ناصر بن فريوان الشراري
لم تعد الحروب في الشرق الأوسط تُخاض بالصواريخ والطائرات وحدها، فهناك حرب أخرى أكثر خطورة، تُرسم فيها الخرائط قبل أن تتحرك الجيوش، وتُوزع فيها مناطق النفوذ قبل أن تصمت المدافع، حرب لا يكون السؤال فيها من ينتصر في الميدان، بل من يملك القلم الذي سيرسم مستقبل المنطقة، ومن يقرر مصير شعوبها، ومن يمنح نفسه الحق في تغيير ملامحها وفق مصالحه وأطماعه.
ثلاث قوى حضرت إلى مشهد الشرق الأوسط، لكل منها قلمها وخريطتها ومشروعها، إسرائيل التي لا تخفي طموحها إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها الأمنية والسياسية، وأمريكا التي ظلت لعقود تمسك بمفاتيح التوازنات الإقليمية وتمنح إسرائيل مكانة استثنائية في حساباتها، وإيران التي اختارت أن ترسم نفوذها عبر الميليشيات والجماعات المسلحة، وبين هذه المشاريع المتصارعة كانت هناك خريطة عربية مهددة بأن تتحول إلى مساحات نفوذ تتقاسمها مصالح الآخرين.
ولم تكن الخرائط الإسرائيلية مجرد تصورات يتداولها المحللون، فقد وقف بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة رافعًا خريطة لما سماه «الشرق الأوسط الجديد»، في مشهد يعكس كيف تنظر إسرائيل إلى مستقبل المنطقة من زاوية مشروعها الخاص، بينما ظلت واشنطن حاضرة بثقلها السياسي والعسكري في رسم توازناتها، أما إيران فقد امتدت خطوط نفوذها عبر أذرعها المسلحة في لبنان والعراق واليمن، حتى أصبحت بعض العواصم العربية تدفع أثمان صراعات لم تخترها، وقرارات لا تصنعها.
غير أن ما غاب عن حسابات رسامي تلك الخرائط هو أن الرياض كانت تقرأ المشهد مبكرًا، وتدرك أن أخطر ما يواجه الشرق الأوسط ليس مجرد صراع على النفوذ، بل محاولة تحويل دوله إلى أطراف تتلقى نتائج المعادلات التي يصنعها الآخرون، ومن هنا برزت الرؤية السعودية بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، التي انطلقت من قناعة بأن مستقبل المنطقة لا ينبغي أن يبقى مرهونًا بمشاريع خارجية أو أطماع إقليمية، وأن الدول العربية والإسلامية قادرة على صناعة توازناتها متى امتلكت الإرادة وجمعت عناصر قوتها.
ولم تكن القراءة السعودية للمشهد منفصلة عن إدراك طبيعة التهديدات التي تحيط بالمنطقة، فقد أدركت الرياض أن المشاريع المتنافسة، مهما اختلفت أهدافها وتناقضت مصالحها، قد تلتقي نتائجها عند إضعاف الدولة الوطنية وإبقاء الشرق الأوسط ساحة مفتوحة للصراعات، وأن مواجهة هذا الواقع لا تكون بالاكتفاء برفض الخرائط التي يرسمها الآخرون، بل بامتلاك القدرة السياسية والإستراتيجية على رسم خريطة بديلة، تحفظ سيادة الدول وتعيد القرار إلى أصحابه.
وكان اليمن أحد أكثر ميادين هذه المعركة وضوحًا، حيث تحولت الميليشيا الحوثية المدعومة من إيران إلى أداة تهدد الأمن السعودي والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي، ولم تعد الاعتداءات الحوثية مجرد مواجهة عسكرية على الحدود، بل أصبحت امتدادًا لصراع أوسع على موازين القوة في المنطقة، فكل محاولة لإرباك المملكة أو استنزاف قدراتها تصب في مصلحة من يريد شرق أوسط منشغلًا بأزماته، عاجزًا عن بناء منظومة أمنية مستقلة تحمي مصالحه.
وهنا تتضح أهمية الموقف السعودي، فالمملكة التي تقود مشروعًا تنمويًا وتحولًا اقتصاديًا كبيرًا لم تسمح للتهديدات بأن تفرض عليها أولوياتها أو تعطل رؤيتها، بل تعاملت معها من موقع الدولة الواثقة بقدراتها، التي تدرك أن حماية مكتسباتها لا تنفصل عن بناء بيئة إقليمية مستقرة، وأن الردع الحقيقي لا يقتصر على امتلاك القوة العسكرية، بل يمتد إلى بناء شبكة من المصالح والشراكات القادرة على تغيير حسابات القوى التي تراهن على الفوضى.
ومن هذه النقطة تحديدًا بدأت الرياض تنقل المعركة من مواجهة أدوات العبث إلى إعادة ترتيب موازين المنطقة، فلم تكتفِ بكشف اتجاهات المشاريع المتنافسة أو التصدي لتداعياتها، بل تحركت نحو جمع القوى الإقليمية المؤثرة حول مصلحة استراتيجية مشتركة، فكانت إسلام آباد وأنقرة، ثم القاهرة، في مشهد يعكس تنامي الإدراك بأن مستقبل الشرق الأوسط لا يجوز أن يبقى خاضعًا لإرادة القوى التي تتنافس على إعادة تشكيله.
ولم يكن التقارب مع باكستان وتركيا مجرد إضافة إلى العلاقات الثنائية التقليدية، فإسلام آباد تمتلك ثقلًا عسكريًا وقدرات استراتيجية وعلاقات تاريخية عميقة مع المملكة، وأنقرة تحمل خبرة عسكرية وصناعة دفاعية متقدمة وحضورًا سياسيًا مؤثرًا، وعندما تلتقي هذه القدرات مع الثقل السعودي الديني والاقتصادي والسياسي، فإن المنطقة تصبح أمام معادلة أكثر قدرة على حماية مصالحها وردع التهديدات التي تستهدف استقرارها.
ثم جاءت القاهرة لتمنح هذا التقارب عمقه العربي، فمصر بما تمثله من ثقل سياسي وعسكري وموقع استراتيجي يدرك أهمية أمن البحر الأحمر والممرات البحرية، تشترك مع الرياض في مصلحة أساسية عنوانها حماية الدولة الوطنية ورفض تحويل المنطقة إلى ساحات للصراع بالوكالة، وهكذا أخذ التقارب بين السعودية وباكستان وتركيا ومصر يفتح أفقًا لتنسيق إقليمي أوسع، تتكامل فيه عناصر القوة وتتقدم فيه المصالح المشتركة على حسابات التباعد والاختلاف.
ولعل أهم ما يميز هذا التحرك أنه لا يقوم على البحث عن حرب جديدة، ولا على استبدال هيمنة بهيمنة أخرى، بل على إعادة الاعتبار إلى حق دول المنطقة في تقرير مستقبلها، فالسعودية التي حافظت على علاقاتها الدولية ومصالحها الاستراتيجية لم تجعل من تلك العلاقات تنازلًا عن استقلال قرارها، كما أن مواجهتها للنفوذ الإيراني لم تمنعها من إبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة، وهو ما يعكس رؤية تدرك أن القوة ليست في كثرة الخصومات، بل في القدرة على إدارة التوازنات وتوسيع مساحات التأثير.
لقد كان الرهان لدى القوى الطامحة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط أن تبقى دول المنطقة متفرقة، تنشغل كل عاصمة بتهديداتها الخاصة، حتى يسهل التعامل معها منفردة، لكن التحرك السعودي حمل اتجاهًا مختلفًا، يقوم على جمع عناصر القوة الإقليمية حول إدراك مشترك بأن أمن المنطقة لا يمكن تجزئته، وأن الدول القادرة على التأثير في مستقبلها يجب أن تكون حاضرة على الطاولة التي تُرسم فوقها خرائط الغد.
وهنا تكمن المفارقة التي ربما لم يحسب لها رسامو الخرائط حسابًا، فقد أراد بعضهم شرق أوسط تتفرق فيه العواصم حتى يسهل التحكم بمصائرها، فإذا بالتحديات نفسها تدفع الرياض وإسلام آباد وأنقرة والقاهرة إلى الاقتراب من بعضها، وإذا بالخريطة التي كان يُراد لها أن تكون أداة لتوزيع النفوذ تتحول إلى دافع لتقارب القوى القادرة على حماية توازنات المنطقة.
لقد اعتادت المنطقة طويلًا أن تُكتب خرائطها في عواصم بعيدة، وأن تدفع شعوبها ثمن خطوط ترسمها مصالح الآخرين، لكن ما يجري اليوم يحمل ملامح تحول يستحق التأمل، فالمملكة التي قرأت مبكرًا اتجاهات المشاريع المتنافسة لم تكتفِ بحماية حدودها والتصدي للتهديدات، بل مضت بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- نحو بناء توازن إقليمي جديد، يجمع حول الرياض قوى تدرك أن استقرار الشرق الأوسط يبدأ من احترام سيادة دوله، وأن الثقل السعودي بات ركيزة أساسية في أي معادلة قادرة على ردع التهديدات وإحباط محاولات فرض خرائط جديدة على المنطقة.
وفي نهاية هذه المعركة لن يكون المنتصر بالضرورة من امتلك الصاروخ الأطول مدى، ولا من رفع خريطته أمام كاميرات العالم، بل من امتلك الرؤية التي تسبق الحدث، والإرادة التي تجمع الشركاء، والقدرة على تحويل التحديات إلى توازنات جديدة، وهذا ما يمنح التحرك السعودي أهميته، فقد انشغل الآخرون برسم خرائط الشرق الأوسط وفق مصالحهم، بينما انشغلت الرياض بجمع أصحاب الأرض حول الطاولة التي ينبغي أن يُرسم عليها مستقبلهم.
فالمعركة لم تعد على من يرسم حدود النفوذ في الشرق الأوسط، بل على من يملك حق رسم مستقبله، والرياض التي قرأت الخريطة قبل أن يكتمل رسمها، لم تنتظر قلمًا يُمنح لها، بل أمسكت بقلمها، ومدت يدها إلى شركائها، لتقول إن هذه المنطقة ليست صفحة بيضاء في دفاتر الآخرين، وإن مستقبلها لا يُرسم إلا بإرادة أهلها.