ليلى أمين السيف
المبدأ الذي يسقط عند أول اختبار يمسّنا شخصيا لم يكن مبدأً بل رأيا مريحا ما دام لا يكلفنا شيئا. ولهذا لا يُقاس الإيمان بما نقوله وقت الأمان بل بما نفعله حين يصبح الصواب مكلفا Before and After في فيلم
لا تكمن المأساة الحقيقية في جريمة تقع وتغيّر حياة أسرة بأكملها فحسب بل في اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه واقفا أمام مبادئه عاجزا عن التمسك بها.
نحن نحب أن نعتقد أن لدينا خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها وأننا نعرف تماما ما الذي سنفعله حين نواجه اختبارا أخلاقيا صعبا. لكن الحياة لا تختبر مبادئنا ونحن في مأمن بل تضعنا أمامها حين نكون في أضعف حالاتنا حين يصبح الألم شخصيا والخسارة محتملة والثمن الذي سندفعه باهظا.
الأب في الفيلم رجل يعيش وفق صورة واضحة عن الصواب والخطأ لكنه حين يجد ابنه متورطا في جريمة لا يعود قادرا على النظر إلى الحقيقة بعين المواطن الذي يؤمن بالعدالة.
إنه ينظر إليها بعين الأب الخائف من فقدان ابنه وفجأة تصبح المبادئ التي كان يؤمن بها ترفا يصعب التمسك به وتتحول الحماية من واجب أبوي إلى مبرر لتجاوز القانون وإخفاء الحقيقة.
وهنا تبدأ المعركة الأصعب: ليست مع الشرطة ولا مع المحكمة بل مع النفس.
كم مرة أقنع الإنسان نفسه بأن ما يفعله استثناء تفرضه الظروف؟ وكم مرة أعاد تعريف الخطأ كي يستطيع التعايش معه؟ نحن لا نتخلى دائما عن مبادئنا لأننا لم نعد نؤمن بها بل لأننا نواجه ما نحب أكثر مما نحتمل خسارته. فنبحث عن مخرج يتيح لنا الاحتفاظ بصورة الإنسان الجيد في أعين أنفسنا حتى ونحن نفعل ما كنا نرفضه بالأمس. لكن المأساة أن الخطوة الأولى في التنازل لا تبدو دائما سقوطا. قد تبدو تضحية أو وفاء أو شجاعة أو حتى ضرورة لا بديل عنها. ثم تتوالى التنازلات ويجد الإنسان نفسه في مكان لم يكن يتصور يوما أنه سيصل إليه وقد أصبح يدافع عن أفعال كان سيحاكم الآخرين عليها لو ارتكبوها.
ومع ذلك لا يقدم الفيلم الإنسان بوصفه كائنا شريرا تحركه الأنانية وحدها بل بوصفه مخلوقا معقدا تحاصره مشاعر متناقضة. فالحب قد يدفعنا إلى التضحية لكنه قد يعمينا أيضا. والخوف قد يجعلنا نرتكب ما لا نرتكبه في الظروف العادية. وبين الحب والخوف والواجب تتكشف هشاشة الإنسان الذي ظن طويلا أنه يعرف نفسه.
إن أصعب ما في الحياة ليس دائما أن نعرف الصواب بل أن نتحمل عواقبه. فالتمسك بالمبدأ يصبح سهلا حين لا يكلفنا شيئا أما حين يهدد استقرارنا أو سمعتنا أو مستقبل من نحب فإنه يتحول إلى اختبار حقيقي لشخصياتنا ومبادئنا التي طالما تشدقنا بها عندما كنا على بر الامان
وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نسأل فقط هل كان الأب محقا في حماية ابنه؟ بل علينا أن نسأل أيضا: متى تتحول الحماية إلى تواطؤ؟ ومتى يصبح الحب وسيلة نهرب بها من مواجهة الحقيقة؟
لكن الحقيقة أن الإنسان لا يخرج من محنته كما دخلها. قد يخسر بعض يقينه بنفسه وقد يكتشف أن مبادئه أقل صلابة مما ظن أو أن ثمن التمسك بها أكبر مما كان مستعدا لدفعه. لكن النضج الحقيقي يبدأ حين يتوقف عن اختلاق الأعذار لنفسه ويعترف بما فعله ويتحمل مسؤوليته.
فالحياة لا تكشف لنا دائما من نكون حين نكون أقوياء بل تكشفنا حين نخاف وحين نحب وحين يصبح الصواب مؤلما. وعندها فقط نكتشف أن أصعب الانتصارات ليست انتصاراتنا على الآخرين بل انتصاراتنا على ذلك الصوت في داخلنا الذي يبرر لنا الخطأ لأننا نملك أسبابه.
في النهاية لا أحد يعرف على وجه اليقين ماذا سيفعل حين يجد نفسه في قلب المحنة لكننا نعرف أن لكل تنازل ثمنه، وأن أصعب ما قد يواجهه الإنسان ليس خسارة ما يحب بل خسارة نفسه وهو يحاول الاحتفاظ به.
أخيرا..
مَا قِيمَةُ النَّاسِ إِلَّا فِي مَبَادِئِهِمْ
لَا المَالُ يَبْقَى وَلَا الأَلْقَابُ وَالرُّتَبُ
و قيل:
أُجَامِلُ العَالَمَ عَلَى مَبْدَأَهُمْ
لَكِنْ لَا أُسَاوِمُهُمْ عَلَى مَبْدَايْ