خالد قاسم أبو بكر
لم تكن المأساة الكبرى التي أصابت العالم العربي منذ عام 2011 في سقوط أنظمة أو تبدل حكومات، وإنما في اللحظة التي ظنت فيها ميليشيات وجماعات مسلحة أن بإمكانها اختطاف أوطان بأكملها، والقفز إلى السلطة فوق إرادة الشعوب، واتخاذ الدين والمذهب ستارًا لمشروعات سياسية انتهت في كثير من الأحيان إلى تمزيق المجتمعات وإضعاف الدولة وفتح أبواب التدخلات الخارجية، وبينما كانت هذه الجماعات ترفع شعارات جوفاء عن الخلاص والعدالة، كانت دول عربية تدفع أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها ووحدة نسيجها الوطني، وأصبح المواطن الذي حلم بالإصلاح يجد نفسه في مواجهة واقع أشد قسوة، تتنازع فيه المليشيات النفوذ والثروة، وتُختزل فيه الدولة في سلطة السلاح، وتُصادر فيه أحلام الأجيال باسم شعارات لم تصمد أمام اختبار الواقع، وفي مواجهة هذا المشهد، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها ركيزة أساسية في معادلة الأمن القومي العربي، ودولة تدرك أن حماية استقرار المنطقة لا تنفصل عن صون سيادة الدول، ومساندة مؤسساتها الشرعية، ورفض تحويل الأزمات الداخلية إلى بوابات للاستيلاء على السلطة بالقوة، فالقضية لم تعد مجرد صراعات محلية داخل حدود هذا البلد أو ذاك، بل أصبحت معركة على مستقبل الدولة الوطنية العربية، وعلى حق الشعوب في ألا تُختطف إرادتها، وألا يُفرض عليها حكم المليشيات تحت أي شعار أو ذريعة.
لقد كشفت السنوات الماضية أن رفع الشعارات الدينية أو المذهبية لا يمنح أي جماعة تفويضًا مفتوحًا لاحتكار الحقيقة أو مصادرة إرادة المجتمع، وأن امتلاك السلاح لا يصنع شرعية، كما أن القدرة على فرض الأمر الواقع لا تعني امتلاك الحق في الحكم، فالدولة الحديثة لا تُقاس بما ترفعه من شعارات، وإنما بقدرتها على حماية مواطنيها، وإقامة العدل، وتوفير الخدمات، وإطلاق برامج التنمية، وترسيخ المواطنة المتساوية، بحيث لا يصبح الانتماء المذهبي أو الجهوي معيارًا للحقوق والواجبات، ولا تتحول السلطة إلى غنيمة تتنازعها الجماعات المسلحة.
وفي سوريا والعراق واليمن، ولبنان اختلفت ظروف الأزمات ومساراتها، لكن تجاربها كشفت عن خطورة تمدد القوى المسلحة خارج سلطة الدولة، واستغلال الانقسامات المجتمعية لفرض مشروعات سياسية لا تستند بالضرورة إلى إرادة وطنية جامعة. ففي العراق، لا تقتصر الأزمة على وجود السلاح خارج السيطرة الحكومية الكاملة، بل تمتد إلى تنامي نفوذ فصائل مسلحة ترتبط بعضُها بإيران، وفي مقدمتها فصائل ضمن الحشد الشعبي، بما تملكه من قدرات عسكرية ونفوذ سياسي واقتصادي يضعف قدرة الحكومة على فرض قرارها السيادي بصورة مستقلة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: أن تكون للدولة مؤسساتها الرسمية، بينما تتقاسم معها قوى مسلحة مراكز النفوذ، وتحتفظ بهامش من الحركة خارج القرار الوطني، بما يعرّض العراق لخطر التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ويجعل استعادة هيبة الدولة وحصر السلاح بيدها شرطًا أساسيًا لصون سيادته واستقراره، بينما أظهرت الأزمة السورية حجم الكلفة التي تتحملها الشعوب عندما تتشابك الصراعات الداخلية مع التدخلات الخارجية، وفي اليمن أدت سيطرة ميليشيا الحوثي على صنعاء بالقوة إلى تعقيد المشهد السياسي والأمني، وإطالة أمد الصراع، وتفاقم المعاناة الإنسانية، فضلًا عن تهديد أمن المملكة العربية السعودية والمنطقة، وتؤكد هذه التجارب على اختلاف تفاصيلها، أن إضعاف الدولة لا يفتح الطريق بالضرورة أمام الحرية، بل قد يهيئ المجال لقوى جديدة تمارس الإقصاء وتحتكر القرار وتضع مصالحها فوق مصالح المجتمع.
والأشد خطورة أن بعض هذه الميليشيات استطاعت استقطاب قطاعات من الناس عبر خطاب عاطفي يعد بالخلاص والعدالة واستعادة الكرامة، قبل أن تصطدم تلك الوعود بواقع تتقدم فيه حسابات التنظيم على مصالح الوطن، ومكاسب القيادة على احتياجات المواطنين، والولاءات الضيقة على مفهوم الدولة الجامعة، ومع مرور الوقت، تتراجع الشعارات أمام صراعات المناصب والموارد ومناطق النفوذ، ويجد المواطن نفسه يدفع ثمن معركة لم يختر أهدافها، بينما تتآكل فرص التنمية والتعليم والعمل، وتتسع دوائر الفقر والنزوح والخوف، ومن هنا فإن أخطر ما تواجهه الدول العربية ليس مجرد وجود السلاح خارج مؤسساتها، بل تحول هذا السلاح إلى أداة لفرض شرعية موازية، تعطل مؤسسات الدولة وتضعف قدرتها على حماية المجتمع وصون استقلال قراره الوطني.
وفي خضم هذه التحديات، يبرز الدور السعودي بوصفه أحد الأدوار العربية المحورية في حماية الاستقرار الإقليمي، والدفاع عن سيادة الدول، ومساندة مؤسساتها الشرعية، والعمل على منع الأزمات من التحول إلى انهيار شامل يهدد أمن المنطقة بأسرها، فالمملكة العربية السعودية لا تنظر إلى أمنها بمعزل عن محيطها العربي، ولا تتعامل مع اضطرابات الدول الشقيقة باعتبارها أحداثًا بعيدة عن مصالحها، بل تدرك أن انهيار الدولة في أي بلد عربي، أو تمكين جماعة مسلحة من فرض سلطتها بالقوة، يمكن أن يطلق سلسلة من التداعيات التي تتجاوز الحدود، وتمتد إلى أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية، وإلى استقرار المنطقة ومصالح شعوبها، وتتجلى أهمية هذا الدور في مساندة الجهود الرامية إلى استعادة مؤسسات الدولة، ودعم المسارات السياسية التي تحفظ وحدة البلدان العربية وسيادتها، ومواجهة محاولات تحويل الانقسامات الداخلية إلى أدوات للهيمنة والنفوذ، كما يظهر في التحرك الدبلوماسي السعودي الذي يسعى إلى احتواء الأزمات، وبناء التفاهمات، وتغليب الحلول السياسية، من دون التسليم بمنطق القوة أو اعتبار الأمر الواقع الذي تفرضه الجماعات المسلحة بديلًا عن الشرعية الوطنية، فالتسوية المستدامة لا تقوم على مكافأة الاستيلاء على السلطة، وإنما على ترتيبات سياسية تحفظ حقوق المواطنين، وتعيد الاعتبار للمؤسسات، وتضمن ألا يبقى مستقبل الشعوب رهينًا للسلاح.
ولا يمكن قراءة المواقف السعودية بمعزل عن رؤيتها الأوسع للأمن القومي العربي، الذي لا يتحقق بمجرد حماية الحدود، على أهميتها، وإنما يتطلب أيضًا دعم استقرار الدول العربية، وتعزيز قدرتها على مواجهة التهديدات، والحد من التدخلات التي تستثمر الأزمات الداخلية لتوسيع النفوذ، ومن هذا المنطلق، تكتسب المساعدات السياسية والاقتصادية والإنسانية التي تقدمها المملكة للدول والشعوب العربية أهمية تتجاوز بعدها المباشر، لأنها تسهم في تخفيف المعاناة، ودعم مقومات التعافي، وتعزيز فرص استعادة الاستقرار، فالمساندة الحقيقية لا تقتصر على إعلان التضامن، بل تشمل الإسهام في حماية المجتمعات من الانهيار، وتهيئة الظروف التي تسمح للدولة بالقيام بوظائفها، وللمواطن باستعادة ثقته في المؤسسات ومستقبل وطنه، ومن الخطأ اختزال الدفاع عن الدولة الوطنية في الدفاع عن الاستبداد، كما أنه من الخطأ تقديم الفوضى بوصفها الطريق الوحيد إلى الإصلاح. فالشعوب العربية تستحق مؤسسات تحاسب المسؤولين، وقضاءً يحمي الحقوق، ومشاركة سياسية حقيقية، وتنمية توفر فرص العمل، ومواطنة لا تفرق بين الناس على أساس المذهب أو الانتماء، لكن هذه المطالب لا تتحقق حين تصبح القوة المسلحة مرجعًا أعلى من القانون، أو حين تختزل جماعة بعينها الوطن في مشروعها، أو تدعي وحدها امتلاك الحقيقة وحق تقرير المصير، إن الإصلاح الحقيقي هو الذي يبني الدولة ويعزز مؤسساتها، ويخضع السلاح للقانون، ويفتح المجال أمام المواطنين للمشاركة في تقرير مستقبلهم بعيدًا عن الإكراه والابتزاز.
إن دعم المملكة العربية السعودية في مواجهة التهديدات التي تمس أمنها وسيادتها، ومساندة دورها في حماية الاستقرار العربي، ليس مجرد تعبير عن علاقة سياسية أو مجاملة دبلوماسية، بل موقف يرتبط بمصلحة عربية مشتركة، فأمن السعودية جزء أصيل من الأمن القومي العربي، واستقرارها ركيزة في توازن المنطقة، وأي تهديد يستهدفها لا يمكن التعامل معه باعتباره قضية منفصلة عن محيطها. ومن ثم، فإن التضامن معها يعني التمسك بمبدأ رفض الاعتداء، واحترام سيادة الدول، والعمل على حماية المنطقة من اتساع دوائر الصراع، مع دعم الحلول السياسية التي تصون الحقوق وتمنع فرض الإرادة بالقوة.
لقد آن الأوان لأن تستخلص المنطقة من سنوات الاضطراب درسًا واضحًا: لا يمكن بناء مستقبل عربي مستقر فوق أنقاض الدولة، ولا يمكن منح المليشيات حق تقرير مصير الشعوب لمجرد امتلاكها السلاح أو قدرتها على تعبئة العواطف. فالدولة القوية بمؤسساتها ليست عائقًا أمام تطلعات الشعوب، بل هي الإطار الذي يحمي هذه التطلعات ويحولها إلى حقوق ومشروعات تنموية قابلة للتحقق. كما أن الأمن لا يستقر حين تتعدد مراكز القوة المسلحة، ولا تتحقق المواطنة حين يصبح الانتماء إلى جماعة أو مذهب بوابة للسلطة والامتيازات.
وفي هذه المعركة، تظل المملكة العربية السعودية طرفًا عربيًا أساسيًا في حماية الاستقرار والدفاع عن الأمن القومي العربي، وتبقى مساندتها واجبًا تمليه وحدة المصير وتشابك المصالح.
فالتضامن العربي لا يكتمل بالبيانات وحدها، وإنما يتجسد في مواقف مسؤولة تحمي الدول من التفكك، وتساند الشعوب في استعادة حقها في الحكم الرشيد، وترفض أن تتحول السلطة إلى غنيمة تنتزعها المليشيات بالقوة. وتلك هي القضية التي تستحق أن تتوحد حولها الإرادة العربية: دولة قوية بمؤسساتها، وشعوب مصونة الحقوق، ومنطقة لا يُفرض مستقبلها بالسلاح، وأمن قومي لا يُترك عرضة للتجزئة أو الابتزاز.