محمد العشيوي - «الجزيرة»:
لم يكن موسم الرياض هذه المرة مجرد محطة في جدول الحفلات، بل كانت الموعد الذي طال انتظاره بين فضل شاكر وجمهوره، موعدًا اختصر في حلم ظل الفنان يستحضره حتى في أصعب ظروفه، قبل أن يتحوب إلى حقيقة على مسرح أبو بكر سالم هناك، وبين آلاف الأصوات التي جاءت لتستعيد معه أغنيات وذكريات، لم يكن فضل يستعيد مكانه على المسرح فحسب، بل كان يختبر معنى أن تعود الأغنية إلى أصحابها بعد سنوات من الغياب.
موسم الرياض يحقق الأحلام
«موسم الرياض» كان حلمًا من أحلامي، حتى في أصعب الظروف التي عشتها، وكان حلمي أن تكون انطلاقتي منه»، بهذه الكلمات اختصر الفنان فضل شاكر مشاعر سنوات من الغياب، وهو يقف أمام الجمهور السعودي والعربي على مسرح أبو بكر سالم، في ليلة (عودة الغايب)، التي دشّنت حفلات موسم الرياض بنسخته السابعة، لتتحوّل إلى واحدة من أبرز المحطات في مسيرته الفنية.
وجاء اختيار مسرح أبو بكر سالم ليمنح العودة بعدًا إضافيا، فالمسرح الذي شهد حضور أسماء بارزة في الأغنية العربية، واحتضن تكريمات لنجوم تركوا بصماتهم في مسيرتها، أصبح هذه المرة شاهدًا على عودة فضل شاكر إلى جمهوره، وبذلك لم يكن الحفل مجرد استضافة لنجم غنائي، بل مناسبة لاستعادة صوت ارتبط بذاكرة عاطفية واسعة، ولتسجيل لحظة جديدة في مسيرة فنان ظل اسمه حاضرًا رغم ابتعاده عن المسارح.
يا غايب.. أغنية تتجاوز حدود الزمن
منذ الإعلان عن حفل (عودة الغايب)، بدا أن الجمهور لا ينتظر ليلة غنائية اعتيادية، بل لقاءً مؤجلًا مع فنان ارتبطت أعماله بذكريات شخصية وعاطفية لدى أجيال من المستمعين، وقد انعكس ذلك في الإقبال الكبير على تذاكر الحفل عبر منصة Webook بما كشف عن استمرار حضور فضل في الوجدان الموسيقي، رغم سنوات الغياب وتغيّر المشهد الغنائي.
ولعل المفارقة الأبرز في هذه العودة أن الأغنية التي حملت عنوان (يا غايب) أصبحت جزءًا من الحكاية نفسها، فالأغنية التي رسّخت مكانة فضل شاكر منذ صدورها عام 2003، وارتبطت لدى كثيرين بالمناسبات والذكريات العاطفية، عادت لتؤدي دورًا مختلفًا على مسرح أبو بكر سالم، ولم تعد مجرد عمل ناجح في أرشيفه، بل تحوّلت إلى مساحة يلتقي فيها معنى الغياب بمعنى الحضور.
الأغنية تتجاوز حدود المسرح
لم يقتصر الحفل على استعادة الأغنيات التي صنعت مسيرة فضل شاكر، بل امتد إلى أعماله الحديثة، في محاولة للجمع بين ذاكرة الجمهور الفنية وما يقدّمه اليوم، ويبرز في هذا السياق عمل (صحاك الشوق)، الذي صدر في أغسطس 2025، بوصفه إحدى المحطات التي واصل من خلالها فضل حضوره الغنائي خلال فترة ابتعاده عن المسرح.
نوال وفضل استعادة لذاكرة الحنين
شكّلت مشاركة الفنانة نوال إحدى أبرز مفاجآت ليلة (عودة الغايب)، حين صعدت إلى المسرح لتشارك فضل شاكر أداء أغنية (أحاول)، التي جمعتهما في دويتو منذ الألفية الأولى، واستعاد الصوتان من خلال هذا اللقاء واحدة من المحطات الغنائية التي تركت أثرًا في ذاكرة المستمعين، وسط أجواء امتزجت فيها العاطفة بالحنين.
وقالت نوال في رسالتها إلى فضل (أنت إنسان وفنان عظيم ملأت هذا المسرح حبًا، وهذا المكان لم يكن ليليق بأحد غيرك) قبل أن تعبّر عن سعادتها بالوقوف إلى جانبه في هذه العودة. كما أطلقت عليه لقب (صوت العشاق)، في وصف استند إلى طبيعة أعماله العاطفية وما تركته من أثر لدى مستمعيه.
15 أغنية وجسر بين مرحلتين
على مدى الحفل، قدم فضل شاكر نحو 15 عملًا غنائيًا بقيادة المايسترو مجد جريدة، في رحلة موسيقية تنقل خلالها بين أغنيات ارتبطت بسنوات نجاحه وإصدارات حديثة واصلت حضوره لدى الجمهور، وجاءت هذه الأعمال لتعيد إلى الأذهان محطات من أرشيفه، من (ضحكة الدنيا، وفين لياليك، ومعقول، ولو على قلبي»، وصولًا إلى أعمال أخرى شكّلت جزءًا من ذاكرة مستمعيه.
مكتسبات العودة.. حضور جماهيري ورصيد لاينسى
وتحمل عودة فضل شاكر من الرياض مجموعة من المكتسبات التي تتجاوز نجاح ليلة غنائية أو اثنتين، أولها استعادة التواصل المباشر مع الجمهور، بعد سنوات ظل خلالها حضوره قائمًا عبر الأغنيات والإصدارات، من دون لقاء مماثل على خشبة المسرح، وقد أظهر الإقبال على الحفل والتفاعل مع أعماله أن العلاقة بين الفنان وجمهوره لم تنقطع، بل بقيت قابلة للتجدد عند توافر اللحظة المناسبة.
أما المكتسب الثاني، فيتمثل في إعادة تقديم أرشيفه الفني ضمن سياق جديد، ويبرز كذلك مكتسب التعاونات الفنية، من خلال مشاركة نوال ومحمد شاكر، التي أضافت إلى الحفل تنوعًا في الأداء والمضمون، وأظهرت أن العودة يمكن أن تكون مساحة لإعادة إحياء تجارب سابقة، وفتح المجال أمام لقاءات فنية جديدة.
ومن مكتسبات هذه العودة أيضًا أن موسم الرياض أصبحت نقطة انطلاق رمزية لمرحلة جديدة في مسيرة فضل شاكر، فالوقوف على مسرح أبو بكر سالم يمنح الحفل موقعا خاصا في ذاكرته الفنية، لتكون ليلة عود الغايب ولحدة من أبرز فصول فضل شاكر في مسيرته.
ومن وقائع المؤتمر الصحافي الذي قدمه فضل بعد نهاية الحفل أشاد فضل بالجمهور الكبير الذي تفاعل معه، وقدم شكره لمعالي المستشار تركي آل الشيخ، واصفا إياه بأنه (أصل الفن) معربا عن شكره لخدمة الفن في الوطن العربي، وأضاف فضل أنه تم تسجيل عمل تم تصويره بعنوان (عمري الباقي) سترى النور قريبا.
ويأتي الحفل ضمن الحفلات التي تقدمها بنش مارك في موسم الرياض، امتدادا لدورها في تقديم تجارب فنية تجمع نجوم الغناء العربي بجمهورهم، وتواكب الحراك الترفيهي الذي تشهده المملكة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تعزيز جودة الحياة وتنمية قطاع الترفيه.