د. أماني بنت خلف الغامدي
المواقف لا تُقاس بضجيج الكلمات، بل بثبات الأفعال، وفي قراءتي لعُرف مواقف الدول، بدت لي أن المواقف الدولية تنقسم غالباً إلى مسارين: موقف سياسي يُقرأ في صرامة البيانات، ويُوزن بثقله في المحافل الدولية، ويُحسب له ألف حساب؛ فهو قرار دولة يتحمل ذكره ووصفه التاريخ. وموقف شعبي يُقرأ في وجدان الناس، وفي مناصرتهم، ومبادرتهم التلقائية لإغاثة المنكوب؛ فهو نبض المجتمع الحي الذي لا يُصطنع، وحين يجتمع هذان المساران في مسار واحد متناغم، فإنك تقف أمام بوصلة راسخة واستراتيجية لا تتبدل بتبدل الفصول، هذا هو النهج التاريخي الراسخ للمملكة العربية السعودية؛ دولة اختارت ألا تكتب تاريخها بالحبر والشعارات العابرة، بل بالفعل الثابت الذي يُسند القول ويصنع الفارق.
وأما ما يبقى في وجدان التاريخ فليس «الترند» الذي تصنعه شاشات عابرة ويموت في ساعات، لكن المواقف الشامخة تصنعها الدول عبر مواقفها السياسية الواضحة والثابتة وتخلدها ذاكرة الشعوب. والذاكرة الإنسانية بطبعها لا تُزور؛ فالناس في النهاية لا يتذكرون الخطابات الإنشائية ولا المزايدات الرنانة، بل يتذكرون بالوفاء والامتنان من وقف معهم بصدق يوم انفض الجميع.
وموقف السعودية كان ولازال نهج الفعل الهادئ في زمن المزايدات وعلى امتداد عقود من الأزمات والتحولات التي عصفت بالمنطقة والعالم، ظلت الرياض تمثل ركيزة الاستقرار والتوازن، ولم تكن سياستها يوماً رد فعل لحظي، ولا ارتهنت للأصوات المرتفعة، بل انطلقت من مسؤولية المكان وبصفتها حاضنة لمهبط الوحي وقبلة المسلمين، وحاملة لواء التضامن الإنساني والإسلامي، كما أنها تمثل ثقل الحكمة في تقديم الحلول الدبلوماسية الشجاعة، وقول «لا» الصريحة حين كان الصمت أربح للكثيرين، والتمسك بالحقوق العادلة للشعوب دون مساومة، وهذا ما يعكس التجرد الأخلاقي في دعم لا ينتظر مقابلاً ولا يرتهن لمصالح ضيقة، بل يرى مساندة الشقيق والصديق واجباً حتمياً تفرضه الأخوة والمسؤولية الدولية.
تجلت الرسالة السعودية في ميدان الإغاثة الإنسانية كأوضح ما يكون؛ بإنسانية بلا حدود... وعطاء يسبق الكاميرات فبينما تحسب دول كثيرة تكلفة كل خطوة، كانت الجسور الجوية السعودية وقوافل الإغاثة تسبق عدسات الإعلام ونشرات الأخبار. لم يسأل العطاء السعودي يوماً عن عرق أو مذهب أو خلفية سياسية؛ كان المعيار الوحيد هو كرامة الإنسان وحاجته، ومن خلال ذراعها الإنسانية مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والمنصات الوطنية للتبرع الشعبي، تكاملت الرؤية الرسمية مع النخوة الشعبية، ولم تتوقف عند هذا الحد بل تحركت إلى ماهو أكبر وهو الإعمار والتنمية في كل اتجاه في العالم من بناء المستشفيات، وتأسيس المدارس، وإعادة تأهيل البنى التحتية في مناطق النزاعات والكوارث، وعلى كل المستويات كانت هناك مبادرات احتضان ومساندة فقامت مؤسسات الدولة مشكورة باستضافة الملايين ممن تقطعت بهم السبل ومعاملتهم كأشقاء وضيوف كرام يعالجون في مشافيها يدرسون في مدارسها وجامعاتها ويعاملون بإنسانية لا كلاجئين، وهذا نهج مستمر يفرضه خلق المسلم وشهامة العربي لتقديم الدعم الممكن والمستدام الذي ٌيخرج الإنسان من وطأة العوز إلى آفاق الاستقرار والكرامة.
وهكذا رسخت المملكة العربية السعودية مكانتها فمن خلال مواقف قيادتها حفظت وتحفظ كرامة الدول وحقوقها، وأما شعبها فهو شهم مبادر مع ولاة أمره لحفظ كرامة الإنسان، ويثبت يوما أنه يقدم دروسا في صناعة تاريخ ناصع أثبت أن العبرة دائماً بالثبات والوفاء بالعهود مصداقا لقول الله عزوجل: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا).
و لقد برهنت السعودية عبر العقود الماضية أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالشعارات الفضفاضة، بل بالمواقف الشجاعة والشراكة التنموية العادلة، وبات لزاماً على العالم أن يستلهم من هذه التجربة نموذجاً عملياً يخرج الواقع الدولي من دوائر الاستقطاب العقيم إلى فضاءات التضامن والمسؤولية المشتركة؛ فالإنسانية اليوم لا تحتمل مزيداً من الصمت، والمستقبل يُبنى بالإرادات الصادقة لا بالحسابات المادية.
واليوم، وأمام عالم تموج به النزاعات وتتآكل فيه الثقة وتتفاقم أزماته الإنسانية، لم يعد كافياً أن تقف المنظومة الدولية في مقاعد المتفرجين أو تكتفي ببيانات القلق والمداولات المؤجلة، وعلى المجتمع الدولي وقواه الفاعلة الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق حلها، واستبدال ازدواجية المعايير بميزان العدالة الصارم، والتعامل مع القضايا الملحة بنزاهة وتجرد أخلاقي يضع حماية الإنسان واستقرار الشعوب فوق كل اعتبار.