«السيفُ أَصدقُ إنباءً من الكُتُبِ
في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَّعِبِ»
بيتٌ خالد لأبي تمام اختصر فلسفة القوة وحسم المواقف حين تتزاحم التحديات وتشتد الأزمات.
وفي تاريخ العلاقات المصرية السعودية، لم تكن الشراكة يوما مجرد عبارات دبلوماسية دُبّجت على الورق أو تصريحات بروتوكولية تُلقى في المحافل، بل كانت دوما واقعا ميدانيا ملموسا يُترجم على أرض المعركة وميادين السلاح وعقيدة الدفاع المشترك.
إن العمق العسكري والأمني بين القاهرة والرياض يُشكل النواة الصلبة والدرع المنيع للأمن القومي العربي، حيث أثبتت المحطات التاريخية والأزمات الإقليمية المتعاقبة أن التكاتف بين القوتين العسكريتين الأبرز في المنطقة هو الفاصل الحقيقي بين الاستقرار والفوضى، حيث تجلت هذه العقيدة في أعلى درجات الحسم والمصداقية من خلال التصريحات الرسمية المباشرة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتي أكد فيها جهارا أن مصر -وطبقا لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان- على أتم الاستعداد لتنفيذ أي إجراء تطلبه المملكة العربية السعودية للحفاظ على أمنها والدفاع عن حدودها ومقدراتها.
تُمثل هذه التصريحات التاريخية تعبيرا صادقا عن تجذر عقيدة «مسافة السكة» والالتزام القومي الراسخ تجاه المملكة؛ فقد شدد السيسي على أن أمن السعودية والخليج هو أمن قومي مصري مباشر لا يقبل المساومة أو التردد، موضحا أنه إذا اقتضت الظروف والتطورات الميدانية طلبا دفاعيا رسميا من القيادة السعودية، فإن القيادة المصرية لن تتوانى عن دعوة مجلس النواب للجلسات الطارئة للحصول على التفويضات الدستورية والشعبية اللازمة لتلبية أي طلب سعودي دون أي تحفظ.
إن ربط الإرادة المصرية بالقيادة السعودية المتمثلة في الملك سلمان وولي عهده يبعث برسالة استراتيجية شديدة الوضوح لجميع الأطراف الإقليمية والدولية مفادها أن مصر والسعودية هما قلب الأمتين العربية والإسلامية، وأن أي مساس بالرياض أو استهداف لمنشآتها وحدودها يُمثل استهدافا مباشراً للقاهرة ذاتها.
ترتكز العلاقات بين القاهرة والرياض على قاعدة تاريخية راسخة، تجلت في مواقف حاسمة عبر العقود والسنوات، فقد تعمقت العلاقات الرسمية مع تأسيس المملكة العربية السعودية الحديثة على يد الملك عبد العزيز آل سعود، حيث حرصت البلدان على بناء جسور التعاون المستمر والتشاور الدائم، وشهدت العقود التالية محطات كبرى لا تُنسى، كان أبرزها الموقف السعودي الشجاع والداعم لمصر سياسيا واقتصاديا وعسكريا خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر المجيدة عام 1973، حيث سخّرت الرياض طاقاتها السياسية والاقتصادية، وكان لاستخدام سلاح النفط علامة فارقة أكدت وحدة الصف العربي في مواجهة الاحتلال، وأثبتت للعالم أجمع أن الدولتين تمثلان جناحَي الأمة في أوقات المحن والأزمات.
وفي التاريخ الحديث، استمرت المواقف المشتركة متسقة وراسخة أمام التحولات الإقليمية والدولية العاصفة، فقد وقفت المملكة العربية السعودية بقوة إلى جانب الشعب المصري وخياراته الوطنية في ثورة 30 يونيو 2013 وما بعدها، حيث قدمت دعما سخيا ومباشرا لاستقرار مصر واقتصادها في وقت حرج من تاريخها، وفي المقابل، كانت مصر دائما ولا تزال من أوائل الدول التي تعلن بوضوح وجلاء أن أمن الخليج العربي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، مؤكدة وقوفها التام والمطلق إلى جانب أمن واستقرار المملكة العربية السعودية في وجه أي تهديدات إقليمية أو خارجية.
وفي زمن تتلاطم فيه أمواج الأزمات الإقليمية والدولية وتتزايد فيه التهديدات السيبرانية والعابرة للحدود، تتجلى قيمة التعاضد الأمني بين القاهرة والرياض كركيزة لا غنى عنها لصون أركان النظام العربي، فلم يعد مفهوم الأمن بين البلدين مجرد بروتوكولات عسكرية أو تفاهمات استخباراتية تقليدية، بل تحول إلى عقيدة أمنية مشتركة ترى في الاستقرار الشامل قضية وجودية؛ فالخطر الذي يهدد أحدهما يُحدث صداه المباشر لدى الآخر، وهو ما انعكس جلياً في التنسيق العالي لمواجهة التنظيمات الإرهابية، ومحاصرة محاولات اختراق الأمن القومي العربي من الفاعلين من غير الدول.
وقد تجلت هذه العقيدة الدفاعية الصلبة في أبهى صورها مع اندلاع الأزمة اليمنية وبروز خطر المليشيات الحوثية التي هددت أمن واستقرار المملكة العربية السعودية واستهدفت حدودها ومنشآتها الحيوية، فمنذ اللحظات الأولى لإنطلاق عمليات «عاصفة الحزم» عام 2015، أعلنت مصر موقفا حازما يجسد أواصر الأخوة وعمق الشراكة الاستراتيجية، حيث انضمت إلى التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، مؤكدة أن الدفاع عن أمن السعودية والمقدسات الإسلامية هو جزء أصيل لا يتجزأ من عقيدة الجيش المصري والأمن القومي لمصر، ولم يقتصر الموقف المصري على الدعم السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية فحسب، بل امتد ليرسل رسالة ردع استراتيجية حاسمة مفادها أن الاستهداف الصاروخي أو الهجمات بالطائرات المسيرة التي تشنها جماعة الحوثي على الأراضي السعودية هو خط أحمر وتجاوز لا يمكن التغاضي عنه.
وتحتل المملكة العربية السعودية مكانة خاصة وعميقة في الوجدان الشعبي والرسمي المصري، حيث تُنظر الرياض في العقيدة السياسية المصرية على أنها الشريك الاستراتيجي الأبرز في المنطقة والضامن الرئيسي لتوازن الخليج، ويُعد التنسيق المستمر بين القيادتين صمام أمان ضد التدخلات الإقليمية الهدامة، ومحورا حيويا لضمان أمن واستقرار الممرات المائية الشديدة الأهمية مثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وعلى الصعيد الاقتصادي والتنموي، لعبت السعودية دورا محوريّا في مساندة الاقتصاد المصري من خلال حزم الاستثمارات الكبرى، والودائع البنكية، والمشاريع المشتركة الطموحة مثل مشروعات الطاقة والربط الكهربائي.
أضف إلى ذلك الرابط الديني والروحي؛ فالمملكة تمثل مهبط الوحي وقبلة المسلمين، مما يمنحها مكانة سامية لدى الشعب المصري الذي يفد إليها سنويا لأداء فريضة الحج والعمرة، فضلا عن أواصر التبادل الثقافي والعلمي بين الأزهر الشريف والمؤسسات الدينية والثقافية في المملكة.
وفي المقابل، تمثل مصر بالنسبة للقيادة والشعب السعودي عمقا إستراتيجياً وحضارياً لا غنى عنه، فالسعودية تُدرك تماما أن استقرار مصر وقوتها هما الضمانة الحقيقية لاستقرار العالم العربي بأسره، إذ تشكل مصر الثقل العسكري والبشري القادر على حفظ التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، كما أسهمت الكوادر المصرية من معلمين وأطباء ومهندسين وقضاة وإعلاميين بشكل مباشر في نهضة وبناء مؤسسات المملكة الحديثة منذ عقود طويلة، ولا يزال التبادل الثقافي والفني والأدبي ينبض بالحياة، حيث تُشكل الثقافة والفنون المصرية جزءا أصيلا من الذاكرة والوجدان الثقافي في السعودية، وفي ظل تحولات السياسة الدولية المعقدة، تجد الرياض في القاهرة شريكا موثوقا يمتلك رؤية واقعية وعميقة للتحديات، مما يجعل التنسيق الثنائي بينهما ركيزة أساسية لأي تحرك عربي فاعل ومؤثر في المحافل الدولية.
إن الشراكة المصرية السعودية لا تتوقف عند حدود الماضي أو تحديات الحاضر، بل تتجاوز ذلك لتصنع مستقبل الأجيال القادمة عبر تكامل الرؤى التنموية والاقتصادية المشتركة، ويتجلى هذا التطلع في التناغم الواضح بين المشروعات القومية المصرية والرؤى التنموية الطموحة بالمملكة، لا سيما في مجالات الطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، والنقل اللوجستي، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الاستثمارات الثنائية في مختلف القطاعات الواعدة.
فالعلاقة بين القاهرة والرياض هي مرآة صادقة لواقع الأمة العربية؛ فحين تتكامل الإرادتان المصرية والسعودية، يتحقق الاستقرار وتُفتح أبواب الأمل والتنمية في المنطقة، وبصرف النظر عن المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، يبقى التحالف المصري السعودي هو الضمانة الأثبت لحماية المصالح العربية العليا، وصون مقدرات شعوب المنطقة، والانطلاق بها نحو مستقبل أكثر أمنا وازدهارا.
** **
- د. أحمد حساني