المعتمد لدول مجلس التعاون، بما يعكس قيمة التكامل بين كفاءة السوق السعودية واتساع المجال الاقتصادي الخليجي.
وهنا تتجاوز المسألة حدود الاقتصاد السعودي وحده. فالمملكة بثقلها الاقتصادي، وموقعها الجغرافي، وحجم سوقها، وبنيتها اللوجستية، تمثل إحدى الركائز الكبرى في المنظومة الاقتصادية الخليجية؛ وكل توسع في قدراتها الصناعية والاستثمارية واللوجستية يفتح مساحات إضافية لحركة التجارة ورأس المال وسلاسل الإمداد داخل الخليج وخارجه.
هذه ليست قراءة محلية فحسب. ففي يوليو 2026 أكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرة على الصمود في بيئة إقليمية معقدة، مستندًا إلى أسس اقتصادية قوية وبنية تحتية متنوعة للطاقة والخدمات اللوجستية. كما أشاد مديرو الصندوق بالتقدم الكبير المحقق في إطار رؤية 2030، وما نتج عنه من تعزيز الاقتصاد غير النفطي، وتوسيع دور القطاع الخاص، ودفع التنويع الاقتصادي، وأشاروا إلى أهمية تعميق التكامل الخليجي في تعزيز قدرة المنطقة على الصمود.
وتزداد قيمة ذلك عندما يوضع المشهد السعودي داخل الصورة العالمية. فقد أظهر تقرير الاستثمار العالمي لعام 2026 أن الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا ارتفع بنسبة 6 في المئة خلال 2025 إلى نحو 1.6 تريليون دولار، إلا أن «الأونكتاد» وصفت التعافي بأنه هش وغير متوازن، في ظل استمرار عدم اليقين التجاري والتوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف التمويل والتجزؤ الاقتصادي.
وهنا تتضح دلالة استمرار المملكة في جذب تدفقات كبيرة وتقدمها في الترتيب العالمي رغم بيئة دولية شديدة التعقيد.
إن المملكة التي بنت عبر عقود مكانتها الاقتصادية العالمية انطلاقًا من ثقلها في أسواق الطاقة، تعمل اليوم على إضافة طبقات جديدة إلى تلك القوة: الصناعة، والتعدين، والسياحة، والتقنية، والخدمات المالية، واللوجستيات، والاقتصاد الرقمي، وقطاعات المستقبل.
هذه قراءة تاريخية مهمة؛ فالدول الكبرى اقتصاديًا لا تهدم مصادر قوتها حين تتطور، وإنما تضيف إليها مصادر جديدة. والمملكة لا تستبدل مكانتها التاريخية في الطاقة، بل توسع حولها قاعدة اقتصادية أكثر تنوعًا واتصالًا بالعالم.
وفي قلب هذا التحول تقف القيادة السعودية التي جعلت رؤية السعودية 2030 إطارًا لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والسوق والاستثمار. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، وبقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، أصبح الاستثمار أحد المسارات الرئيسة لتنويع القاعدة الاقتصادية وتعظيم دور القطاع الخاص وربط المملكة بصورة أعمق بحركة الاقتصاد العالمي.
ولهذا فإن 19.1 مليار ريال في ربع واحد لا ينبغي أن تقرأ بوصفها خبرًا عن ارتفاع أو انخفاض فقط؛ فالأرقام الفصلية تتحرك، بينما التحولات الكبرى تقاس بما يتغير خلفها: القوانين، والمؤسسات، وحجم القطاع الخاص، ورصيد الاستثمار، وعدد الشركات، واتساع القطاعات، وقدرة الدولة على تحويل الثقة إلى وجود اقتصادي طويل الأجل.
لقد كان النفط، في مرحلة تاريخية، أحد أهم الأسباب التي جعلت العالم يتجه إلى المملكة بحثًا عن الطاقة. أما السعودية اليوم فتعمل على بناء معادلة أوسع: أن يأتي المستثمر إليها لأنه يرى سوقًا، وموقعًا، وتشريعًا، وبنية تحتية، وفرصة، واقتصادًا يتحول أمامه.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للاستثمار الأجنبي: فالدول لا تصبح وجهات كبرى لأن المال عبر حدودها يومًا، بل لأنها صنعت داخل حدودها أسبابًا تجعل رأس المال يختار أن يبقى فيها.
وتلك، قبل أن تكون قصة تدفقات فصلية، قصة دولة لا تنتظر موقعها في اقتصاد المستقبل، بل تعمل على صناعته.
** **
- باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي