د. عبدالرحمن بن عبدالله العبدالقادر
في بعض الأماكن لا تُقرأ المشاريع بوصفها بنية تحتية قوامها الخرسانة والإسمنت والطوب فحسب، بل بوصفها فصلًا جديدًا في كتاب قديم.. ومحافظة الزلفي واحدة من تلك الأماكن؛ مررت قبل أيام بمحاذاة الموقع المحدد لمحطة قطار الركاب بالزلفي، وشاهدت بوادر أعمال توحي بأن الفرج قد اقترب، وأن والحلم بات أقرب إلى الحقيقة. هذا الخبر عند أهل الزلفي ليس مجرد خبر عن محطة سابعة تُضاف إلى شبكة قطار الشمال فقط، بل إنه هو تذكير بسيرة طويلة عنوانها: أن أبناء هذه الأرض اعتادوا أن يبادروا، لا أن ينتظروا.
محطة «سار».. مبادرة أهلية بروح وطنية
اللافت في مشروع المحطة أنه جاء من بوابة القطاع غير الربحي، في نموذج يجسّد الشراكة التي تنادي بها رؤية المملكة 2030، بين الدولة والمجتمع، فالمحطة ثمرة سعي متواصل من أبناء الزلفي الذين حملوا حلمها سنوات وطرقوا من أجلها الأبواب الرسمية بالطرق النظامية حتى التقت إرادتهم بدعم القيادة الرشيدة فصار الحلم عقدًا موقّعًا ومشروعًا يبشر بغد واعد.
ستربط محطة الزلفي بشبكة قطار الشمال الممتدة من الرياض إلى القريات مرورًا بالقصيم وحائل والجوف مما يفتح أمام أهلها وزوارها وطلاب جامعتها وأصحاب الأعمال فيها بوابة سفر آمنة ومريحة، وتقرّب المسافة إلى معالمها الطبيعية والتراثية من نفود الثويرات وروضة السبلة وكافة متنزهاتها ووجهاتها السياحية. غير أن قيمة المبادرة الأعمق ليست في القطار ذاته بل في المعنى الذي تحمله، مجتمعٌ يرى في خدمة مدينته خدمةً لوطنه ويضع جهده وماله ووقته حيث تكون المصلحة العامة.
سيرة لم تبدأ اليوم
من يعرف تاريخ الزلفي لا يستغرب هذه المبادرة؛ فهي امتداد طبيعي لروح ضاربة في عمق المكان. لقد كانت الزلفي بموقعها على حافة جبال طويق وعلى طريق القوافل بين شمال الجزيرة وقلب نجد ثغرًا مفتوحًا على الرياح والأخطار في زمن كانت فيه البلدات تحمي نفسها بسواعد رجالها قبل أن يجمع الله شتات هذه الأرض تحت راية التوحيد بقيادة جلالة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن - طيب الله ثراه -.
وتحفظ كتب التاريخ للأجداد مواقف مشهودة في الدفاع عن الزلفي والذود عن حياضهن وهناك العديد من القصص التي تجسد التاريخ المضيء للأجداد رحمهم الله تعالي.. كان ذلك زمنًا تُقاس فيه قيمة البلدة بقدرة أهلها على التماسك والذود عن أرضهم وأعراضهم، وقد خرج أهل الزلفي منه بسمعة الرجال الأشداء المتمرسين على الترحال أو ما يعرف بلهجة أهل نجد (قطع الفرجة)، فجابوا الديار وركبوا البحر من الهند إلى الشام إلى دول الخليج إلى مصر وشمال إفريقيا في زمن كانت وسائل المواصلات مقصورة على الجمال والخيول ونحوها من الدواب.
ثم جاءت مرحلة التوحيد لتنقل هذه الشجاعة من الدفاع عن بلدة إلى البناء لوطن، فشارك أهل الزلفي مع الملك المؤسس في معظم غزوات توحيد البلاد وقتل عدد منهم في بعض الوقائع مثل وقعة البكيرية وجراب وغيرها، وحين احتاج المؤسس الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- إلى حشد قواته في مواجهة فتنة الإخوان كانت الزلفي ملتقى الجموع ومنطلقها فيها عقد مجلسه ومنها تحركت القوات إلى روضة السبلة القريبة عام 1347هـ، في المعركة التي عُدّت آخر المعارك الكبرى في مسيرة تأسيس المملكة.. وهكذا ارتبط اسم الزلفي بلحظة حاسمة من لحظات الوحدة الوطنية واحتضنت أرضها الخطوة الأخيرة نحو الاستقرار الذي ننعم به اليوم.
«زليغيف».. معجزة فوق الرمال
إذا كان الأجداد قد حموا الزلفي بالسيوف فإن الآباء فتحوا لها الطريق بالمعاول فـ»زليغيف» اسمٌ يعرفه كل زلفاوي؛ وهو الدرب الرملي الذي يقطع نفود الثويرات غرب الزلفي متجهًا إلى القصيم، وقد ظل قرونًا دربًا لقوافل الإبل تغوص فيه الأقدام وتتعثر فيه الركائب حتى صارت الكلمة في لهجة أهل نجد تدل على بداية الطريق الوعر في الرمل.
ومنذ عام 1386هـ بدأ الأهالي يطالبون بتعبيد هذا الطريق ثم لم يكتفوا بالمطالبة فاجتمعت كلمتهم صغاراً وكباراً محدودي الدخل والموسرين على حد سواء؛ فخرج الرجال بسواعدهم وأموالهم وآلياتهم المتواضعة، وشقّوا الطريق في الرمال حتى صار ممهّدًا للسيارات عام 1388هـ، ثم عُبّد بالإسفلت عام 1395هـ. واللافت أن الشركة المنفذة لاحقًا سارت على المسار نفسه الذي رسمه الأهالي بخبرتهم بأرضهم، فكان طريقهم شاهدًا على أن معرفة المكان وحب الوطن قد يسبقان المخططات الهندسية.
لقد سمّى بعض المؤرخين المحليين تلك الملحمة «معجزة فوق الرمال»، وتغنّى بها الشعراء وبقيت تُروى للأجيال درسًا في الهمة والجَلَد والعمل الجماعي وأن المواطن الحق لا يقف متفرجًا على احتياجات مدينته.
خيطٌ واحد يربط الأجيال
حين نضع هذه المحطات الثلاث جنبًا إلى جنب -صمود الأجداد خلف أسوار الزلفي، وسواعد الآباء في رمال زليغيف، ومبادرة الأبناء لإنشاء محطة القطار- نرى خيطًا واحدًا يربط بينها: انتماءٌ صادق للأرض، وولاءٌ راسخ للوطن وقيادته، وإيمانٌ بأن المواطن شريكٌ في البناء لا متلقٍّ للخدمة فحسب. تغيّرت الأدوات من السيف إلى المعول إلى العقود والشراكات، لكن الروح بقيت هي هي.
وفي زمن تفتح فيه رؤية المملكة 2030 الباب واسعًا أمام القطاع غير الربحي والمبادرات المجتمعية، تقدم الزلفي نموذجًا جديرًا بأن يُحتذى؛ نموذج مدينة لم تنتظر أن تصلها التنمية، بل مشت إليها، كما مشى آباؤها من قبل في رمال الثويرات يشقون الطريق خطوة خطوة.
إن صافرة القطار حين تُسمع يومًا في محطة الزلفي لن تكون مجرد إعلان عن رحلة تنطلق، بل صدى لنداءٍ قديم ما زال يتردد في هذه الأرض ذلك النداء الذي اطلقه الشاعر الكبير غانم بن دخيل الغانم حين قال: «قاموا الجماعة واجمع الله شملهم» وما زالوا قائمين في خدمة وطنهم جيلًا بعد جيل.