عبد العزيز بن صالح الفريدي
في الاقتصادات التي تسعى إلى ترسيخ مكانتها وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات، لا تقتصر مؤشرات القوة على حجم الاستثمارات أو معدلات النمو في الفترات الاعتيادية، بل تتجلى بصورة أوضح في قدرة القطاعات الحيوية على مواصلة العمل والإنتاج عندما تتزايد التهديدات وتتسع دائرة المخاطر الإقليمية، ومن هذا المنطلق يكتسب استمرار نمو قطاع الإنشاءات والبناء والمقاولات في المملكة دلالة تتجاوز الأرقام الشهرية، ليعكس جانبًا مهمًا من قدرة الاقتصاد الوطني على الحفاظ على زخم مشروعاته التنموية، رغم الضغوط الجيوسياسية وارتفاع تكاليف بعض مدخلات الإنتاج والتحديات التي تواجه سلاسل الإمداد، فوفقًا لبيانات مؤشر الراجحي المالية لقطاع الإنشاءات السعودي، واصل القطاع توسعه خلال سبتمبر 2026 للشهر الخامس على التوالي، مسجلًا 54.4 نقطة، مقابل 55.4 نقطة في أغسطس، بما يشير إلى استمرار النشاط التوسعي، وهذه القراءة تستحق التوقف عندها؛ لأن الأهمية لا تكمن في أن القطاع يحقق نموًا فحسب، بل في أنه يحافظ على مسار النمو في بيئة إقليمية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين، وتزايد المخاوف المرتبطة بالتكاليف والتجارة والإمدادات.
يحتل قطاع الإنشاءات موقعًا محوريًا في معادلة التنمية السعودية، فهو ليس نشاطًا اقتصاديًا منفصلًا عن بقية القطاعات، بل يمثل أحد المحركات الرئيسية للاستثمار والتوظيف وتطوير البنية التحتية وتوسيع القاعدة الإنتاجية، فالمشروع الإنشائي يبدأ باستثمارات وتمويلات، لكنه يمتد أثره إلى قطاعات واسعة تشمل مواد البناء والصناعات التحويلية والنقل والخدمات الهندسية والتوريد والتشغيل، فضلًا عن فرص العمل التي يوفرها بصورة مباشرة وغير مباشرة، ولذلك فإن استمرار حركة البناء والمقاولات ينعكس على دورة النشاط الاقتصادي بأكملها، ويمنح قطاعات أخرى فرصًا للنمو والتوسع، بما يعزز الترابط بين التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي، وتزداد أهمية هذا الدور في ظل المسيرة التنموية التي تشهدها المملكة ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، حيث تتواصل الجهود لتطوير البنية التحتية، وتعزيز المعروض السكني، ورفع كفاءة شبكات النقل والخدمات، وتوسيع فرص الاستثمار في مختلف المناطق، وقد أظهرت بيانات سبتمبر أن قطاعات الإنشاءات الفرعية الثلاثة واصلت التوسع، مع تصدر الإنشاءات السكنية والبنية التحتية، فيما سجل نشاط البنية التحتية ثاني أعلى قراءة له منذ بدء الاستبيان في يناير 2026. وتعكس هذه المؤشرات استمرار الطلب على المشروعات الأساسية التي تحتاج إليها التنمية، كما توضح أن النشاط الإنشائي يستند إلى قاعدة متنوعة من الأعمال، لا إلى مسار واحد أو قطاع منفرد.
ومع استمرار نمو القطاع، تبرز أهمية كفاءة الإدارة الاقتصادية في التعامل مع المتغيرات المصاحبة للنشاط؛ إذ أشارت 45 % من الشركات إلى ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج خلال سبتمبر، مسجلةً ضغوطًا سعرية هي الأعلى منذ بداية العام، بالتزامن مع زيادة طفيفة في فترات تسليم الموردين. كما دفعت التطورات الجيوسياسية بعض العملاء إلى إعادة ترتيب جداول الموافقات على مشروعات التطوير التجاري، بما يعكس حرص الشركات على مواءمة خططها مع مستجدات المرحلة.
تؤكد هذه المؤشرات أن مواصلة النمو تستند إلى قوة الطلب من جهة، والقدرة على التكيف مع المتغيرات من جهة أخرى، عبر ترشيد التكاليف، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، وتحسين التخطيط والتنفيذ، بما يدعم استمرارية المشروعات ويحافظ على زخم التنمية في المملكة، وهو الأمر الذي يظهر أهمية الاستقرار الذي تتمتع به المملكة، ليس باعتباره غيابًا كاملًا للمخاطر، وإنما باعتباره قدرة مؤسسية واقتصادية على التعامل معها، والاستمرار في تنفيذ الأولويات التنموية، وتوفير بيئة تسمح للشركات باتخاذ قراراتها على أسس أكثر وضوحًا، فالتهديدات الإقليمية قد تؤثر في توقعات المستثمرين وتكاليف النقل والتوريد، لكن انعكاساتها النهائية تتوقف أيضًا على جاهزية المؤسسات، ومرونة السياسات الاقتصادية، وكفاءة إدارة الموارد، وقدرة السوق على استيعاب الصدمات، ومن ثم فإن استمرار التوسع في قطاع الإنشاءات يقدم مؤشرًا على تماسك النشاط الاقتصادي، لكنه لا يلغي الحاجة إلى اليقظة والاستعداد للمخاطر المحتملة.
كما أن بقاء النظرة المستقبلية للشركات إيجابية، مع توقع نحو ثلثها زيادة نشاطها خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، يمثل عنصرًا مهمًا في تقييم اتجاهات القطاع، ولا سيما مع ارتفاع الثقة في الإنشاءات السكنية، غير أن تحويل هذا التفاؤل إلى نمو مستدام يتطلب تحقيق التوازن بين سرعة تنفيذ المشروعات وجدواها الاقتصادية، وضبط التكاليف، وتعزيز كفاءة المقاولين، وضمان توافر العمالة والمواد والخدمات اللازمة، فنجاح التنمية لا يقاس بحجم المشروعات المعلنة وحده، بل بقدرتها على الإنجاز في المواعيد المحددة، وتحقيق قيمة اقتصادية مستدامة، وتوسيع فرص العمل، وتطوير البنية التحتية بما يخدم احتياجات المجتمع والاقتصاد.
إن استمرار نمو قطاع الإنشاءات السعودي في ظل التحديات الراهنة يبعث برسالة اقتصادية مهمة مفادها بأن مسيرة التنمية في المملكة تستند إلى نشاط استثماري متواصل وقاعدة مشروعات واسعة، وأن المخاطر الإقليمية، على الرغم من آثارها المحتملة، لم توقف زخم القطاع وفق المؤشرات المتاحة، وهذه ليست دعوة إلى التقليل من شأن التحديات، بل تأكيد على أن التعامل معها يبدأ بفهمها، ثم تعزيز عناصر القوة والمرونة التي تحد من آثارها، فالمملكة تمضي في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة، ويظل قطاع الإنشاءات أحد المحركات الأساسية لهذا التحول، بما ينجزه من بنية تحتية ومشروعات سكنية وتنموية، وفي المحصلة فإن قيمة النمو لا تكمن في تجاوز اختبار شهر واحد، بل في القدرة على مواصلة المسار، وتحويل الاستثمارات إلى إنجازات ملموسة، وترسيخ الثقة في مستقبل الاقتصاد السعودي مهما تبدلت الظروف المحيطة.