د. سفران بن سفر المقاطي
في زمنٍ يتسلل فيه الذكاء الاصطناعي إلى أدق تفاصيل حياتنا اليومية، تواجه العلاقات الاجتماعية اختبارًا غير مسبوق. فملايين الشباب حول العالم باتوا يجدون في «الأصدقاء الافتراضيين» عزاءً عاجلًا ودعمًا نفسيًا لا يكلّف سوى بضع نقرات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تستطيع خوارزميات بلا مشاعر أن تحلّ محل دفء التجربة الإنسانية؟ أم أن هذا العصر سيكشف، على العكس، جوهر الصداقة الحقيقية وصلابتها في وجه تقلبات الزمن؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنيةً مؤجلة إلى المستقبل، بل واقعًا ملموسًا يعيد تشكيل العلاقات الإنسانية، وفي مقدمتها الصداقة. فأدوات مثل «تشات جي بي تي» و«جيميني» و»كلود» و«جروك» تجاوزت وظيفتها المعرفية الأولى، وباتت تجري حوارات صوتية ونصية متصلة، وتقدم نصائح مفصّلة على مقاس كل مستخدم، وتحاكي التفاعل العاطفي على نحو يقترب من الصداقة. وقد خلص تحليل لنقاشات المستخدمين في المنتديات الرقمية، نشرته مجلة «هارفارد بزنس ريفيو» في أبريل 2025م، إلى أن «العلاج النفسي والمؤانسة» تصدّرا استخدامات الذكاء الاصطناعي التوليدي في ذلك العام.
ويبدو الإقبال على هذه الرفقة الرقمية مفهومًا في ظل ضغوط الحياة وتسارع إيقاعها؛ إذ تقدّر لجنة منظمة الصحة العالمية المعنية بالتواصل الاجتماعي، في تقرير صدر في يونيو 2025م، أن الوحدة تطال شخصًا من كل ستة أشخاص في العالم، وترتبط بأكثر من 871 ألف وفاة سنويًا، وأن ما بين 17 % و21 % ممن تتراوح أعمارهم بين 13 و29 عامًا يعانونها، وترتفع النسبة بين المراهقين. وفي الولايات المتحدة، كشف مسح لمنظمة «كومن سينس ميديا» شمل 1060 مراهقًا، ونُشر في يوليو 2025م، أن 72 % منهم جرّبوا تطبيقات الرفقة الذكية، وأن أكثر من نصفهم يستخدمونها بانتظام، وأن ثلثهم فضّلوا الآلة على البشر في محادثات جادة.
غير أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في الشأن العاطفي ينطوي على مخاطر لا يمكن إغفالها، وإن جاءت نتائج الأبحاث أكثر تركيبًا مما يوحي به الجدل العام. فدراسة أجراها باحثون في كلية هارفارد للأعمال، ونشرتها «مجلة أبحاث المستهلك»، وجدت أن الرفقاء الافتراضيين يخففون الشعور بالوحدة على المدى القصير بقدر يقارب أثر التفاعل مع شخص آخر، لا سيما حين يشعر المستخدم بأنه مسموع. لكن الصورة تتبدل مع الإفراط؛ فتجربة عشوائية مضبوطة أجراها مختبر الوسائط في معهد ماساتشوستس للتقنية بالتعاون مع شركة «أوبن إيه آي» عام 2025م، على 981 مشاركًا طوال أربعة أسابيع، أظهرت أن الأكثر استخدامًا لروبوت المحادثة سجّلوا نتائج أسوأ باطّراد: وحدة أشد، وتواصلًا أقل مع الناس، واعتمادًا عاطفيًا أكبر على الآلة. ذلك أن التواصل البشري المباشر يتميز بعمق وجداني لا تحاكيه الآلة مهما بلغت دقة خوارزمياتها، والعلاقة الافتراضية لا تبني جسور الثقة ولا تصنع ذكريات مشتركة.
وتكشف دراسات عامَي 2025 و2026م أن الرفيق الرقمي قد يخفف العزلة مؤقتًا، لكنه قد يزيدها لدى الأشد هشاشة، فيما يظل الصديق الحقيقي سندًا وقت الشدائد. وتؤكد أبحاث حديثة هذا التحذير؛ إذ نشرت دورية «نيتشر هيومن بيهيفيور» في أغسطس 2026م دراسة لجامعة ستانفورد الأمريكية شملت 1131 مستخدمًا لمنصة «كاراكتر إيه آي»، وأظهرت أن ذوي الدوائر الاجتماعية الأضيق أكثر طلبًا لرفقة الآلة، وأن هذا الاستخدام يرتبط بتراجع الرفاه النفسي، خصوصًا مع كثافته أو اقترانه بالبوح بأسرار شخصية. وتقول ديي يانغ، الأستاذة المساعدة في علوم الحاسب بجامعة ستانفورد والمشرفة على الدراسة، إن استخدام روبوتات المحادثة على هذا النحو «لا يعوّض التواصل الإنساني»، بل إن كثيرين «يشعرون بوحدة أكبر» حين يتفاعلون مع الذكاء الاصطناعي. وفي فنلندا، تتبعت دراسة لجامعة آلتو نحو ألفي مستخدم لتطبيق «ريبليكا» على مدى عامين، فرصدت في منشوراتهم مؤشرات متزايدة على الوحدة والاكتئاب مقارنةً بمستخدمين مماثلين لم يجرّبوه. وتلخص الباحثة تالايه آليداوود هذه المفارقة بقولها إن الرفقاء الافتراضيين «يقدّمون دعمًا غير مشروط لا يفتر»، ثم تستدرك: «مع مرور الوقت، يتوقف الناس عن المبادرة بالتواصل».
وفي السياق العربي، تكتسب القضية أبعادًا ثقافية واجتماعية خاصة؛ فالمجتمعات العربية المعروفة بمتانة روابطها الأسرية بدأت تشهد، خصوصًا في المدن الكبرى ذات الإيقاع المتسارع، تحولات ملموسة في أنماط التواصل. ففي السعودية، أظهر تقرير «إنترنت السعودية 2025» الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية أن 45.2 % من مستخدمي الإنترنت يستعينون بأدوات الذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى 55.7 % في الفئة العمرية من 20 إلى 29 عامًا، وإلى 53.4 % في الفئة من 10 إلى 19 عامًا.
ومع إطلاق شركة «هيوماين» في أغسطس 2025م تطبيق «هيوماين تشات» المبني على النموذج العربي «علّام»، والداعم للإدخال الصوتي بلهجات عربية متعددة، صار بوسع الشاب العربي أن يستشير الآلة بلغته الأم، بل بلهجته المحلية، وأن يتلقى نصائح أقرب إلى بيئته وقيمه. ورغم ندرة المسوح العربية في هذا الشأن، يرصد مختصون في المنطقة الظاهرة بحذر؛ إذ تصف الاختصاصية النفسية الإكلينيكية الدكتورة تارا واين، المديرة الإكلينيكية لمركز «لايتهاوس أرابيا» في دبي، جاذبية هذه الروبوتات بأنها «فخ صممه المطورون ليجعلها مريحة ومرحِّبة وسهلة إلى حدّ ألّا تفتقد البشر الحقيقيين أبدًا».
ومع ذلك، تظل الأزمات الحقيقية، كفقدان الوظيفة أو المحن العائلية، كاشفةً للفارق الجوهري بين الدعم البشري ونظيره الافتراضي؛ ففي أوقات الشدة يحتاج الإنسان إلى تعاطف صادق ومساندة ملموسة تعجز عنها أكثر التقنيات تطورًا. فالصداقة الحقيقية ليست تبادلًا للمنافع أو المعلومات، بل شبكة معقدة من القيم والالتزامات والتجارب المشتركة تمنح العلاقة معناها وعمقها. ولهذا تنصح واين بالبحث عن «أناس حقيقيين يضعون أمامك المرآة، ويصارحونك برأيهم، ويختلفون معك»، وهي خصال يفتقر إليها رفيق رقمي يميل بطبيعة تصميمه إلى المجاملة والموافقة.
وفي المقابل، برزت تطبيقات حديثة توظف الذكاء الاصطناعي أداةً لتعزيز العلاقات الواقعية لا لاستبدالها؛ فبعضها يذكّر المستخدمين بالتواصل مع أصدقائهم، ويقترح أنشطة مشتركة بناءً على الاهتمامات المتقاربة. وتبدو الفائدة أوضح لدى كبار السن؛ فقد أعلن مكتب ولاية نيويورك لشؤون المسنين أن برنامجه التجريبي لتوزيع الرفيق الذكي «إيلي كيو» على أكثر من 800 مسن سجّل تراجعًا في الشعور بالوحدة بلغ 95 %. بيد أن علماء النفس يحذرون من أن الإفراط في الاعتماد على الوسائط الرقمية قد يُضعف مهارات التواصل الوجداني وقراءة الإشارات غير اللفظية، كتعابير الوجه ونبرة الصوت، التي تشكل جوهر التفاعل الإنساني العميق.
ومن زاوية أخرى، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يضاعف قيمة الصداقة الحقيقية بقدر ما يكشف هشاشة بدائلها التقنية. فالنماذج الذكية توفر حلولًا فورية واستشارات على مدار الساعة، لكنها تظل عاجزة عن محاكاة الثقة المتبادلة والمشاركة الوجدانية، وهو ما يدركه الجمهور نفسه؛ إذ أظهر استطلاع لمركز «بيو» للأبحاث، نُشر في سبتمبر 2025م وشمل أكثر من خمسة آلاف أمريكي، أن 50 % يتوقعون أن يُضعف الذكاء الاصطناعي قدرة الناس على بناء علاقات ذات معنى، في مقابل 5 % فقط يرون أنه سيعززها. وتذهب شيري توركل، أستاذة الدراسات الاجتماعية للعلوم والتكنولوجيا في معهد ماساتشوستس للتقنية، أبعد من ذلك؛ ففي حديثها بمناسبة صدور كتابها «الحميمية الاصطناعية» أواخر سبتمبر 2026م، ترى أن ما يقدمه روبوت المحادثة ليس سوى «تعاطف مُتصنَّع»، وتحذر: «جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتستولي على انتباهنا، أما روبوتات المحادثة فجاءت لتستولي على قدرتنا على التعلّق».
وليس التحول الذي نشهده مفاجئًا، فهو امتداد طبيعي لمسار طويل من الابتكار الساعي إلى تيسير الحياة اليومية. والسؤال الملحّ اليوم: كيف نوظف إمكانات الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة علاقاتنا الإنسانية من دون أن نفقد القيم التي تمنحها معناها وفرادتها؟ يبدو أن الحل يكمن في التوازن بين العالمين، وهو توازن بدأت التشريعات تترجمه عمليًا؛ فقد دخل قانون ولاية كاليفورنيا الخاص بروبوتات الرفقة حيّز التنفيذ مطلع 2026م، ملزمًا الشركات بتنبيه المستخدمين القاصرين إلى أنهم يحاورون آلة لا إنسانًا، وبتذكيرهم بأخذ استراحة كل ثلاث ساعات، فيما فتحت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية في سبتمبر 2025م تحقيقًا مع سبع شركات تقنية كبرى حول آثار هذه الروبوتات في الأطفال والمراهقين. والتقنية نفسها قادرة على أن تكون جسرًا للتقارب إذا أُحسن استخدامها، على نحو ما تتيحه منصات الواقع الافتراضي المدعومة بالذكاء الاصطناعي من تجارب اجتماعية شبه واقعية للأصدقاء والعائلات المتباعدة جغرافيًا. وتختصر تشيدو مبيمبا، الرئيسة المشاركة للجنة منظمة الصحة العالمية للتواصل الاجتماعي، هذا التحدي بقولها: «مع إعادة التكنولوجيا تشكيل حياتنا، علينا أن نضمن أنها تعزز التواصل الإنساني لا أن تُضعفه».
وختامًا، يبدو عصر الذكاء الاصطناعي مرحلة انتقالية دقيقة تكشف هشاشة الروابط السطحية، وتُرسّخ في الوقت ذاته قيمة الصداقة الحقيقية القائمة على الالتزام والثقة والتبادل العاطفي الصادق. وبينما تواصل التقنيات الذكية تقديم حلول سريعة ومبتكرة، تظل قاصرة عن نسج العلاقات الإنسانية العميقة التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة.
ومن هنا، فإن التحدي الأكبر أمام المجتمعات العربية والعالمية على السواء هو الحفاظ على توازن دقيق بين تبني التقنيات الحديثة وصون قيمة التواصل الإنساني، بما يضمن بقاء الصداقة مصدر قوة ومعنى في عالم سريع التحول.
* * *
المصادر
عكاظ. (2026، 25 يوليو). ماذا يطلب السعوديون من الذكاء الاصطناعي؟ وأي منطقة تتصدر الاستخدام؟
https://www.okaz.com.sa/local/saudi-arabia/2258534
Aalto University. (2026, April 7). AI companions can comfort lonely users but may deepen distress over time [Press release]. https://www.aalto.fi/en/news/ai-companions-can-comfort-lonely-users-but-may-deepen-distress-over-time
Common Sense Media. (2025). Talk, trust, and trade-offs: How and why teens use AI companions. https://www.commonsensemedia.org/research/talk-trust-and-trade-offs-how-and-why-teens-use-ai-companions
Companion chatbots, S.B. 243, 2025-2026 Leg., Reg. Sess. (Cal. 2025). https://leginfo.legislature.ca.gov/faces/billNavClient.xhtml?bill_id=202520260SB243
De Freitas, J., O?uz-U?uralp, Z., U?uralp, A. K., الجزيرة Puntoni, S. (2026). AI companions reduce loneliness. Journal of Consumer Research, 52(6), 1126-1148. https://doi.org/10.1093/jcr/ucaf040
Dizikes, P. (2026, September 29). Who we become when we talk to machines. MIT News. https://news.mit.edu/2026/when-we-talk-to-machines-sherry-turkle-book-0929
Fang, C. M., Liu, A. R., Danry, V., Lee, E., Chan, S. W. T., Pataranutaporn, P., Maes, P., Phang, J., Lampe, M., Ahmad, L., الجزيرة Agarwal, S. (2025). How AI and human behaviors shape psychosocial effects of extended chatbot use: A longitudinal randomized controlled study [Preprint]. arXiv. https://doi.org/10.48550/arXiv.2503.17473
Federal Trade Commission. (2025, September 11). FTC launches inquiry into AI chatbots acting as companions [Press release]. https://www.ftc.gov/news-events/news/press-releases/2025/09/ftc-launches-inquiry-ai-chatbots-acting-companions
Gelfand, A. (2026, August 4). AI companions may worsen loneliness for vulnerable users. Stanford Report. https://news.stanford.edu/stories/2026/08/ai-companions-chatbots-loneliness-research
HUMAIN launches AI chat app powered by ALLaM 34B in Saudi Arabia. (2025, August 26). Mubasher. https://en.sharikatmubasher.com/media-hub/news/21503216/humain-launches-ai-chat-app-powered-by-allam-34b-in-saudi-arabia
Kennedy, B., Yam, E., Kikuchi, E., Pula, I., الجزيرة Fuentes, J. (2025, September 17). How Americans view AI and its impact on people and society. Pew Research Center. https://www.pewresearch.org/science/2025/09/17/how-americans-view-ai-and-its-impact-on-people-and-society/
Khan, A. (2026, August 10). AI adoption more than doubles in Saudi Arabia, reaching 45.2 % of internet users. People Matters. https://me-origin.peoplemattersglobal.com/news/ai-and-emerging-tech/ai-adoption-more-than-doubles-in-saudi-arabia-reaching-452percent-of-internet-users-51332
New York State Office for the Aging. (2023, August 1). NYSOFA»s rollout of AI companion robot ElliQ shows 95 % reduction in loneliness [Press release]. https://aging.ny.gov/news/nysofas-rollout-ai-companion-robot-elliq-shows-95-reduction-loneliness
Prabhakar, A. (2024, December 20). My best friend is an AI bot. What could go wrong? Khaleej Times. https://www.khaleejtimes.com/long-reads/my-best-friend-is-an-ai-bot-what-could-go-wrong
Turkle, S. (2026). Artificial intimacy: Who we become when we talk to machines. Little, Brown and Company. ISBN 978-0-316-57396-2
World Health Organization. (2025, June 30). Social connection linked to improved health and reduced risk of early death [News release]. https://www.who.int/news/item/30-06-2025-social-connection-linked-to-improved-heath-and-reduced-risk-of-early-death
Zao-Sanders, M. (2025, April 9). How people are really using gen AI in 2025. Harvard Business Review. https://hbr.org/2025/04/how-people-are-really-using-gen-ai-in-2025
Zhang, Y., Zhao, D., Hancock, J. T., Kraut, R., الجزيرة Yang, D. (2026). Interaction with AI companions and psychological well-being. Nature Human Behaviour. https://doi.org/10.1038/s41562-026-02516-2