عوض علي أحمد الطالبي
في توقيت بالغ الحساسية من مسار التحولات الجيوسياسية الإقليمية، أطلت قيادة القوات المشتركة ببيان عسكري يحمل في طياته تحولاً استراتيجياً جذرياً في عقيدة الردع والعمليات الدفاعية والهجومية. لم يكن البيان مجرد جرد حساب روتيني للمواجهات الجارية، بل جاء بمثابة خطة طريق وميثاق ميداني جديد يُعلن صراحة انتهاء مرحلة «احتوء الأزمات» والدخول الفعلي في طور «الحسم الكامل واستئصال التهديدات».
تزامن هذا البيان مع تصاعد حدة التوترات واستمرار المحاولات الإقليمية لزعزعة استقرار الممرات الملاحية الدولية واستهداف المنشآت الحيوية في المنطقة، ما جعل من الكلمات الصادرة عن قائد القوات المشتركة بمثابة السهم الذي حدد اتجاه المعركة المقبلة، واضعاً النقاط على الحروف أمام الصديق والعدو على حد سواء.
البيان العسكري الحاسم لقائد القوات المشتركة: معادلات الردع تُرسم في البر والبحر
إن الشعار المركزي الذي تصدر الخطاب، واختزل الإستراتيجية العسكرية للمرحلة الحالية والقادمة، يتمثل في العبارة الصارمة: «نضربهم على الأرض.. نغرقهم في البحر». هذه المعادلة الثنائية لم تأتِ من فراغ اعتباطي، بل تعكس تكاملاً عملياتياً رفيع المستوى بين مختلف أفرع القوات المسلحة (الجوية، البرية، والبحرية)، ويمكن تفكيك أبعادها البنيوية إلى شقين رئيسيين:
أولاً: السيادة البرية وقطع دابر الإرهاب (نضربهم على الأرض).
شدد قائد القوات المشتركة في بيانه على أن الأمن البري وتأمين الحدود والعمق الاستراتيجي هو خط أحمر لا يمكن التهاون فيه، وأشار إلى أن العمليات البرية والضربات الجوية المركزة لن تقتصر بعد اليوم على اتخاذ مواقف دفاعية خلف الخطوط، بل ستتحول إلى هجوم وقائي يستهدف مراكز القيادة والسيطرة للعدو، ومستودعات التسلح الذاتي، ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
الرسالة هنا واضحة: كل شبر أرض يُستخدم كمكامن لتهديد الأمن القومي أو منطلقاً لتنفيذ هجمات غادرة، سيكون هدفاً مشروعاً ومباشراً لنيران القوات المشتركة. وقد تجلى ذلك ميدانياً من خلال تدمير عدد من منصات الصواريخ الباليستية في مواقع متفرقة، وإحباط محاولات حفر الخنادق وزرع الألغام التي تحاول الميليشيات وجيوش الأعداء استخدامها لتغيير الواقع الجغرافي على الأرض.
ثانياً: الذراع البحرية الطولى وحماية المضائق (نغرقهم في البحر).
يمثل الشق الثاني من المعادلة «نغرقهم في البحر» تحذيراً شديد اللهجة لكل الأطراف الساعية إلى تهديد أمن الملاحة البحرية الدولية، وخاصة في الممرات الاستراتيجية والمضائق الحيوية مثل مضيق باب المندب والخليج العربي والبحر الأحمر.
أكد القائد أن أي قطع بحرية، أو زوارق مفخخة مسيرة، أو محاولات قرصنة واعتداء على السفن التجارية والمنشآت البترولية العائمة، ستواجه برد فوري وقاتل يؤدي إلى إغراقها في عرض البحر قبل أن تحقق أهدافها. فالقوات البحرية المشتركة، المدعومة بمنظومات دفاع جوي متطورة ورادارات رصد بعيدة المدى، فرضت طوقاً أمنياً محكماً، جاعلة من الأعماق المائية مقبرة للمغامرات العسكرية غير المحسوبة.
القدرات التكنولوجية ومنظومات الدفاع: التفوق النوعي في الميدان
لم يغفل البيان الإشادة بالكفاءة القتالية العالية والجاهزية التكنولوجية الفائقة لجنود ومنظومات القوات المشتركة، وقد ركز الخطاب على الجوانب التقنية التالية التي منحت القوات اليد العليا في المواجهات الأخيرة:
* سلاح الجو الاستراتيجي: استعرض البيان الدور المحوري لمقاتلات تفوق جوي حديثة (مثل طائرات F-15 وطائرات الجيل الخامس والسادس) في السيطرة الكاملة على الأجواء، وتنفيذ ضربات جراحية دقيقة في العمق المعادي، وتحييد التهديدات قبل تحركها.
* حائط الصد الجوي والدفاعي: كشف البيان عن نجاحات قياسية حققتها منظومات الدفاع الجوي في اعتراض وتدمير مئات الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ الموجهة والباليستية. هذا النجاح يثبت أن شبكة الدفاع الجوي باتت مظلة فولاذية عصية على الاختراق، وقادرة على التعامل مع الهجمات المتزامنة والمنسقة (موجات المسيرات).
الأبعاد السياسية والاستراتيجية للخطاب
خلف الكلمات العسكرية الصارمة، يحمل بيان قائد القوات المشتركة رسائل سياسية موجهة إلى أطراف متعددة في المجتمع الدولي والإقليمي:
1- إلى القوى الإقليمية المحرضة: الرسالة هنا صريحة ومباشرة؛ إن الاعتماد على الحروب بالوكالة واستخدام الميليشيات لزعزعة استقرار المنطقة لن يحمي الرؤوس الكبيرة المدبرة لهذه المخططات. فالقوات المشتركة مستعدة لتوسيع رقعة العمليات لتشمل مصادر التهديد المباشرة إذا استمرت دائرة التصعيد.
2- إلى المجتمع الدولي والملاحة العالمية: يجدد البيان التزام القوات المشتركة التام بحماية حرية التجارة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي عبر تأمين ممرات الطاقة. وهي مسؤولية تضطلع بها القوات بكفاءة واقتدار، داعيةً المجتمع الدولي إلى اتخاذ مواقف أكثر حزماً ضد الجهات المارقة التي تخرق القوانين الدولية.
3- إلى الجبهة الداخلية والشعوب الحليفة: يبعث البيان برسالة طمأنينة وثقة كاملة في قدرة القوات المسلحة على الذود عن حياض الوطن وحماية المكتسبات التنموية والاقتصادية، مؤكداً أن العيون الساهرة على الثغور لن تسمح لأي تهديد بأن يعكر صفو الأمن والاستقرار الداخلي.
خاتمة: خارطة طريق نحو النصر والحسم
إن بيان قائد القوات المشتركة لم يكن مجرد استعراض للقوة، بل كان إعلاناً رسمياً عن بدء مرحلة جديدة من الحسم العسكري والاستراتيجي. فالمعادلة الميدانية المتمثلة في ضرب الأعداء على الأرض وإغراقهم في البحر تعكس الجاهزية الكاملة للتعامل مع السيناريوهات كافة، بدءاً من حرب العصابات والميليشيات، وصولاً إلى المواجهات المباشرة بين الدول.
لقد وضعت القيادة المشتركة خطاً فاصلاً في تاريخ الصراع بالمنطقة؛ فإما الانصياع لصوت العقل والكف عن العبث بأمن الدول واستقرارها، وإما مواجهة مصير حتمي يتراوح بين الضربات الساحقة على اليابسة أو الابتلاع الكامل في أعماق البحار، وبفضل التلاحم بين القيادة السياسية والعسكرية والجاهزية الفائقة للمقاتلين، تظل القوات المشتركة الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات، والدرع الحصين الذي يضمن صياغة مستقبل آمن ومستقر للمنطقة بأسرها.