د. صالح بن إبراهيم السكاكر
هل يكفي أن نحب أوطاننا لكي نكون أوفياء لها؟ وهل يكفي أن نخفق لها بقلوبنا، وأن نرفع أعلامها، وأن نتغنى بأمجادها، لكي نكون قد أدّينا حقها علينا؟ أم أن للحب معنى آخر، أعمق من المشاعر، وأصدق من الكلمات، وأثقل في ميزان الوفاء؟
لطالما تساءلت: كيف يمكن للإنسان أن يثبت صدق حبه لشيء لا يستطيع أن يحيط به بذراعيه، ولا أن ينظر في عينيه، ولا أن يسمع صوته، ومع ذلك يشعر أنه يسكن أعماقه؟ فنحن لا نختار أوطاننا حين نولد، لكننا نختار، حين نكبر، أي نوع من الأبناء سنكون لها، وفي اعتقادي، هنا تبدأ فلسفة الحب الحقيقي للوطن.
فالإنسان كائن معقد، يحمل في داخله إنسانًا آخر، يولد معه، ثم يتشكل عبر التربية والتجارب والظروف والبيئة المحيطة، ذلك الإنسان الخفي الذي قد يدفعه نحو الطموح أو يقوده إلى الاستسلام، الذي قد يجعله صانعًا للحياة أو مجرد عابر فيها، والذي تتحدد به، في كثير من الأحيان، المسافة بين ما يحلم به الإنسان وما يستطيع تحقيقه.
لكنني أتساءل: ما علاقة ذلك الإنسان الآخر بحب الوطن؟ ربما تكون العلاقة أعمق مما نتصور؛ لأن الوطن لا يُبنى بما نشعر به تجاهه فقط، وإنما بما نسمح لذلك الإنسان الذي يسكن داخلنا أن يصنعه من أجلنا ومن أجله. فكم من إنسان أحب وطنه بصدق، لكنه لم يسأل نفسه يومًا: ماذا قدمت لهذا الوطن الذي أحب؟ وكم من إنسان قضى عمره ينتظر من وطنه أن يحقق أحلامه، دون أن يفكر أن أحلام الوطن نفسها تنتظر من يحققها؟
إننا كثيرًا ما نتحدث عن حقوقنا على أوطاننا، لكننا ننسى أحيانًا أن الأوطان ليست كائنات مستقلة عن أبنائها، تصنع المجد وحدها، وتبني المستقبل بمعزل عنهم. فالوطن، في جوهره، ليس الأرض وحدها، ولا المؤسسات وحدها، ولا التاريخ وحده؛ إنه الإنسان الذي يزرع، والجندي الذي يدافع بحياته، والمعلم الذي يربي، والطبيب الذي يداوي، والعامل الذي يتقن، والباحث الذي يكتشف، والصحفي الذي يكتب، ورائد الأعمال الذي يخاطر ليصنع فرصة لم تكن موجودة. فالوطن هو مجموع ما نصنعه فيه، وما نتركه للأجيال التي ستأتي بعدنا.
وهنا يبرز سؤال أكثر إيلامًا: هل يمكن أن نحب وطنًا عظيمًا، ثم نرضى لأنفسنا أن نكون أقل من قدراتنا؟ وهل يمكن أن نحلم له بالمجد، بينما نستسلم نحن للكسل؟ وأن نتمنى له الريادة، بينما نخشى المحاولة؟ وأن نطالب بمستقبل أفضل، بينما لا نبذل من حاضرنا ما يستحق ذلك المستقبل؟
ليس المقصود أن يكون كل إنسان عالمًا عظيمًا، أو رجل أعمال ناجحًا، أو صاحب إنجاز استثنائي؛ فالأوطان لا تقوم على هؤلاء وحدهم، وإنما تقوم أيضًا على ملايين البشر الذين يؤدون أعمالهم بإخلاص عظيم. فالأم التي تربي إنسانًا صالحًا تبني وطنًا، والمعلم الذي يوقظ عقل طفل يبني وطنًا، والشاب الذي يتعلم حرفة ويتقنها يبني وطنًا، والعسكري الذي يدافع بدمه يبني وطنًا، والموظف الذي يحترم وقته ومسؤوليته يبني وطنًا، وصاحب المشروع الذي يخلق وظيفة لإنسان آخر يبني وطنًا. فليست قيمة الإنسان فيما يملكه من مال أو منصب، وإنما فيما يضيفه إلى وطنه بقدر استطاعته، وربما كان من أعظم أخطائنا أننا فصلنا أحلامنا الشخصية عن أحلام أوطاننا، وكأن نجاح الإنسان شأن خاص لا يتجاوز حدود حياته!
لكن تأملوا الأمر قليلًا؛ حين ينجح طبيب سعودي في اكتشاف علاج، ألا ينجح معه وطنه؟ وحين يؤسس شاب سعودي مشروعًا يفتح أبواب الرزق لعشرات الأسر، ألا يكبر معه وطنه؟ وحين يبدع باحث أو مهندس أو معلم أو مزارع في عمله، ألا يضيف حجرًا جديدًا إلى البناء العظيم الذي نسميه الوطن؟
إن أحلامنا ليست دائمًا منفصلة عن أحلام الوطن؛ فقد تكون أحلام الوطن الكبيرة هي مجموع أحلام أبنائه الصغيرة حين تتحول إلى واقع.
ولعل هذا ما يجعلني أنظر إلى رؤية السعودية 2030 من زاوية تتجاوز مشروعاتها الاقتصادية والعمرانية، على عظمتها وأهميتها، إلى سؤال فلسفي يتعلق بالإنسان نفسه. فالرؤية، في أحد أعمق معانيها، ليست مجرد تصور لما ينبغي أن تكون عليه المملكة في المستقبل، وإنما هي أيضًا دعوة إلى أن يعيد الإنسان السعودي اكتشاف ما يستطيع أن يكونه. لقد رسم صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، من خلال هذه الرؤية، أفقًا وطنيًا واسعًا، تتلاقى فيه طموحات الدولة مع قدرات أبنائها، وتتحول فيه الفرص من احتمالات تنتظر من يكتشفها إلى مسؤوليات تحتاج من ينهض بها.
وهنا أتوقف عند فكرة تستحق التأمل: هل يمكن أن نحقق رؤية وطن طموح، إذا لم يكن الإنسان الذي يعيش داخل كل واحد منا طموحًا؟ كيف نبني اقتصادًا مزدهرًا بعقول تخشى التجربة؟ وكيف نصنع مجتمعًا حيويًا إذا فقدنا الرغبة في المبادرة؟ وكيف نحقق وطنًا طموحًا إذا اعتقدنا أن الطموح مسؤولية المؤسسات وحدها؟
إن محاور الرؤية الثلاثة، مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، لا يمكن فصلها عن الإنسان؛ فهو المستفيد من التنمية، وهو في الوقت ذاته أحد أهم صانعيها، وهنا أجد صلة عميقة بين رؤية المملكة وفلسفة الإنسان الآخر؛ فإذا كان الإنسان الآخر الذي يسكن أعماقنا قادرًا على دفعنا نحو النجاح أو الفشل، فإن التنمية الوطنية تحتاج منا أن نعرف كيف نقود ذلك الإنسان، وكيف نحرره من الخوف والتردد والاتكالية، وكيف نوقظ فيه الشغف بالمعرفة والعمل والإنتاج.
ولعل أعظم ما يمكن أن تمنحه الرؤية لأبناء الوطن ليس الفرص وحدها، وإنما الإيمان بأن أحلامهم تستحق أن تتحول إلى واقع، وأن نجاحهم الشخصي يمكن أن يكون جزءًا من نجاح وطنهم. لكن الفرصة، مهما عظمت، لا تصنع النجاح وحدها، فالأبواب التي تُفتح لا تعني شيئًا لمن يرفض أن يخطو، والطريق الذي يُمهَّد لا يبلغ نهايته من يكتفي بالنظر إليه.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا نحن، فحين تفتح المملكة أبواب الفرص العظيمة، فإن حب الوطن يدعونا إلى أن نبتكر ونبادر، وحين تتوسع مجالات العلم والمعرفة، فإن حب الوطن يدعونا إلى أن نتعلم ونتخصص، وحين تتسابق الأمم نحو المستقبل، فإن حب الوطن يقتضي ألا نكتفي بمشاهدة السباق، بل أن نكون جزءًا منه. وليس المطلوب أن نتخلى عن أحلامنا الشخصية من أجل أحلام الوطن؛ بل أن نفهم أن العلاقة بينهما ليست علاقة تنافس، وإنما علاقة تكامل، فكل نجاح شريف نحققه، وكل معرفة نكتسبها، وكل فرصة عمل نخلقها، وكل مشكلة نحلها، هي لبنة في مشروع وطن يتطلع إلى مستقبل أكبر.
وهنا أفهم حب الوطن بمعناه الذي أبحث عنه؛ أن أستيقظ كل صباح وأنا أدرك أن لهذا اليوم قيمة، وأن وقتي ليس ملكًا لي وحدي، بل إن جزءًا من أثره سيعود إلى المجتمع الذي أنتمي إليه، أن أتعلم لأن جهلي ليس خسارة شخصية فقط، وأن أعمل لأن كسلي لا يحرمني وحدي من النجاح، وأن أجتهد لأن ما أستطيع إضافته إلى وطني قد لا يستطيع غيري إضافته بالطريقة نفسها، وأن أفهم أن الطموح ليس أنانية بالضرورة؛ فقد يكون من أنبل صور الوفاء حين يرتبط بالمسؤولية، ويصبح نجاح الفرد منفعة تتجاوز ذاته.
وليس معنى ذلك أن الإنسان آلة لا تتوقف عن العمل، أو أن الراحة ضعف، أو أن من تعثرت ظروفه أقل حبًا لوطنه، فالحياة لا تمنح الجميع الفرص نفسها، والإنسان قد يبذل كل ما يستطيع ثم لا يبلغ ما يريد، لكن الإخلاص لا يقاس بالنتيجة وحدها؛ بل بصدق السعي، ونزاهة الوسيلة، والإصرار على أن يكون المرء نافعًا ما استطاع.
إن العمل بلا كلل ولا ملل ليس إنكارًا لحاجة الإنسان إلى الراحة، وإنما رفض لأن يتحول الكسل إلى فلسفة حياة، أو أن يصبح انتظار الآخرين بديلًا عن المبادرة. ولعل هذا هو الامتحان الحقيقي لذلك الإنسان الآخر الذي يسكن أعماقنا: هل نقوده نحو صناعة الحياة، أم نتركه يقنعنا بأن دورنا فيها مجرد الانتظار؟
لقد منحتنا المملكة العربية السعودية وطنًا نعتز بتاريخه، ونفخر بحاضره، ونحلم بمستقبله، لكن عظمة الوطن لا ينبغي أن تكون سببًا لاكتفائنا بالفخر، بل دافعًا لأن نسأل أنفسنا: ماذا سنضيف نحن إلى هذه العظمة؟ فليس الوفاء للأجداد أن نظل نروي ما صنعوه فحسب، وإنما أن نصنع ما يستحق أن يرويه أحفادنا، وليس الحب أن نقول إن وطننا يستحق الأفضل، ثم ننتظر من الآخرين أن يحققوا له ذلك الأفضل، فالحب أن نكون نحن جزءًا منه.
وإذا كانت رؤية 2030 قد وضعت أمامنا صورة للوطن الذي نطمح إليه، فإن مسؤوليتنا أن نضع أمام أنفسنا صورة للإنسان الذي ينبغي أن نكونه، فلا معنى أن نحلم بوطن منتج، ونحن لا نسعى إلى الإنتاج، ولا معنى أن نحلم بوطن منافس، ونحن نخشى المنافسة، ولا معنى أن نتطلع إلى وطن يقود المستقبل، ونحن نؤجل أحلامنا إلى مستقبل لا نعرف متى يأتي.
إن الرؤية ليست موعدًا ننتظره في التقويم، بل مستقبلًا نشارك في صناعته كل يوم.
وأعود إلى السؤال الذي بدأت به: كيف نحب أوطاننا حقًا؟ أعتقد أننا نحبها حين نتوقف عن النظر إليها بوصفها المكان الذي ننتظر منه أن يمنحنا كل شيء، ونبدأ بالنظر إلى أنفسنا بوصفنا جزءًا من قدرتها على تحقيق أحلامها، نحبها حين ندرك أن أحلامنا، مهما بدت صغيرة، يمكن أن تصبح جزءًا من حلمها الكبير، نحبها حين نعمل ونجتهد وننتج، لا طلبًا للتصفيق، ولا انتظارًا للمكافأة، وإنما لأننا أدركنا أن أعمارنا أقصر من أن نقضيها متفرجين على مستقبل نريد له أن يكون عظيمًا.
فالوطن الذي نحبه لا يحتاج منا أن نخبره كل يوم كم نحبه، بقدر ما يحتاج أن يرى أثر هذا الحب في كل يوم نعيشه. وإذا كان في داخل كل إنسان إنسان آخر، فإن أعظم انتصار يحققه الإنسان على نفسه هو أن يقود ذلك الآخر نحو الخير والعمل والعطاء، حتى يصبح وجوده إضافة إلى وطنه، لا مجرد رقم في تعداد سكانه.
وعندها فقط، حين نحقق أحلامنا التي تصب في أحلام وطننا، وحين تتحول أعمارنا إلى أعمال، وطموحاتنا إلى منجزات، وانتماءاتنا إلى مسؤوليات، نستطيع أن نقول إننا لم نكتفِ بحب الوطن، بل منحنا هذا الحب شيئًا من حياتنا.
وأخيراً: لقد علّمنا الجندي في الميدان أن للوطن حقًا قد يُفتدى بالحياة؛ فلنتعلم نحن من هؤلاء الأبطال أن له حقًا في حياتنا أيضًا، بأن نحيا من أجله كل يوم منتجين، وأن نجعل من حياتنا شيئًا يستحق أن يُضاف إلى تاريخه.