ماجد السرحي
أنحازُ إلى «الغموض».. في الشعر وقصائد النثر ونصوص القصة والرواية، باحثاً عن العمق في ظلال الكلمات، ومزدرياً «في سرّي» في بعض الأحيان تلك النصوص التي تُلقي بأفكارها عارية ومباشرة.
في حكاية أوردها فرانسيس فوكوياما عن أكاديميين مغاربة يعتبرون «الوضوح» تهمة وسطحية، جعلتني أقف أمام تناقضاتي الخاصة وأتساءل: متى يكون الغموض سحراً فنياً، ومتى يتحول إلى عمق كاذب؟
في مساحات الفكر والتحليل (المقالة والبحث)، قد يتحول الغموض ليصبح قناعاً لغوياً أنيقاً يخفي خلفه هشاشة المعنى. فحين تتعقد العبارات وتتراكم المصطلحات دون حتمية تفرضها عتبة الفكرة، تتولد رصانة مفتعلة توحي بعمق غير موجود. هذا النوع من التعقيد يحول النص إلى متاهة مظلمة؛ يدخلها القارئ بحثاً عن معرفة ومعنى، فلا يجد سوى عناء التفكيك دون طائل. في مثل هذه السياقات، لا يكون الغموض سراً ممتعاً ينتظر الاكتشاف، ولكن ربما يصبح حجاباً يستر الفكرة أو ربما عدم وجود فكرة أصلاً، لذا في مقالات وأبحاث الفكر والتحليل تحديداً يصبح «الوضوح» قيمة معرفية أصيلة وشجاعة لابد منها.
وبمجرد العبور من نطاق الفكر والتحليل نحو الأدب والشعر، يتبدل وجه الغموض تماماً ليغدو أداة جمالية لا غنى عنها، فالنص الأدبي الواضح والمباشر، الذي يقدم فكرته سرداً تقريراً مباشراً، غالباً ما يُستهلك بسرعة دونما أن يترك أثراً، بينما النص الذي يكتسي بعتمة الغموض يستفز خيال القارئ ويستبقيه في الظلمة برهة من زمن، ليس بهدف الإخفاء والتعمية، بل هو دعوة للقارئ ليصبح شريكاً في إنتاج المعنى. الغموض يترك فراغاتٍ ليملأها المتلقي من روحه وتأويلاته وتحيزاته الخاصة. الإحساس بالجمال في هذه «العتمة» يكمن في متعة انقشاع الظلمة بإشراقة تأويل وبناء معنى، وكذلك في إبطاء وتيرة التلقي لنتذوق المعنى بتمهل، بدلاً من ابتلاعه دفعة واحدة، وهذا يكسر «قسوة» سرد الفكرة المباشرة ويمنح النص حياة تتجدد مع كل قراءة.
الأمر يتجاوز مجرد الرغبة في إمتاع القارئ؛ فهناك حتمية تفرضها طبيعة التجربة الإنسانية ذاتها. الأفكار والمشاعر ليست كلها قابلة للترجمة في لغة مباشرة: الأسئلة الوجودية الكبرى، تعقيدات الروح، التناقض وتشظي الذات، الحب، الجمال، الموت وهشاشة الإنسان.. كلها مناطق عصية على التعبير والقولبة.. فحين تحاول اللغة الإمساك بهذه الحالات المركبة، فإنها تجد نفسها مضطرة للجوء إلى المجاز والانزياح، وتدثر نفسها بشيء من العتمة. في هذه المساحات العميقة، تفرض الفكرة عتبة من الغموض لا يمكن، ولا ينبغي، التخلص منها؛ لأن «الوضوح» الساطع سيؤدي غالباً إلى تسطيح وتشويه الجوهر. الغموض هنا ليس ترفاً، بل هو الوعاء القادر على احتواء ما يفوق قدرة الكلمات على التعبير.
الخيط الرفيع الذي يفصل بين «العمق الكاذب» و»الغموض الجميل» يكمن في سياق النص وغايته.. في عالم الفكر والتحليل، «الوضوح» هو فضيلة المعرفة، و»الغموض» الذي لا مبرر له ليس سوى عجز أو خديعة.. أما في الفن والأدب، فالأمر يختلف؛ ليصبح الغموض مساحة للتنفس، ولغة للروح، وجسراً يربط بين تجربة الكاتب ومخيلة القارئ.
النص العظيم، ربما، هو ذلك الذي يمتلك وضوحاً في الرؤية، ولكنه يترك في تعبيره مسافة من العتمة الساحرة.. عتمة لا تجعل خطانا تضل، بل تمنحنا متعة إشعال قنديل خاص بنا لاكتشاف المعنى.