سلطان بن نايف الحربي
يغادر الموظف العام عمله مرتين: مرة حين ينتهي دوامه ويعود إلى بيته، ومرة حين تنتهي علاقته بالوظيفة، فيغادرها إلى حياة لم تعد مواعيدها، وواجباتها تتحدد بالمنصب الذي شغله. تبدو المغادرتان مختلفتين إذ لكل منهما رواية؛ ففي الأولى يعرف أنه سيعود غدًا، وفي الثانية قد لا يعود أبدًا، ومع ذلك تجمعهما مفارقة إنسانية تستحق التأمل: ينتهي حضور الإنسان في مكان العمل؛ بينما لا تنتهي بالضرورة آثار ما عاشه فيه. يبقى شيء في المزاج والذاكرة والعلاقات، وربما في الطريقة الّتي يرى بها نفسه، فما الّذي يصحب الموظف إلى حياته بعد يومه المهني، وماذا يحتفظ به من ذاته حين تنتهي صلته الوظيفية نهائيًا؟
لنأخذ معلمًا عاد إلى منزله بعد يوم مزدحمٍ بالحصصِ، والمناوباتِ، وتكليفاتٍ أخرى تقع على عاتقه نتيجة ما يسمى «بغموض الدور»! تناول غداءه، وجلس مع أسرته، ثم وجد ذهنه يستعيد عبارة قيلت له في غرفة المعلمين في الصباح. لم تكن العبارة طويلة، لكنها بقيت تشغله، حتى صار يجيب عمّن حوله دون انتباه كامل، وفي مساء آخر يعود من المدرسة نفسها، وقد نجح في مساعدة طالب فقد ثقته بقدرته على الفهم.
يظل أثر الإنجاز حاضرًا في حديثه وهدوئه لا تمثل الحالتان وصفًا لمعلم بعينه؛ إنهما مشهدان محتملان يوضحان أنَّ يوم العمل يستطيع أن يمتد إلى البيت في صورٍ متعارضةٍ، وأنَّ انتهاء التكليف لا يضمن انتهاء أثره الانفعالي.
من هنا تبدو «السعادة التنظيمية» أقل بساطة من الصّورة الّتي تقدمها بعض استبانات الرضا الوظيفي، فقد أوضحت «Fisher, 2010» في مراجعتها العلمية عن «السعادة في العمل» أنَّ الحديث عن السعادة يشمل مشاعر، وخبرات، ومواقف متعددة، وأنَّ الرضا الوظيفي لا يستوعبها كلها. إذ يستطيع الإنسان أن يحب مهنته، ويشعر بالفخر بما يؤديه، ثم يمر بأيام تستنزف فيها طاقته، وقد يجد في عمله استقرارًا ومزايا مادية من دون أن يمنحه ذلك بالضرورة قدرة على الاستمتاع بما بقي من يومه؛ ولهذا يكون السؤال عن أثر العمل خارج ساعاته مكمّلًا لفهم السعادة، ولا يحل محل مقاييسها الأخرى.
وقد تتبعت دراسة «Sonnentag ,Binnewies, 2013» الانتقال اليومي للتأثيرات الانفعالية من العمل إلى المنزل هذه المسافة بين العمل والمنزل، أجاب ستة وتسعون عاملًا في الرعاية الصحية عن أسئلة متكررة خلال أسبوع عمل، وأظهرت النتائج انتقالًا للمشاعر الإيجابية والسلبية من العمل إلى المساء، كما أظهرت أن الانفصال النفسي عن العمل بتخفيف هذا الانتقال في الاتجاهين. وتكمن أهمية النتيجة في أنَّها لا تصور المؤسسة مصدرًا للضيق وحده؛ فالنَّجاح والعلاقات الجيدة، والشُّعور بالإنجاز يمكن أن يصحبَ الإنسانَ أيضًا، وهي لا تثبت أنَّ كلَّ موظف يحمل مشاعره بالطريقة نفسها، أو أنَّ أسبوعًا من الملاحظة يكشف مصير حياته النفسية.
ويستدعي ذلك التمييز بين التفكير الَّذي يختاره الإنسان، والتَّفكير الّذي يعجز عن إيقافه، فقد تخطر للمعلم فكرة درس في المساء، فيسجلها بسرورٍ، ثم يعود إلى شأنه الخاص ويكمل يومه، وقد يعود موظف آخر عشرات المرات إلى قرار رآه مجحفًا، ويعيد في ذهنه مناقشة انتهت قبل ساعات. كلاهما يفكر في العمل، لكنَّ الخبرتين تختلفان في محتواهما وأثرهما، وقدرتهما على الاستحواذ على الانتباه، ولا يجوز- إنْ صح التعبير- تشخيص حالةٍ نفسيَّةٍ من هذا الوصف وحده؛ المهم هو ما إذا كانَ التفكير يفتح للإنسان مجالًا للفهم والإبداع، أو يغلق عليه بقية يومه، ويحرمه من الراحة.
ولهذا لا تكفي النَّصيحة المألوفة بأنْ ينسى الموظَّف عمله بمجرد خروجه، ففي دراسة «Sonnentag, Fritz, 2007» أوصت نتائجها بضرورة ممارسة أربع خبرات مرتبطة بالتعافي هي: الانفصال النفسي عن مطالب العمل، والاسترخاء، والقيام بأنشطة تمنح شعورًا بالإتقان، والتحكم في كيفية قضاء وقت الفراغ، وفي دراسة نشرها «Wendsche, Lohmann-Haislah, 2017» جمع الباحثان نتائج دراسات شملت 91 عينة مستقلة، ووجدا أنَّ قدرة الإنسان على إبعاد ذهنه عن مشاغل العمل خلال أوقات الراحة ترتبط في المتوسط بنوم أفضل، وشعور أكبر بالراحة النفسية، وانخفاض الإرهاق لكن هذه النتائج لا تعني أنَّ الابتعاد عن العمل يحقق الأثر نفسه لدى الجميع، كما أنها لا تثبت أنَّ الانفصال عنه هو السبب المباشر في تحسن أحوالهم؛ فما يساعد شخصًا على استعادة توازنه قد لا يكفي شخصًا آخر.
وهناك جانب لا تستطيع نصائح الاسترخاء معالجته بمفردها، فقد يكون عبء العمل أعلى من الوقت والموارد المتاحة، أو تكون حدود التواصل المهني ممتدة إلى المساء بحيث لا يستطيع الموظف توقع وقت خالص لحياته الخاصة. إذ تفسر نظرية متطلبات العمل وموارده جانبًا من أثر هذه الظروف في الاستنزاف والاندماج المهني، وتساعدنا أيضًا نماذج العلاقة بين العمل والمنزل على فهم انتقال الموارد الإيجابية بين المجالين؛ فقد يعلّم العمل الإنسان مهارة، أو يمنحه ثقة تسند حياته الخاصة، مثلما قد يستهلك منها وقتًا وانتباهًا، ومن الظُّلم بمكان أن نحمّله وحده مسؤولية كل مساءٍ مرهق، كما سيكون من المبالغة تحميل المؤسسة كل ما يواجهه في منزله من صعوبات مستقلة عنها.
إذا كانت هذه هي المغادرة الأولى والّتي تمثّل رواية أولى من حياة المرء، فما الذي يحدث عند المغادرة الثانية! حين تنتهي العلاقة الوظيفية نفسها؟ هنا أتحدث عن انقطاع دور اعتاد الإنسان أن يعرف نفسه من خلاله. يترك المكتب أو الفصل أو الميدان، ويحتفظ بما تعلمه من مهنته، وما بناه فيها من علاقاتٍ، وعاداتٍ وتصوراتٍ عن قدرته وقيمته، وربما يشعر أنَّه تخلَّص من مصدر ضغطٍ طويلٍ، ثم يكتشف أنَّ جزءًا مما كان يمنحه الإحساس بالجدوى غادر معه أيضًا. إذ لا تقف آثار هذه اللحظة عند حدود الانفعال العابر؛ إنها تمس السؤال الذي يجيب عنه الإنسان كلما عرّف نفسه أمام الآخرين أو أمام مرآته: من أكون بعد أن تغيرت صلتي بالعمل؟
في «دراسة نوعية» منشورة قابل كل من «Shlomo, Oplatka, 2023» ثلاثين معلمًا مضى على تقاعدهم ما بين سنتين وست سنوات. أظهرت نتائج المقابلات أنّ مهنة التعليم استمرت حاضرة في هويتهم وأنشطتهم اليومية، وأنّ المهارات، والميول الّتي ارتبطت بسنوات التدريس لم تختفِ بمجرد انتهاء الخدمة، ومن المؤكد أنّ هذه المقابلات لا يمكن بأي حال من الأحوال تعميم نتائجها على جميع المتقاعدين أو المهن؛ لكنها تكشف عن معنى بالغ الأهمية: قد يغادر المعلم المدرسة، وتظل المدرسة إحدى اللغات الَّتي يفهم بها العالم. يبقى معلمًا في طريقته في الشرح، أو في اهتمامه بالناشئة، أو في تقديره للمعرفة حتى إنْ لم يعد يقف أمام فصل صباح كل يوم، وحتى أكون منصفاً؛ فإنني أجدني بعد عام من تقاعدي أمارس هذه العادة لا إرادياً سواء في السوق، أو في الكافيهات، أو في المتنزهات، والأماكن العامة، ثم في نفس اللحظة أسأل نفسي لماذا أقوم بذلك؟ وأراجع نفسي في مرات كثيرة، فأحدثها بأن لا شأن لي بما يحدث من حولي؛ إلا أنّني لا أستطيع التَّخلي عما اعتدت عليه لسنواتٍ طويلةٍ! لدرجةِ أننَّي أحياناً أبتسم عندما أتذكَّر أننَّي لا زِلت لم أتخل عن مهنتي!
ولا تكون استمرارية الهوية عبئًا بالضرورة، فمسألة أنْ يحتفظ الإنسانُ باعتزازه بمهنته شيء، وأنْ تتوقف قيمته في نظر نفسه على استمرار لقبه، أو سلطته السابقة شيء آخر، فبعض ما يمنحه العمل للإنسان قابل للانتقال إلى حياةٍ جديدةٍ: الصبر، والخبرة، والصداقات، والقدرة على تنظيم الوقت، والاهتمام بقضية عامة، وبعض ما ارتبط بالوظيفة كان قائمًا على شروطها المحددة: صلاحية القرار، والحضور اليومي، ومعرفة الآخرين له من خلال موقعه الإداري، وتكشف لحظة المغادرة الفرق بين ما أصبح جزءًا من شخصه، وما كان يمنحه إياه الموقع الّذي يشغله.
وليس كل ما يبقى في الإنسان من عمله من طبيعة واحدة، فهناك خبرات أصبحت جزءًا من طريقته في الحكم والتصرف، وهناك أحكام تلقاها عن نفسه داخل المؤسسة، وقد يواصل مراجعتها بعد الرحيل. قد يحتفظ معلم بثقته في قدرته على الشرح، حتى لو لم يحصل يومًا على التقدير الذي انتظره؛ وقد يتذكر آخر لحظاتَ إنصافٍ أو خذلانٍ أثَّرت في نظرته إلى تجربته. هذه احتمالات إنسانية لا تجعل كل ذكرى أثرًا نفسيًا دائمًا، ولا تثبت أنَّ المؤسسة غيّرت سمات الشخصية. إنَّها تذكّرنا بأنَّ مغادرة المكان لا تمحُو تلقائيًا المعنى الّذي أعطاه الإنسانُ لما حدث فيه.
والفارق مهم بين بقاء المهنة في الهوية، وبقاء السلطة الإدارية في الذَّاكرة، فقد يظل المعلّم يرى العالم بعين المربي، بينما لا تعود قرارات مدرسته القديمة تحدد قيمته في نظر نفسه، وقد يبقى بعض التقييم المؤسسي حاضرًا في سرده لسيرته دون أن نعرف من ذلك وحده إن كان قد تجاوزه أو ما زال يتأثر به، لهذا يجب أن يتوقف بحثنا عند ما تركته التجربة من معنى وشعور وصورة للذَّات، وألا يتحول إلى دراسة للموارد التي تسهّل التَّكيف مع التقاعد.
وقد يبدو مغريًا أن نقول إنَّ ما يبقى في الموظَّف كل مساءٍِ هو الَّذي يتراكم حتّى يصنع حياته بعد الوظيفة؛ لكنَّ هذا الاستنتاج يتجاوز ما تسمح به الأدلة الّتي استعرضناها، فدراسات التّعافي اليومية تكشف انتقال المشاعر في مدى قصير، ودراساتُ الهوية بعد التقاعد تكشف استمرار أدوارٍ ومعانٍ على مدى أطول؛ ولا تثبت المجموعتان بمفردهما خطًا سببيًا يصل كل انفعال مسائي بشكل الهوية بعد عقود. الرابط بين المحطتين، إذن، رابط في السّؤال الّذي نطرحه عن حدود العمل داخل الإنسان لا قانون نفسي نجزم أننا نملك البرهان على عموميته.
وتظهر من هذا الرابط مسؤولية مؤسسية محددة أيضًا، فالمؤسسة لا تستطيع أن تضمن سعادة العاملين كل مساءٍ، ولا تملك حق تفتيش حياتهم الخاصة لتتأكد من تعافيهم؛ لكنها تستطيع أنْ تراجع مطالب العمل، واحترام أوقات الرَّاحة، وطرق التَّعامل، وحدود التَّواصل خارج الدوام، والاعتراف بما يصنعه الموظفون من قيمة، وهي تستطيع أن تدرك أنَّ ما تمنحه للإنسان أو تحرمه منه لا يدخل كله في كشوف الإنجاز، وحين تنتهي علاقته بها، لا تعود مسؤولة عن كل ما سيحدث له، لكنّها تظل جزءًا من السيرة التي خرج بها منها، بما فيها من خبرات طيبة أو مؤلمة.
ولعل الامتحان الأصدق لفكرة «السعادة التنظيمية» يبدأ عندما نكفّ عن تخيّل الموظَّف شخصًا لا حياة له إلَّا في ساعاتِ العملِ، ولا تاريخ له بعدها، ففي المساء يحتاج إلى أنْ يكون حاضرًا في بيته، واهتماماته، وعلاقاته، وبعد مغادرة الوظيفة يحتاج إلى أنْ يظلّ قادرًا على رؤية قيمته خارج المسمى الّذي حمله سنوات. قد يترك العمل في الإنسان تعبًا يحتاج إلى وقتٍ قبل أنْ يزول، وقد يترك فيه معرفةً
* * *
المراجع:
Bakker, A. B., الجزيرة Demerouti, E. (2017). Job demands-resources theory: Taking stock and looking forward. Journal of Occupational Health Psychology, 22(3), 273-285. https://doi.org/10.1037/ocp0000056
Sonnentag, S., الجزيرة Binnewies, C. (2013). Daily affect spillover from work to home: Detachment from work and sleep as moderators. Journal of Vocational Behavior, 83(2), 198-208. https://doi.org/10.1016/j.jvb.2013.03.008
Sonnentag, S., الجزيرة Fritz, C. (2007). The recovery experience questionnaire: Development and validation of a measure for assessing recuperation and unwinding from work. Journal of Occupational Health Psychology, 12(3), 204-221. https://doi.org/10.1037/1076-8998.12.3.204
Shlomo, H., الجزيرة Oplatka, I. (2023). «I am still a teacher»: The place of the teaching career in the process of retirement adjustment. Educational Studies, 49(2), 219-238. https://doi.org/10.1080/03055698.2020.1837614
Ten Brummelhuis, L. L., الجزيرة Bakker, A. B. (2012). A resource perspective on the work-home interface: The work-home resources model. American Psychologist, 67(7), 545-556. https://doi.org/10.1037/a0027974
Fisher, C. D. (2010). Happiness at work. International Journal of Management Reviews, 12(4), 384-412. https://doi.org/10.1111/j.1468-2370.2009.00270.x
Wendsche, J., الجزيرة Lohmann-Haislah, A. (2017). A meta-analysis on antecedents and outcomes of detachment from work. Frontiers in Psychology, 7, 2072. https://doi.org/10.3389/fpsyg.2016.02072