عامر عبد الحي
إشكالية السؤال التاريخية والفلسفية؛ تلك التي طالما رددها واختلف حولها المؤرخون والمهتمون بفلسفة التاريخ.
في استعراض للوقائع والتجارب التاريخية، يخبرنا التاريخ السياسي عن حالات خرجت عن منطق الحتميات النظرية المعتادة إلى منطق التجربة الواقعية؛ ففي الانتخابات الفرنسية التي جرت عقب تحرير فرنسا، خرج بطل التحرير والزعيم التاريخي شارل ديغول مهزوماً من المشهد السياسي للجمهورية، رغم شعبيته الجارفة خلال حرب التحرير التي تُوّج فيها بأكاليل الغار.
ولم يكن الزعيم البريطاني وينستون تشرشل -الأكثر حضوراً وشعبية على مستوى السياسة الدولية ورسم خارطتها- بمعزل عن هذه «المفارقة التاريخية»؛ فقد أسقطته انتخابات الشعب البريطاني عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية والنصر الكبير للحلفاء على ألمانيا؛ وكأن الشعوب تفصل بحِمَمٍ باردة بين «رجل الحرب» الضروري لمرحلة البقاء، وبين «رجل السلم» المطلوب لإدارة تفاصيل الحياة اليومية وبناء الدولة.
اليوم، يقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام ذات المفارقة؛ فقد حقق لإسرائيل ضربات مدوية ضد خصومها، وغير معادلة القوة في المحيط الإقليمي من خلال نجاحه في اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وقيادات الحزب، واستشهاد وتصفية القيادات المتعاقبة لحركة حماس وتفكيك بنيتها التحتية، فضلاً عن إضعاف القوة العسكرية الإيرانية واستهداف قادتها بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية.
غير أن هذه الفرضية وتلك الإنجازات تتوقف ترجمتها عند صندوق الاقتراع وإرادة الناخب الإسرائيلي في الانتخابات المصيرية المقبلة، إلى جانب معطيات وعوامل عديدة؛ منها ما يتعلق بالتحركات الأمريكية الدبلوماسية والعسكرية، وأخرى تتعلق بتحركات نتنياهو نفسه ومدى تفاعله مع الشارع الداخلي ومحيطه الإقليمي. ولا نغفل أن هناك لاعباً جديداً يدخل معادلة الانتخابات الإسرائيلية لأول مرة -ولو بصورة غير مباشرة- وهو الموقف الإيراني وحساباته الإستراتيجية خلال هذه الفترة الحرجة.
نحن إذن أمام تجربة جديدة تُضاف لسجلات التاريخ السياسي؛ لتعيد طرح التساؤل الأزلي: هل يقتنع الناخب بأن بطل الحرب والنصر هو بالضرورة الرجل المناسب لصنع السلم والبناء؟
** **
- كاتب وإعلامي سوري