د.سامي بن عبدالله الدبيخي
في مقالنا السابق، “النقل العام بالرياض.. من حلم التنفيذ إلى عتبة الـ500 مليون راكب”، استعرضنا أرقام النجاح التي حققها النقل العام (المترو والحافلات). غير أن الأرقام وحدها لا تصنع مدينة. فالقطار الذي يعبر مدينة صُمّمت للسيارة يشبه نهراً جارياً في أرض لم تُهيَّأ لتُروى منه. وهذا ما يجعل تغيير الشكل والتركيبة العمرانية للرياض حاجة ملحّة، تماماً كما فعلت طوكيو قبلها. فالنجاح الحقيقي لا يكتمل داخل عربات القطار، وإنما حين تتغير المدينة نفسها من حوله لتأخذ شكلاً يحاكي شبكة النقل العام.
تحمل تجربة طوكيو، الممتدة نحو أربعة قرون، دروساً تتجاوز حدود اليابان. فهي لم تنسخ نماذج جاهزة، وإنما بنت تخطيطها على خصوصيتها الثقافية، وراعت المناخ وفق فلسفة “الفنغ شوي”. كما أضافت إلى ذلك مرتكزاً ثانياً وهو أن تكون مدينة «تُصغي لإيقاعات زمنها» فتساير عصرها وتستجيب بسرعة لتحولات المجتمع والاقتصاد والتكنولوجيا. لذلك بدّلت طوكيو استراتيجياتها وهيكلها العمراني ثلاث مرات في نحو خمسة وثلاثين عاماً فقط. هذا أمر نادر في تخطيط المدن، إلا أنه كان ضرورياً عند مخططي طوكيو. فهم يدركون أن المدينة التي لا تُراجع نفسها ولا تواكب عصرها تتحول مع الوقت إلى عبء على ساكنيها.
اعتمد المخطط الهيكلي لطوكيو 1982 على تعدد مراكز النمو التي تتكدس فيها الوظائف والأعمال. غير أن هذا التمركز فاقم الاختناقات المرورية، ورفع الإيجارات والأسعار، فصار عبئا على المدينة وعامل طرد للسكان. كما باعد بين السكن والعمل، فأرهقت الرحلات اليومية الموظفين. فجاءت استراتيجية 2001 ببديل يقوم على مدينة كبرى تحيط بها «مدن مدارية تابعة»، ونُقلت إليها بعض الوظائف. ثم ما لبث هذا المخطط الهيكلي بدوره أن بلغ منتهاه بعد نحو عقد ونصف. فكان لا بد من استراتيجية جديدة في 2017 تتخلى فيها طوكيو عن فكرة مراكز النمو من أساسها، وتتبنى هيكلاً يقوم على المزايا المحلية الكامنة كالموقع والتاريخ والخصائص الذاتية الفريدة.
وجاء هذا التحول كضرورة ملحة بسبب ما عانته المدينة من ضعف التنافسية، وتراجع الولادات وشيخوخة المجتمع، وظهور السيارات ذاتية القيادة، وضرورة الاستجابة لنداءات مراعاة الاستدامة. فدعت الاستراتيجية الجديدة 2017 للتحول من فكرة التمركز إلى فكرة القطار والمحطة ليحددا شكل المدينة الجديد.
فالنقل العام هو «الخيط الناظم» الذي ربط هذه المراحل كلها، بداية من إنشاء الضواحي، وصولاً إلى محطات القطار الكبرى كمناطق تطوير ذات أولوية، لتتولى دور المحرك الأساسي للنهضة العمرانية في المدينة.
وبعد عام 2000 صارت استعمالات الأراضي تدور حول المحطات ومسارات القطار. تتجمع المساكن والمكاتب والأنشطة التجارية حولها، وتُطوَّر نطاقات مشي بمسافة خمس دقائق (400 م) وعشر دقائق (800 م) عند كل محطة. الغاية من كل هذا، تخطيط بيئة حضرية جاذبة، تكثر فيها الحدائق والساحات الخضراء، وتنخفض فيها الانبعاثات الكربونية، ويتكامل فيها المشي والدراجة مع القطار.
وجاءت النتيجة أن نصف الرحلات في طوكيو يتم بالقطار، وربعها مشياً على الأقدام. أما حصة المركبات الخاصة، فلا تكاد تتجاوز 12%. وهنا مربط الفرس، فقد أصبح القطار يخدم المدينة، وهي بدورها تخدمه أيضاً. وفي هذا التكامل وهذا التبادل في المنافع، يعيش الإنسان وتزدهر الأعمال.
يبقى السؤال الذي يؤرق مسؤولي الميزانيات: كيف تُموَّل هذه الشبكات والمحطات؟ هنا تقدم تجربة طوكيو جواباً عملياً. فالقيمة التي يصنعها القطار تظهر أولاً في الأراضي المحيطة بمساره ومحطته، إذ ترتفع أسعارها ويزدهر نشاطها. ولهذا درجت شركات السكك في اليابان على تطوير العقارات والمجمعات التجارية حول محطاتها، فتعيد جزءاً من القيمة المتولدة إلى الشبكة، فلا تقف العوائد عند التذكرة، بل تمتد إلى العقار. فالمحطة التي يُحسن تخطيط محيطها تموّل نفسها جزئياً، بدل أن تُحمّل خزينة المدينة كلفتها كاملة. وقد تناولنا هذه الفكرة في مقالَينا السابقة الأول لمدينة طوكيو بعنوان «شيناغاوة: إستراتيجية تطوير المراكز الحضرية وتمويلها»؛ اما الثاني بعنوان «استغلال تحصيل قيمة الأراضي كنموذج لتمويل مشاريع النقل الكبرى».
إن الرياض التي صُمّمت طويلاً حول السيارة، لن تجني ثمرة القطار كاملة إذا بقي شكلها كما هو. ينبغي عليها أن تحول محطاتها إلى مراكز للحياة والتجارة، وتحفز كثافة الاستخدامات المختلطة حولها، ليتم تمويلها ولو جزئياً، باسترداد بعض من قيمة الأراضي التي ترتفع عند المحطات. وتصمم شوارع آمنة ومظللة تغري بالمشي وتشجع عليه، وتخطط أحياء يتساءل سكانها إن كانوا يحتاجون فعلاً للسيارة في كل مشوار. هذا هو جوهر التطوير الموجه للنقل العام (TOD) الذي سيعيد تشكيل الرياض مستقبلاً. فتتحول المحطة إلى مركز نابض بالحياة، ويتحول القطار من مشروع نقل إلى محرك اقتصادي.
ختامًا، تعلّمنا طوكيو أن المدينة الناجحة لا تُجمّد شكلها، بل تعيد تشكيله كلما تغيّر زمنها. وتؤكد أن الشكل العمراني والنقل العام وجهان لمعادلة واحدة، غايتها الإنسان، فتحفظ وقته وترعى صحته وتزيد فرصه. ها قد بدأت الرياض الشطر الأصعب بتشغيل المترو، وبقي الشطر الأجمل وهو أن تعيد المدينة تشكيل نفسها حول شبكة المترو. ومن هنا يبدأ الحلم الجديد.