مِن أَوكَدِ الواجبات، وألزمِ حُقوقِ الصُّحْبَة، وأَصدقِ براهينِ الوَفاء؛ ألّا يُسْلِمَ المرءُ أخاهُ لغَياهِبِ النِّسيان، ولا سيَّما إذا كانَ رَفيقَ دَرْبٍ، صادَقَ العَهْدَ، وأخلصَ الوُدَّ، وخَبَرَ الزَّمانَ معهُ بحُلْوِهِ ومُرِّهِ على مَدارِ ثلاثةِ عُقودٍ كاملة؛ ثلاثينَ عامًا كُنَّا فيها كالنَّفْسِ الواحِدة، نتشارَكُ الدَّرْبَ في الحِلِّ والسَّفَر، ونتواصَى بالحقِّ والصَّبر، حتَّى اختارَهُ اللهُ إلى جِوارِهِ قَبْلَ أيَّامٍ قلائِل.
وكما قال الشاعر:
عَلَى فَقْدِ أَحْبَابٍ لَنَا طَابَ ذِكْرُهُمْ
بِفِعْلٍ جَمِيلٍ مَعْ صِفَاتٍ كَرَائِمِ
بِهِمْ طَابَ أَوْقَاتُ الزَّمَانِ وَأَهْلُهُ
تَعَزَّى بِهِمْ أَهْلُ النُّهَى وَالمَكَارِمِ.
مِن أجلِ هذا كُلِّه، واستجابةً لِداعِي الوفاءِ وحَقِّ الخُلَّة، أَشرَعُ في تَسويدِ هذهِ الصَّفحات؛ لِتَكونَ ترجمةً موجزةً، وقَبَساتٍ وَضيئةً من سيرةِ أخي ورَفيقي: عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الرَّزَّاقِ القَشْعَمِيِّ (أبي عبدِ الرَّزَّاق) -تغمَّدَهُ اللهُ بواسعِ رَحمتِه-؛ أَجمَعُ فيها مَعالمَ من خِصالِه، ومَحطَّاتٍ من مَواقِفِه، وشَهاداتِ مَن عَرَفُوهُ وعايَشُوه؛ لعلَّها تكونُ لِسانَ صِدْقٍ يَبْقَى لهُ بعدَ رَحيلِه، ودَعوةً صالِحةً تنفَعُهُ في مَرْقَدِه.
دَقَّاتُ قَلْبِ المَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ
إِنَّ الحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي
فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا
فَالذِّكْرُ لِلإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِي.
لقد كانَ أبو عبدِ الرَّزَّاقِ -رحمهُ اللهُ رحمةً واسعةً- نَفْسًا طَيِّبَةً عَشِقَتِ الخيرَ وسَعَتْ في مَراضيه، لا يَنِي عن مَعْرُوفٍ يَبْذُلُه، ولا يَقْعُدُ بهِ خُمُولٌ عن بابِ بِرٍّ يُفْتَحُ له؛ بل كانَ سبّاقًا مُسارِعًا، يصدُقُ عليهِ قولُ ربِّنا سبحانه: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون: 61].
ومِن أَجَلِّ ما عَمَرَ بهِ أوقاتَه، وأَفْنَى فيهِ طاقَتَهُ وسَعْيَه: مَحَبَّتُهُ لِلعِلْمِ وأهلِه؛ فقد جَعَلَ مِن نَفْسِهِ خادمًا لِمَجالِسِهِ، باذِلًا جُهْدَهُ في تَحصيلِهِ ونَشْرِه، وتَيسيرِ سُبُلِهِ لِطُلّابِه، مُستحضِرًا قَوْلَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «ومَن سَلَكَ طَريقًا يَلتَمِسُ فيه عِلمًا سَهَّلَ اللهُ له به طَريقًا إلى الجَنَّةِ» أخرجه مسلم (2699). فلمْ يَبخَلْ يومًا بوقتٍ ولا مالٍ ولا جاهٍ في سبيلِ نَشْرِ الخيرِ والمعروف، فكانَ عَوْنًا لإخوانِهِ بما استطاع.
لم تكن خِصالُ أخينا أبي عبدِ الرَّزَّاقِ مَجرَّدَ دَعاوَى تُقال، بل كانتْ واقعًا حيًّا يَشهدُ بهِ القاصي والداني، وتَنطِقُ بهِ شواهدُ أفعالِه؛ فقد كانَ مِمَّن يَسعَوْنَ في تَفريجِ الكُرُبات، وبَذْلِ الجاهِ والشَّفاعةِ الحسنةِ لِذَوي الحاجات، متمثِّلًا قَوْلَ الحقِّ تبارك وتعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) [النساء: 85] وقولَ نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ» أخرجه البخاري (1432) ومسلم (2627). وأذكُرُ هنا موقفينِ على سبيلِ المثالِ بروايةِ أصحابِهما:
الموقف الأول: يَرويهِ أحدُ محبيه كشهادةٍ حيَّةٍ تَدُلُّ على صدقِ نَجْدَتِهِ وعَظيمِ بَرَكَةِ سَعْيِهِ إذ يقول: «حينَ تَخرَّجتُ في الكليَّةِ وبدأتُ رحلةَ البحثِ عن عمل، أَلْجَأتْني ظُروفٌ خاصَّةٌ إلى لُزومِ مُحافظةِ الزلفي وعَدَمِ مُغادَرَتِها، رَغْمَ ضِيقِ الفُرَصِ فيها آنذاك. فما كانَ مِنِّي إلّا أن قَصَدتُ أبا عبدِ الرَّزَّاقِ -رحمهُ الله-، لا رَجاءَ وساطةٍ عابرة، بل لِعِلْمي بأنَّهُ الأخُ الذي يُرجَعُ إليهِ ويُوثَقُ بوفائِه.
وكانَ حينَها يَعمَلُ في الشَّرِكَةِ السُّعوديَّةِ لِلكهرباء، فبادَرَ دُونَ تردُّدٍ بالتَّواصُلِ معَ مُديرِ المَكتَبِ في الزُّلفي الأستاذِ الفاضل صالح الرقيبة (أبي مروان) -وكانتْ بينَهُما مَودَّةٌ ومَكانةٌ مَحفوظة-.
سَعَى «أبو مروان» حتَّى هَيَّأَ لي فُرصةً في مدينةِ الرياض، لكنَّ الظروفَ حالتْ بيني وبينها، فرَجَعْتُ لأبي عبدِ الرَّزَّاقِ أَشْرَحُ لهُ الأمر، فما ضَجِرَ ولا تَوانَى، بل عادَ مُشَفِّعًا بالرِّفق، فشَرَحَ لـ«أبي مروان» حاجتي، فتحرَّكتْ هِمَّةُ الرَّجُلَينِ لِرَفْعِ طلَبِ احتياجٍ لوظائفَ داخلَ الزُّلفي نفسِها.
وكانتِ المُفاجأةُ أنَّ اللهَ بارَكَ في تلكَ الخُطوة؛ فما كانَ ابتِداءً لِأجلِ فردٍ واحدٍ فَتَحَ اللهُ بهِ بابَ رِزقٍ لِقَرابَةِ خَمْسِ وظائف، استقرَّ فيها شَبابٌ مِن أبناءِ البَلدة. والعَجَبُ أنَّ كثيرًا ممَّن غَنِمُوا تلكَ الوظائفَ لا يَعلمونَ حتَّى اليومِ أنَّ مَبْدَأَ هذا الخيرِ كانَ «فَزْعَةً» صادِقةً مِن أبي عبدِ الرَّزَّاقِ سَبَقَتْها نِيَّةٌ طَيِّبَة، فعَلِمْنا حينَها أنَّ المَعروفَ قدْ يَبْدَأُ صَغيرًا فَيُنْمِيهِ اللهُ بِبَرَكَتِهِ حتَّى يَتَّسِعَ لِمَن لمْ يَكُنْ في الحُسبان».
الموقف الثاني: يَشهدُ بهِ محبٌّ آخَر لمْ تكُنْ تَرْبِطُهُ بأبي عبدِ الرَّزَّاقِ سابِقُ مَعرفةٍ ولا صِلَةُ قَرابةٍ فيقول: «قَدِمْتُ من مدينةِ الرِّياضِ مُستقِرًّا في الزُّلفي، واضطُرِرْتُ لِمُراجَعَةِ شَرِكَةِ الكَهْرَباء، وكانَ الفقيدُ -رحمهُ الله- في الاستقبال؛ فما إن رَآنِي مُقبِلًا حتَّى هَبَّ واقفًا يُرحِّبُ بِي بِبَشاشَةٍ كأنَّني أَحَبُّ النَّاسِ إليه، وبادَرَني سائلًا: «أيَّ خِدمة؟». أخَذَ أوراقي، واصطَحَبَنِي بِنَفْسِهِ إلى الموظَّفِ المُختصّ، وقامَ بتَصويرِ ما يَلزَم، ولم يَنْصَرِفْ حتَّى اطمأنَّ على تمامِ حاجتي، ثمَّ تكرَّرَ الإحسان؛ فكانَ إذا قارَبَ مَوْعِدُ سَدادِ الفاتورةِ يُبادِرُ بالاتِّصالِ بي مُذكِّرًا ومُيَسِّرًا؛ خوفًا مِن أن يَنقَطِعَ التَّيّارُ عن بَيْتي سَهْوًا.
وحينَ سألتُ عنهُ زملاءَه، أجمعوا على أنَّ هذا دَيْدَنُهُ معَ سائرِ المراجعين، يَستوي عِندَهُ الأوَّلُ والألْف؛ فلا يُميِّزُ قَريبًا على غَريب، ولا تَرَاهُ جالسًا والمُراجِعُ واقف، رَغْمَ ما كانَ يُعانيهِ -رحمهُ الله- من عارِضِ مَرَضٍ خَفِيٍّ يَعلَمُهُ خُوَيْصَتُه. لقد كانَ يُدرِكُ حَاجةَ النَّاسِ في بلدٍ زراعيٍّ لا غِنَى لِمَزارِعِهم ومَنازِلِهم عن تِلكَ الخِدْمَة، فكانَ يَلقاهُم بِصَدرٍ رَحْبٍ وهِمَّةٍ لا تَكِلّ».
هذا غيضٌ من فيض، ويسيرٌ من كثيرٍ ممَّا علمتُهُ، وعاينتُهُ، وعايشته من صاحبي أبي عبد الرزاق في نفعِ المسلمين، وإني لأرجو لهُ موعودَ الصَّادقِ المصدوقِ صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» أخرجه الطبراني (6026) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2623).
لقد مَزَجَ -رحمهُ الله- بينَ بَذْلِ الجاه، وقَضاءِ الحاجة، ولِينِ الخِطاب، وطَلاقَةِ الوَجْه، ليَبْقَى أثرُهُ قدوةً تُحتذى لِكُلِّ مَن أَرادَ أن يَجعَلَ مِن وَظيفتِهِ وعَمَلِهِ مِحرابًا لِلإحسان.
أمَّا في مِضْمارِ الصُّحْبَةِ وبابِ الأخوَّة؛ فقدْ كانَ -واللهُ حَسِيبُه- نِعْمَ الخِلُّ الوَفِيّ، والنَّديمُ الصَّفِيّ؛ صَادِقَ اللهْجَة، سَلِيمَ الصَّدْر، لا يَعْرِفُ قَلْبُهُ غِلًّا ولا دَخَلًا. كانَ صُندوقًا أَمينًا للأسرار، كَتُومًا لِمَا يُسْتَوْدَع، حافِظًا لِعَهْدِ الإِخاءِ في حُضُورِ الصَّاحِبِ وغَيْبَتِه، مُتَمَسِّكًا بأمانَةِ المَجالِس. لا تُبدِّلُهُ العوارِض، ولا تُمِيلُهُ الصَّوارف، ولا تُغيِّرُهُ الأحداث؛ بلْ كانَ ثابتَ المَبْدَأ، رَاسِخَ الوُدّ، تَلْقاهُ في الشِّدَّةِ كمَا تَلْقاهُ في الرَّخاءِ، يَتَجَلَّى فيهِ وَصْفُ المؤمِنين: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) [المؤمنون: 8] فكانتْ صُحْبَتُهُ ظِلًّا ظَليلًا، ومَعدِنُهُ ذَهَبًا خَالِصًا لا تَزِيدُهُ الأَيَّامُ إلّا صَفَاءً وبَرِيقًا.
وكما قال الشاعر:
لَا يَكْتُمُ السِّرَّ إِلَّا مَنْ لَهُ شَرَفٌ
وَالسِّرُّ عِنْدَ كِرَامِ النَّاسِ مَكْتُومُ
السِّرُّ عِنْدِيَ فِي بَيْتٍ لَهُ غَلَقٌ
ضَلَّتْ مَفَاتِيحُهُ وَالبَابُ مَرْدُومُ
وكما قال الآخر:
أَخوكَ الَّذي لا يَنقِضُ الدَهرَ عَهدَهُ
وَلا عِندَ صَرفِ الدَهرِ يَزوَرُّ جانِبُه
جمعتني بالفقيد أبي عبد الرزاق -رحمه الله- عروةُ إخاءٍ وثيقة، امتدّ ظلها الوارف إلى أمهاتنا؛ فكان كثير التعاهد لوالدتي، يتحيّن أوقات جلوسي بين يديها ليسأل عني، ويفزع إليها إذا انقطع اتصالي في سفرٍ أو مشاغل، فكانت تحوطه ببالغ المعزّة وتلهج له بالدعاء والتوفيق، وكان هذا دأبَها مع أصحابي الملازمين- كأخي أبي عبد العزيز، ومحمد الزنيدي.
وكذلك كانت صلتي بوالدته -رحمها الله- أحرص على برّها وسؤالها، طمعاً في فيض دعواتها المباركة؛ إذ كان لسانها رطباً بالضراعة لنا والحفظ في حلّنا وترحالنا، فكانت رابطةً زكيّة طيّبتها دعواتُ أمهاتٍ صالحات.
ومن مواقفه التي تدل على كمال مروءته، وتمام لطفه، وحرصه، موقف وفد المكتبة:
كان أبو عبد الرزاق -رحمه الله- عِماد ترتيب المواعيد، وضبط زيارات الوفود إلى مكتبتي، وكان معروفاً بالدقة المتناهية، والصرامة في حفظ الأوقات.
وذات مرة تأخر أحد الوفود الزائرين لي بمكتبتي، زهاء ربع ساعة عن موعدهم المضروب لهم، وكنتُ حريصاً على ألّا يختلّ جدول المواعيد اللاحقة، فأوصدتُ الباب اعتذاراً عن استقبالهم.
فلما انقطعت بالوفد السبل، لجؤوا إليه مستشفعين؛ فهبّ -رحمه الله- مدفوعاً بفرط كرمه، ومستنداً إلى دالّة مودّته، ومكانته عندي، فخرج من بيته قاصدًا المكتبة، ودلف بإذنه الخاص، ثم أفسح لهم الدخول؛ لئلا يردهم عمّا قصدوه من رؤية المكتبة والاطلاع على نفائسها.
وإذ بي على طاولتي بالمكتبة، أتفاجأ بالوفد بين يدي، فتعجبت! وما أن علمتُ بصنيعه، سكتُّ تقديراً لنبله، ولطيف مسلكه، وعلمي بحرصه على بذل العلم، غير أنه جمع بين المروءة وحفظ النظام؛ فجلس معهم حتى انقضى ما تبقّى من وقتهم المحدد سلفاً، ثم أعلن انتهاء الزيارة في حينها دون أن تتعدى على مواعيد غيرهم؛ فكان في ذلك الموقف جامعاً بين دِماثة الخُلق، وبراعة التدبير.
وكان لأخينا أبي عبد الرزاق علاقةٌ وطيدة بشيخنا العلامة عبد الله بن جبرين- رحمهما الله-.
ولقد شهدت الأعوام الخوالي لقاءاتٍ مباركة انتظم فيها عقدُنا في الدورات العلمية الصيفية التي كان يقيمها الشيخ في شتى أرجاء المملكة؛ إذ كان -رحمه الله- يطوي الفيافي، ويجوب الديار ناشرًا للعلم، ناهضًا به في جلّ المناطق، في بأسٍ وجَلَدٍ وصبرٍ قلّ أن يطيقها كبار طلبته وأحلاس درسه، وآتاه الله قوةً وهمةً عزّ نظيرها في بذل العلم ونشره.
ومن المواقف التي أذكرها في هذا السياق، أننا كنا ذات يوم في جنبات المسجد الحرام نتهيأ للإفطار على السطح، وكان الشيخ -رحمه الله- في الدور الثاني، فما كان من أبي عبد الرزاق إلا أن انطلق بدافع توقيره ومحبته للشيخ، يلتمسه في مواطنه التي يعتاد ارتيادها، حتى ظفر به، فسلّم عليه وألحّ عليه إلحاح المحبّ أن يُشرفنا بتناول الإفطار معنا في السطح.
فاستجاب الشيخ وقال متواضعًا: «لا مانع لدي، شريطةَ ألا تُخبر فلانًا (يعنيني بذلك) وما ذلك إلا إشفاقًا منه ولطفًا بألا أتكلف عناء النزول للسلام عليه قبل الإفطار، بل نلتقي عند المائدة، وهو صنيعٌ يُنبئ عن عظيم تقديره وإجلاله لتلامذته وطلابه.
غير أن أبا عبد الرزاق خشي أن يتسرب لنفسي حرج أو ضيق إن فاتني علمه، فأسرّ إليّ بقدوم الشيخ ومكانه، فبادرتُ إليه ميمّمًا شطره، في الدور الثاني، قبل موعد الإفطار، وسلّمتُ عليه مبتهجًا، وأعربتُ عن سروري بدعوة صاحبي له، فأكد عزمه قائلًا: «إن شاء الله نأتي».
وحضر الشيخ وشاطرنا إفطارنا، وكانت جلسةً حفلت بالفوائد والدرر؛ إذ استثمر الابن الدكتور محمد تلك اللحظات المباركة فعرض على الشيخ مسائل من رسالته للماجستير المتعلقة بـ»الأحكام الفقهية للولادة»، ملتمسًا جوابه عنها، فأجابه الشيخ بعد أن شَرَطَ عليه شرطًا يعبق بالأدب، فقال: «بشرط أن تعرض المسائل على والدك، وتثبت جوابه كما تثبت جوابي».
كما ألقيتُ على مسامعه-رحمه الله-جملةً من المسائل التي قيّدتها، فأفاض في بيانها والإجابة عنها. ومكث معنا بُعَيد الإفطار وإلى ما بعد الصلاة في مجلسٍ زاخرٍ بالبركة، كان الفضل في انعقاده -بعد توفيق الله- لسعي أخينا أبي عبد الرزاق.
ومن مواقفي وصديقي أبي عبد الرزاق مع شيخنا -رحمه الله- في أواخر أيامه، حين استحثّه القائمون على مهرجان صيف «مَلِيح» لحضور فعالياتهم، وإلقاء محاضرة، والإجابة عن أسئلة الحاضرين، فأجاب دعوتهم، واتصل بي رئيس المركز مُلحًّا في دعوتي، وراغبًا في أن أكون في طليعة مستقبلي الشيخ ومقدّميه، فقلتُ: ذاك شرفٌ لي وأمرٌ أعتز به.
ومضينا لاستقباله، فشهدنا عقب العصر حفلًا لتكريم حَفَظَة كتاب الله، ثم كانت محاضرة الشيخ عقب صلاة المغرب، حيث تشرّفت بتقديمه للجمهور وعرض الأسئلة عليه.
وفي جلسة العشاء، بعد صلاة العشاء، كان أبو عبد الرزاق يسامر الشيخ ويستعيد معه أطياف اللقاءات السالفة في حواضر المملكة وبلدانها؛ من تبوك إلى الدمام، ومن الخرج إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة، مستحضرين زيارته للزلفي وخطبته ومحاضرته بها، وما أثمرته تلك الجولات من خيرٍ عميم.
ومما يذكر فيشكر لأخي أبي عبد الرزاق -رحمه الله- بركة مجالسه في ولادة المصنفات والرسائل. فلم يكن أثر أخينا أبي عبد الرزاق مقتصرًا على جمع القلوب، وتوطيد الصلات، بل كان مبارك المسعى في استخراج بعض المؤلفات والرسائل العلمية؛ ومن شواهد ذلك:
كتابي: «توجيه وتنبيه لهواة الصيد ومحبيه».
حيث رتب أبو عبد الرزاق لقاءً عاجلًا مع نخبةٍ من الإخوة في أحد مواطن الصيد عقب صلاة الظهر، وطُرحت فيه مسائل وافرة واستفسارات شتى، بادر بعض الحضور إلى تدوينها سائلًا ومجيبًا على عجل، ثم التمسوا من أخينا أبي عبد الرزاق أن يستأذنني في إخراجها في مطوية.
فلما فاتحني بالأمر، قلتُ له: «بل نأخذ ما دُوّن لنُعِيد النظر فيه ونُنقّحه».
فلما طالعتُ تلك المسائل رأيتها خليقةً بأن تُفرد في رسالة مستقلة، فأضفتُ إليها ما تمسّ الحاجة إليه، وخَرَجَت بحمد الله في كتاب مطبوع بهذا العنوان.
رسالتي: «إشارات في أحكام الكفارات».
حيث نسّق -رحمه الله- لقاءً مع بعض منسوبي جمعية البر بالرياض، فألقوا جملةً من الإشكالات والمسائل الفقهية، وتولّى أحدهم تقييد الأسئلة وأجوبتها، ثم رغبوا في نشرها مستعينين بأبي عبد الرزاق، فقلتُ له: «هاتِ ما كتبوا لنُمعن النظر فيه»، فتأملتُ المادة ورأيتُ أن الأولى صياغتها في رسالة جامعة، فاستحسنوا الرأي واستجابوا، وتمّ تأليف رسالة «إشارات في أحكام الكفارات»، وتولوا طباعتها؛ فكُتِب لها من القبول والانتشار ما أوجب طباعة أعداد غفيرة في طبعتها الأولى وتتابع طبعاتها الخيرية لاحقًا ولله الحمد والمِنّة.
فكان الفضل لله وحده أولًا وآخرًا، ثم لأخينا أبي عبد الرزاق -تغمده الله بواسع رحمته- في ترتيب هذه المجالس وتلك اللقاءات التي كانت سببًا في ميلاد هذه الآثار ونفع العباد بها.
لقد كانَ لأبي عبد الرزاق -رحمه الله- مع العبادةِ شأنٌ عظيم؛ ومِن أَبْيَنِ الشَّواهِدِ على ذلك: شِدَّةُ تعلُّقِهِ بالمساجد، وملازمتُهُ للمصحف، ومواظبتُهُ على الذِّكر. لا يَكادُ يَنْصَرِفُ مِن فريضَةٍ إلّا ورُوحُهُ تَتَطَلَّعُ لِلَّتي تَلِيها، يَتَحَيَّنُ مَواقِيتَ الأَذانِ ويُسارِعُ بالخُطى قَبْلَ النِّداء؛ يَسبِقُ قلبُهُ خُطاه، ويمشي إليها بهِمَّةِ العابدِ وشَوْقِ المُحِبّ، رَغْمَ ما كانَ يُكابدُهُ منَ التَّعَبِ والمَرَض.
ولقدْ حَدَّثَني إمامُ مَسجِدِهِ الأخُ الفاضِلُ الشَّيخُ محمد بن عبد العزيز العمار -حَفِظَهُ الله- بما يُجَلِّي صِدْقَ هذا التَّعلُّق؛ فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ يَرْتادُ المَسجِدَ مُبَكِّرًا قَبْلَ الأَذانِ بالسَّاعَةِ والسَّاعَتَيْن، بَلْ كانَ الإمامُ يَمكُثُ في المَسجِدِ بَعْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ حتَّى قُبَيْلَ الثَّانِيَةِ ظهرًا، فإذا بأبي عبدِ الرَّزَّاقِ قدْ دَخَلَ لِيَنتَظِرَ صَلاةَ العَصْرِ قَبْلَ أوانِها بِزَمَنٍ مَديد! هكذا كانتِ الصَّلاةُ سَلْوَتَهُ وقُرَّةَ عَيْنِه؛ يَلُوذُ بِها مِن صَخَبِ الدُّنيا، فيَجلِسُ بينَ جُدْرانِ المَسجِدِ قَلِيلَ الكَلامِ سَكِينَةً ووَقارًا، دائمَ الذِّكْرِ للهِ، رَطْبَ اللِّسانِ بِتِلاوَةِ القُرآنِ العَظيم.
ولمْ يَكُنْ هذا حالَهُ في صِحَّتِهِ فحَسْب، بل ظَلَّ رَاسِخًا حتَّى في أَحْلَكِ لَحَظاتِ مَرَضِه؛ فبَقِيَ فُؤادُهُ مُعَلَّقًا بالصَّلاةِ وهو طَريحُ الفِراش، يَغْلِبُهُ الإِغْفاءُ مِن شِدَّةِ الأَلَمِ والإِنهاكِ أثناءَ رُكوعِهِ وسُجودِه، فإذا اسْتَفاقَ عادَ فأَتَمَّها، بَلْ كانَ يُعيدُها مِرارًا خَشْيَةَ التَّقْصير؛ ومَعَ كُلِّ ذلكَ الإِعْياءِ لمْ يَنْسَ حَقَّ مَن حَوْلَه، فكانَ يَتَعاهَدُ مُرافِقيهِ بالاتِّصالِ لِيُوقِظَهُم لِصَلاةِ الفَجْر. ومِثْلُ هذا يُرجَى لهُ موعودُ الحديث: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ» أخرجه الترمذي (3093)، وأحمد (11743).
وكان -رحمه الله- باذِلًا مُنْفِقًا، ذا يَدٍ سَخيَّةٍ ونَفْسٍ سَمْحَةٍ جُبِلَتْ على الجُود؛ مُوقِنًا بقَوْلِ اللهِ تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 261].
وممَّا يُذْكَرُ في هذا السِّياق: أنَّهُ كانَ يَرْعَى مَسجِدَهُ بمالِهِ كَما يَرْعاهُ بحُضورِه؛ فما تَعَطَّلَ فيهِ جهازٌ، ولا احْتِيجَ إلى إصلاحٍ أو مَرَمَّة، إلّا وبادَرَ الإمامَ بلَهْجَتِهِ الصَّادقةِ الواثقة: «سَوِّهِ وما عَلَيْك!»؛ يَعْنِي: أَصْلِحْهُ ونَفِّذْ ما يَلْزَمُ والنَّفَقَةُ كُلُّها عَلَيّ، دُونَ أنْ يَسْأَلَ عن قِيمَةٍ أو يَطْلُبَ مِن أَحَدٍ مُشارَكَة، مُبْتَغِيًا عِمارَةَ بُيوتِ الله: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [التوبة: 18].
ولمْ يَغِبْ عن وِجْدانِهِ بَذْلُ النَّدَى حتَّى وهو في أَشَدِّ مَراحِلِ المَرَض؛ فَقَدْ حَرَصَ في مَرْضَتِهِ تلكَ على صَرْفِ مبالغَ مِن فِئاتٍ نَقديَّةٍ صَغيرة، يَحْمِلُها بِجِوارِهِ لِيَدُسَّها بكَفِّهِ المُتْعَبَةِ لعُمَّالِ النَّظافةِ عِندَ كُلِّ دُخولٍ عليه، ورُبَّما أَعْطَى الشَّخْصَ عَيْنَهُ مَرَّتَيْنِ في المجلسِ الواحِدِ لِذُهولِ الذَّاكِرةِ وثِقَلِ السَّقَم، لكنَّ «ذاكِرَةَ الإِحْسانِ» في قَلْبِهِ لمْ تَكُنْ لِتَنْسَى! مُحَقِّقًا بِذلِكَ هَدْيَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» أخرجه البخاري (1417). وإنَّ ممَّا أرجو لهُ بهِ الرِّفْعَةُ عندَ الله تعالى: صَبْرُهُ على البَلاء؛ فقد لازَمَهُ مَرَضٌ مُزْمِنٌ أَنْهَكَ جَسَدَهُ واسْتَغْرَقَ وقتَهُ بينَ مراجعاتٍ وإجراءاتٍ طبيةٍ على مَدارِ عُقودٍ منَ الزَّمان، فما رُئِيَ شاكيًا ولا مُتَمَلْمِلًا.
وإذا كانتْ معادِنُ الرِّجالِ تَظهَرُ في الرَّخاءِ جُودًا، وفي الشِّدَّةِ ثَباتًا؛ فإنَّ فتراتِ الابتلاءِ هي المِعْيارُ الصَّادقُ لِرِضا العَبْدِ عن رَبِّه. ولقدْ كَتَبَ اللهُ على حَبيبِنا أبي عبدِ الرَّزَّاقِ أنْ يَحمِلَ وَجَعَ المَرَضِ مُنذُ رَيْعانِ شَبابِه؛ إذْ داهمَهُ التهابٌ عُضالٌ في الرِّئتَين، حتَّى اضطُرَّ عامَ (1402هـ) للسَّفَرِ إلى لندن لِاستئصالِ أَجزاءٍ منهُما، فَعاشَ عُقودًا يُجالِدُ نَقْصَ الأُكسجينِ وضِيقَ التَّنَفُّس.
حتَّى إذا كَبِرَتِ السِّنُّ وضَعُفَ ما تَبقَّى، خُيِّرَ بينَ مُلازَمَةِ أُنبوبِ الأُكسجينِ أو خَوْضِ عمليَّةٍ كُبْرى لِزِراعَةِ الرِّئتَين، فاختارَ أَمَلَ الشِّفاءِ وتوكَّلَ على ربِّه، وظَلَّ يُرابِطُ في مُراجَعاتِها لِثلاثِ سَنواتٍ برِباطَةِ جَأْشٍ حتَّى حانَ مَوعِدُها في شهْرِ رَجبٍ عامَ 1447هـ.
وفي كُلِّ تلكَ الرِّحلَةِ المُضنِيَة، وبَعدَ خُروجِهِ مِن غُرفةِ العَمَليَّات، لمْ يُسْمَعْ منهُ إلّا عَبَقُ الرِّضا؛ فإنْ سَأَلَهُ سائلٌ عَن وَجَعِه، بَسَطَ وَجْهَهُ وقال: «أُبشِّرُك، بخَيرٍ وعافِيَةٍ وللهِ الحَمْدُ والشُّكْر»؛ يَقُولُها ليَدْفَعَ عَن زائرِيهِ الحُزْن، مُمَثِّلًا بحالِهِ حديثَ المُصطَفى- صلى الله عليه وسلم-: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له» أخرجه مسلم (2999).
قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بِالبَلْوَى وَإِنْ عَظُمَتْ
وَيَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِّعَمِ
وفي أَشَدِّ لَحَظاتِ الإِنهاك، لم تُفارِقْهُ دُعابَتُهُ السَّمْحَة، وبَشاشَتُهُ المَعهودة؛ حتَّى إنَّ الكادِرَ الطِّبِّيَّ والتَّمريضيَّ كانوا يَجِدُونَ فيهِ أَبًا حَنونًا يَنادُونَهُ: «بابا عبد العزيز». وظَلَّ طاهِرَ السَّريرة، يَغمُرُ مَن حَوْلَهُ بالدُّعاء: «عافاكَ الله».
وحِينَ دَنَا الأَجَلُ المَحْتوم، وأَذِنَتِ الرُّوحُ بالرَّحيلِ قُبَيْلَ دُخولِهِ في الغَيْبوبَةِ الأَخيرَة، انْطَلَقَ لِسانُهُ بما امْتَلأَ بهِ قَلْبُهُ منَ التَّعظيمِ والشُّكْر؛ فَكانَتْ آخِرُ كَلِمَةٍ وَدَّعَ بها الدُّنيا وفاضَتْ عليها نَفْسُه: «الحَمْدُ لله».
إنَّ مِن أَعْظَمِ البِشاراتِ لِلمُؤمِنِ حِينَ يَرْحَلُ عَن هذهِ الدَّار: أَنْ يَتْرُكَ خَلْفَهُ أَلْسِنَةً تَلْهَجُ بالثَّناءِ والدُّعاءِ له، وقُلُوبًا تَشْهَدُ لَهُ بالبِرِّ والإِحْسان؛ فَقَدْ جَعَلَ الشَّارِعُ الحَكيمُ ذلكَ دَليلَ القَبُول، كما قال- صلى الله عليه وسلم- لمَّا مَرَّتْ جِنازةٌ فأُثْنِيَ عليها خَيرًا: «وجَبَتْ... أنتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ) أخرجه البخاري (1367) واللفظ له، ومسلم (949).
وحِينَ أُعلن نبأ وفاة حَبِيبِنا أبي عبدِ الرَّزَّاقِ، تَدَفَّقَتْ شَهاداتُ العارِفِينَ بِهِ كالسَّيْلِ مِن كُلِّ مَن جَمَعَتْهُ بِهِ قَرابَةٌ أو جِوارٌ أو زَمالَة. أَجْمَعُوا فيها عَلى نَقاءِ سَرِيرَتِهِ، وسَلامَةِ صَدْرِهِ، وبَشاشَةِ وَجْهِهِ، وحِرْصِهِ على نَفْعِ الصَّغيرِ والكَبير؛ ولم تَكُنْ تِلكَ الشَّهاداتُ مُجامَلَة، بَلْ دُمُوعًا حارَّةً، وأَيْدٍ ارْتَفَعَتْ ضَراعَةً إلى السَّماءِ تَسْأَلُ اللهَ لَهُ الرَّحْمَةَ وَالمَغْفِرَة.
يقولُ إمامُ مَسجِدِه: «لمَّا نَعَيْتُ أبا عبدِ الرَّزَّاقِ إلى جَماعةِ المَسجِد، وَقَعَ النَّبَأُ كالصَّاعِقَةِ على رُوَّادِهِ وجِيرانِه، فتَفَطَّرَتْ لِفَقْدِهِ قُلوبُهُم، وأَظْلَمَتِ السَّوارِي والمَحاريبُ التي أَلِفَتْ خُطاهُ ورُكوعَه؛ فَلَهِجَتْ أَلْسِنَتُهُم بالدُّعاءِ الصَّادِقِ له، لِيَكونَ ذِكْرُهُ العاطِرُ في بُيوتِ اللهِ أَعْظَمَ شَهادَةٍ لَهُ بالصَّلاح».
وقد جَمَعَ أحدُ محبيه ما تَرَدَّدَ على ألسنةِ النَّاسِ يومَ وفاتِهِ في ملفٍّ إلكتروني، وكانَ ممَّا قيلَ فيه: «خلوق وهادي، جعله الله بجنات النعيم»، وقول الآخر: «هذا اللي دايم مع المشايخ، وأسرة القشعمي معروفون بحب العلم وأهله».. إلى غيرِ ذلكَ ممَّا يَسُرُّ الخاطِرَ ويَبْعَثُ على البشر والسرور.
وكانت جنازته -رحمه الله- مشهدًا يعكس مسيرته وسيرته، حِينَ شَيَّعَتْهُ القُلُوبُ قَبْلَ الأَبْدان، في مَشْهَدٍ مَهِيبٍ يدل على مَكانَتِهِ في نُفُوسِ الخَلْق. فَقَدْ صُلِّيَ عليه عَقِبَ صَلاةِ الجُمُعَةِ في جامع الملك عبدالعزيز بالزلفي، فَما هِيَ إلّا أَنْ غَصَّ المَسْجِدُ بِرُوّادِهِ على سَعَتِه، وامْتَلَأَتْ جَنَباتُهُ وسَاحاتُهُ الخارِجِيَّةُ بِأَفْواجِ المُصَلِّينَ الذينَ تَقاطَرُوا مِن كُلِّ حَدَبٍ وصَوْب؛ لِيَقِفُوا صُفُوفًا مُتَراصَّةً يَرْفَعُونَ أَكُفَّ الضَّراعَةِ ويَسْتَشْفِعُونَ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِم، مُسْتَحْضِرِينَ بِشارَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: (ما مِن رَجُلٍ مُسلِمٍ يَموتُ، فيَقومُ على جِنازَتِه أربَعونَ رَجُلًا لا يُشرِكونَ باللَّهِ شيئًا؛ إلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فيه) أخرجه مسلم (948) وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما مِن مَيِّتٍ يُصَلِّي عليه أُمَّةٌ مِنَ المُسلِمينَ يَبلُغونَ مِائةً كُلُّهم يَشفَعونَ له إلّا شُفِّعوا فيه)ِ أخرجه مسلم (947).
أسأل الله العظيم بفضله وكرمه، وسعة رحمته، وعظيم مَنِّهِ، أَنْ يَتَقَبَّلَ تِلْكَ الشَّفاعات، وأَنْ يَنْفَعَهُ بِهذِهِ الدَّعَواتِ، فَيَجْعَلَها ذُخْرًا لَهُ في قَبْرِه، وأُنْسًا لَهُ في وَحْشَتِه، ورِفْعَةً لِدَرَجاتِهِ في عِلِّيِّين.
كَما نَسْأَلُهُ سُبْحانَهُ أَنْ يَجْعَلَ هذِهِ الكَلِماتِ اليَسِيرَةَ مِصْباحَ هُدًى يُسْتَضاءُ بِهِ في تَتَبُّعِ خُطى هذا الرَّجُلِ الصَّالِح، وأَنْ تَكُونَ هذِهِ السُّطُورُ القَلِيلَةُ وِعاءً أَمِينًا يَحْفَظُ سِيرَتَهُ العَطِرَة، ويُخَلِّدُ مَسِيرَتَهُ المُبارَكَة؛ لِتَكُونَ مَعْلَمَ بِرٍّ، وأَثَرًا يَبْقَى شاهِدَ خَيْرٍ إلى يَوْمِ الدِّين.
وهكذا... انْطَوَتْ صفحةٌ من صفحاتِ هذهِ الحياةِ الفانية، ومَضى إلى جوارِ ربِّهِ عبدٌ عاشَ حَميدَ الأثر، صادقَ الإخاء، طاهرَ القلب، نقيَّ السَّريرة؛ خَلَّفَ وراءَهُ سيرةً عَطِرَة، وذكرًا طيِّبًا تأنسُ بهِ المجالس. وإنْ كانَ الجسدُ قد غُيِّبَ تحتَ أَطْباقِ الثَّرى، فإنَّ مآثرَ الخيرِ لا تَبْلى، وأثرَ الإحسانِ لا يَموت.
قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَمَا مَاتَتْ فَضَائِلُهُم
وَعَاشَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْوَاتُ
وإنَّ عزاءَنا في هذا الفِراقِ المُرِّ هو اليقينُ برحمةِ اللهِ، والرَّجاءُ بأنْ يَجمَعَنا سبحانه بحبيبِنا أبي عبدِ الرَّزَّاقِ في جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرض، في صُحبَةِ خاتَمِ المُرْسَلين، وجِوارِ رَبِّ العالَمين.
اللهُمَّ اغفِرْ لأخينا وحبيبِنا عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الرَّزَّاقِ القَشْعَمِيِّ وارْحَمْه، وعافِهِ واعْفُ عنه، وأَكْرِمْ نُزُلَه، ووَسِّعْ مُدْخَلَه، واغْسِلْهُ بالماءِ والثَّلْجِ والبَرَد، ونَقِّهِ منَ الذُّنوبِ والخطايا كما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبيضُ منَ الدَّنَس. اللهُمَّ اجْعَلْ ما أصابَهُ رِفعةً في دَرَجاتِهِ وتَكفيرًا لسَيِّئاتِه، واجْمَعْنا بهِ ووالِدِينا، وأزواجِنا، وذُرِّياتِنا، ومَشايِخِنا، في جَنَّاتِ النَّعيم.
وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعين.
** **
- كتبه أ. د. عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار