نجلاء العتيبي
أتذكر تلك اللحظة جيدًا؛ أعادتها إلي مشاهد السعوديين وهم يروون مواقف سفارات المملكة معهم، بعدما تعطلت رحلات عودتهم مؤقتًا، كنت أتابع حكاياتهم، وأعرف شيئًا من الشعور الذي يسبق الاتصال، ومن الراحة التي تعقبه عندما يجد المرء من يأخذ قلقه مأخذ الجد، وبين رواية وأخرى، عدت إلى لندن عام 2017، يوم وقع الحادث الإرهابي ونحن فيها، وأصبح السؤال عن الأمان أقرب إلينا من أي حديث آخر.
اتصلت بالسفارة أريد الاطمئنان، لم أحمل طلبًا معقدًا، ولم أكن أعرف كيف أرتب مخاوفي؛ أردت صوتًا موثوقًا يخبرني كيف أتصرف، أجابني موظف خلوق، وأفسح لحديثي متسعًا، مع يقيني أن كثيرين سبقوني إلى الرقم نفسه، وأن آخرين ينتظرون فرصة الوصول إليه، ومع ذلك لم أشعر أن مكالمتي عبء إضافي، أو أن خوفي سؤال استهلكت إجابته لكثرة ما تكرر.
أخبرته بقلقي فطمأنني بكلمات موزونة، فيها مهنية تمنح الثقة، ولطف يحفظ للإنسان حقه في الخوف، وأكد أهمية متابعة ما يصدر عن السفارة من تنبيهات وإرشادات، كان يعرف أن الطمأنينة تحتاج إلى وضوح، وأن المتصل البعيد عن أهله قد يتعلق بطريقة الإجابة بقدر تعلقه بمضمونها، لم يجعلني أخجل من اتصالي، ولم يستعجل إنهاء الحديث؛ منح سؤالي عنايته، وأدى أمانته برحابة صدر بقي أثرها في ذاكرتي.
أغلقت الهاتف وقد تبدل إحساسي بالمكان، لندن هي لندن، والخبر الذي أقلقني لم يتغير، لكن معرفتي بوجود جهة من وطني أستطيع الرجوع إليها أعادت إلي القدرة على التفكير بهدوء، عرفت أين أتابع المعلومة، وإلى من أتوجه إذا احتجت، وتلك معرفة تخفف كثيرًا من ارتباك الغربة، أحيانًا يحتاج الإنسان إلى هذه البداية الصغيرة ليستعيد توازنه: أن يعرف أن صوته سيصل، وأن وراء الرقم من يفهم مسؤوليته تجاهه.
لهذا أفهم ما تعنيه اليوم شهادات المسافرين عن سفارات المملكة؛ فتعثر العودة يربك حسابات الأسرة، ويطيل الانتظار، ويجعل الاحتمالات تتزاحم في الرأس، وعندما تضع السفارة للمواطنين وسائل اتصال واضحةً للطوارئ، وتدعو من يحتاج عونًا أو يمر بظرف عاجل إلى التواصل مباشرة مع المختصين بشؤون السعوديين عبر قنواتها الرسمية؛ فإنها تمنحهم طريقًا معلومًا للمساعدة، وتختصر عليهم حيرة البحث وسط الأخبار المتلاحقة.
وخلف هذه القنوات أناس يعملون تحت ضغط، يستقبلون أسئلة متشابهة من أشخاص تختلف ظروفهم وقدرتهم على الاحتمال، وقيمة ما يقدمونه تظهر في إدراك هذا الاختلاف؛ فالسؤال المكرر عند الموظف تجربة أولى لصاحبه، وقد يخرج من أم تخشى على أطفالها، أو مسافر أنهكه الانتظار، أو مريض يحتاج إلى ترتيب عاجل، وحسن الاستقبال يهيئ لكل هؤلاء أن يشرحوا حاجتهم بوضوح، فتبدأ المساعدة من فهم صحيح.
منذ تلك المكالمة بقي عندي تقدير خاص لمن يحسن أداء عمله في اللحظة التي يضطرب فيها الآخرون، قد ينسى الموظف اتصالًا أجراه قبل أعوام، وتحتفظ به صاحبة الاتصال؛ لأنه أعاد إليها شعورًا بالأمان احتاجته يومها، هذه آثار يصنعها الإتقان من غير موعد، وتبقى شاهدةً على أن خدمة المواطن تقاس أيضًا بما تحفظه في نفسه من ثقة وكرامة.
وحين أستمع إلى العائدين وهم يستعيدون ما وجدوه من متابعة وعناية أتذكر ذلك الصوت الذي أجابني في لندن، لا أعرف اسم صاحبه، لكنني أذكر إحساسي بعد حديثه: كنت بعيدةً عن أرض المملكة، ووصلتني رعايتها في مكالمة، ومن يومها، صار لرقم السفارة في هاتفي معنًى يتجاوز الاتصال؛ إنه باب أعرف أنني أطرقه عند الحاجة، وأثق بمن يستقبلني وراءه، مهما بعدت المسافة، وطال طريق العودة.
ضوء
«نلتزم أمامكم أن نكون من أفضل دول العالم في الأداء الحكومي الفعال لخدمة المواطنين».
- صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، -حفظه الله-