تعيش سوق الأسهم السعودية مرحلة من التراجع تثير تساؤلات واسعة بين المستثمرين، خصوصاً أن هذا الهبوط يأتي في وقت تواصل فيه غالبية الشركات المدرجة تحقيق الأرباح، وفي ظل اقتصاد وطني يتمتع بمقومات قوية ومشروعات تنموية واستثمارية ضخمة. وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف: لماذا تتراجع أسعار الأسهم بينما تحقق الشركات أرباحاً؟ وهل يعكس تراجع المؤشر ضعفاً في أداء الاقتصاد، أم أن هناك عوامل أخرى تتحكم في اتجاه السوق؟
الأرقام تكشف حجم هذا التراجع؛ فقد انخفضت القيمة السوقية الإجمالية للشركات المدرجة من نحو 10.2 تريليون ريال بنهاية عام 2024 إلى نحو 9.04 تريليون ريال في 22 أكتوبر 2026، بفارق يقارب 1.16 تريليون ريال، أي نحو 11.4 %. وهو انخفاض في القيمة السوقية، وليس خسائر مالية محققة للشركات أو المستثمرين، كما أن المقارنة تتأثر بالإدراجات الجديدة والتغيرات في رؤوس الأموال. ومع ذلك، فإن هذا الفارق الكبير يعكس حجم التحولات التي شهدتها السوق خلال الفترة الماضية.
والمفارقة أن هذا التراجع لا يقابله انتشار مماثل للخسائر بين الشركات المدرجة؛ فقد أظهرت نتائج الربع الثاني من عام 2026، وفق تقرير الجزيرة كابيتال، تحقيق 197 شركة أرباحاً من أصل 260 شركة شملتها الإحصائية، أي نحو 76 %، مقابل 63 شركة سجلت خسائر. ورغم أن تحقيق الأرباح لا يعني بالضرورة نموها مقارنة بالفترات السابقة، فإن هذه النسبة تؤكد أن الربحية ليست مقتصرة على عدد محدود من الشركات، وتطرح تساؤلاً مهماً حول العلاقة بين الأداء المالي للشركات وحركة أسعار أسهمها.
لكن من المهم التأكيد أن تراجع سوق الأسهم لا يعني بالضرورة ضعف الاقتصاد الوطني، كما أن تحقيق الشركات أرباحاً جيدة لا يضمن ارتفاع أسعار أسهمها. فالاقتصاد السعودي يستند إلى قاعدة اقتصادية واسعة، واستثمارات حكومية ضخمة، ومشروعات تنموية متواصلة، وإصلاحات اقتصادية أسهمت في تنويع الأنشطة وتعزيز جاذبية المملكة للاستثمار. ومن غير المنطقي اختزال قوة هذا الاقتصاد في حركة مؤشر الأسهم صعوداً أو هبوطاً.
فأسواق المال لا تتحرك وفق النتائج المالية للشركات وحدها، وإنما تتأثر بعوامل متعددة، من أبرزها الظروف الجيوسياسية، ومستويات السيولة، وأسعار الفائدة، وثقة المستثمرين، والتوقعات المستقبلية. وقد تحقق شركة أرباحاً مرتفعة، بينما يتراجع سهمها نتيجة ضعف الطلب أو ارتفاع درجة الحذر لدى المستثمرين، أو لأن النتائج جاءت دون توقعات السوق.
وتبرز الظروف الجيوسياسية باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في حركة الأسواق، خصوصاً في فترات تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، حيث يميل بعض المستثمرين إلى تقليص المخاطر والاحتفاظ بالسيولة، حتى عندما تكون المؤشرات الاقتصادية الأساسية إيجابية. وهذه الظاهرة لا تقتصر على السوق السعودية، بل تشهدها أسواق مالية عالمية عديدة.
غير أن استمرار التراجع يفتح الباب أمام تساؤلات أخرى تتعلق بعمق السوق ومستويات السيولة والشفافية وثقة المستثمرين. فالشفافية لا تعني مجرد إعلان النتائج المالية، وإنما وضوح المعلومات وتكافؤ فرص الحصول عليها، وتعزيز قدرة المستثمر على تقييم الشركات واتخاذ قراراته على أسس سليمة. كما أن استعادة الثقة لا تتحقق بتصريحات متفائلة أو ارتفاعات مؤقتة، وإنما من خلال بيئة استثمارية مستقرة وواضحة وقادرة على جذب الأموال طويلة الأجل.
ومن القضايا التي تستحق الدراسة أيضاً أثر التوسع في الطروحات الجديدة وزيادات رؤوس الأموال على توزيع السيولة بين الشركات المدرجة. فالطروحات تمثل وسيلة مهمة لتمويل الشركات وتنمية السوق، لكنها تحتاج إلى توازن بين حجم المعروض والطلب الاستثماري، حتى لا تتحول المنافسة على السيولة إلى عامل ضغط إضافي على أسعار الأسهم.
ولا يقل دور المستثمر المؤسسي أهمية في هذه المرحلة؛ فوجود مؤسسات استثمارية وصناديق تتمتع برؤية طويلة الأجل يسهم في تعزيز عمق السوق والحد من تأثير التقلبات قصيرة المدى. كما أن المرحلة تستدعي من الجهات المعنية بالسوق المالية دراسة أسباب تراجع السيولة وثقة المستثمرين، ومراجعة العوامل التي قد تؤثر في كفاءة السوق وجاذبيتها، دون أن يكون الهدف التدخل في تحديد اتجاه الأسعار أو دفع المؤشر إلى الارتفاع بصورة مصطنعة.
إن السوق المالية السعودية تمتلك مقومات كبيرة للنمو والتطور، مدعومة بحجم الاقتصاد الوطني وقوة مؤسساته وتنوع قطاعاته. ولذلك فإن التراجع الحالي ينبغي أن يكون دافعاً لدراسة العوامل المؤثرة في حركة السوق، وتعزيز السيولة والشفافية والثقة، وليس سبباً للتشكيك في متانة الاقتصاد السعودي أو قدرته على مواصلة النمو.
ويبقى السؤال الذي يشغل المستثمرين: إذا كانت غالبية الشركات تحقق أرباحاً، والاقتصاد السعودي يتمتع بمقومات قوية، فلماذا تتراجع القيمة السوقية للأسهم المدرجة؟ وهل المشكلة في نتائج الشركات، أم في العوامل المحيطة بالسوق وثقة المستثمرين بمستقبلها.
** **
- عبدالله صالح الشماسي