د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
يؤكد الواقع الحالي لأسواق الطاقة أن النفط سيحتفظ بمركز الثقل والصدارة لعقود في مزيج الطاقة العالمي بحصة تقارب 30 % لعقود مقبلة، مدفوعاً بمحدودية نمو الطاقة المتجددة وعجزها عن تحقيق نسب النمو المستهدفة عالمياً، هذا إلى جانب محدودية أماكن الإنتاج بعد نضوب أماكن كثيرة، مع محدودية الاكتشافات الجديدة نتيجة محدودية الاستثمارات المتجهة للاستثمار في الطاقة المتجددة، ستظل السعودية ستظل السعودية المركز الرئيسي العالمي للطاقة.
من المتوقع أن تنمو القدرة العالمية للطاقة المتجددة بمقدار 2.7 ضعف بحلول 2030 متجاوزة الطموحات الحالية للدول بنحو 25 %، لكنها تظل أقل من هدف مضاعفة القدرة ثلاث مرات، وقد لعبت سياسات المناخ وأمن الطاقة في قرابة 140 دولة دوراً جوهرياً في جعل الطاقة المتجددة منافسة من حيث التكلفة لمحطات توليد الطاقة المعتمدة على الوقود الأحفوري.
يمكن أن تصل قدرات الطاقة المتجددة إلى نحو 940 جيجاوات سنوياً بحلول عام 2030 وتستحوذ تقنيات الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح معاً على 95 % من إجمالي نمو قدرات الطاقة المتجددة حتى نهاية العقد مرتفعة بإضافة 5500 جيجاوات حيز التشغيل بحلول 2030، تستند توقعات 2030 إلى محركين رئيسيين الطاقة الشمسية الكهروضوئية والصين التي تستحوذ على 60 % من إجمالي التوسع في القدرات العالمية حتى 2030، أي تضاعفت القدرة التراكمية للطاقة الشمسية الكهروضوئية في الصين قرابة أربع مرات، بينما تضاعفت قدرة طاقة الرياح مرتين، مدفوعة بالتنافسية في التكلفة والسياسات الداعمة.
من المتوقع ألا يمثل الهيدروجين المنتج من مصادر متجددة سوى 4 % من إجمالي إنتاج الهيدروجين بحلول 2030، ويتوقع أن يسهم 43 جيجاوات فقط من قدرات الطاقة المتجددة، وهو يمثل أقل من 1 % من التوسع العالمي في قدرات الطاقة المتجددة.
ووفق سيناريو التسريع تبلغ القدرة العالمية للطاقة المتجددة نحو 11 ألف جيجاوات بحلول 2030 ستساهم الصين والهند والولايات المتحدة وأوروبا بـ80 % من إجمالي القدرة العالمية.
تؤدي تكاليف التمويل المرتفعة إلى تقليل الجاذبية الاقتصادية للطاقة المتجددة في معظم الاقتصادات العالمية، ومن التحديات الرئيسية ضعف البنية التحتية للشبكات، وغياب الرؤية الواضحة.
العالم قلق من تركز أماكن النفط وإنتاجه بشكل رئيسي في منطقة الشرق الأوسط بحلول 2050 التي ستشهد قفزة كبيرة في حصتها من الإنتاج العالمي لتصل إلى أكثر من 40 % وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، بسبب نفاذ الاحتياطيات في الحقول التقليدية الصغيرة والتحول نحو الاستخراج المتقدمة، ستنحصر معظم الإمدادات العالمية المتبقية والمستقبلية في عدد محدد من المناطق والدول الكبرى.
رغم زيادة التكنولوجيا المستخدمة في توليد الطاقة من مصادر بديلة للنفط، فما زال الاعتماد على النفط يمثل 80 % عالمياً، وكل ذلك يؤكد أن العالم كله وليس السعودية فقط لا يمكنه الاستغناء عن النفط في الأمد المنظور، بسبب أن الطاقة المتجددة حالياً تشكل ما يقارب 15 % إلى 16 % من إجمالي إمداد الطاقة العالمية، قرابة 692 جيجاوات لعام 2025 بزيادة 15.5 % عن عام 2024، وتصل إلى 20 % إذا أضيفت إليها الطاقة النووية كمصادر منخفضة الكربون.
رغم ذلك نتيجة النمو السكاني والاقتصادي زاد الإنتاج من 60 مليون برميل يومياً إلى 76 مليون برميل يومياً عام 2020 ونحو 84 مليون برميل يومياً عام 2025، ووفق تقديرات أوبك سيرتفع عام 2040 إلى أكثر من 120 مليون برميل يومياً، ووفق سيناريو وكالة الطاقة يبلغ الإنتاج نحو 113 مليون برميل يومياً، فيما إنتاج الولايات المتحدة الصخري وصل إلى ذروته في عام 2025 عند مستوى يزيد قليلاً عن 9 ملايين برميل يومياً.
لذلك تشكل إمدادات الطاقة وأمن الممرات أحد أبرز محاور التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، حيث يسعى كلا البلدين لتأمين احتياجاتهما المستقبلية وضمان تدفق النفط، لا سيما عبر المضائق الاستراتيجية مثل هرمز وباب المندب، في ظل التنافس على النفوذ في مناطق الغنية بالثروات مثل فنزويلا، فتسعى عبر شركاتها مثل Chevron للحفاظ على موطئ قدم لتأمين احتياجاتها وضمان عدم وقوع الاحتياطيات بالكامل تحت نفوذ خصومها، الصين وروسيا، من الاستحواذ على هذا الاحتياطي الضخم، خصوصاً بعدما اعتبرت الصين فنزويلا شريكاً استراتيجياً وقدمت لها قروضاً ضخمة مقابل النفط، وتعتمد عليها لتنويع مصادر إمداداتها بعيداً عن الشرق الأوسط.
القلق الحالي لا يتمحور فقط حول نفاد النفط فجأة بقدر ما يتعلق بأمن الإمدادات وتكلفة الاستخراج بالإضافة إلى الصراع على قيادة مرحلة التحول الطاقي نحو الطاقة المتجددة والهيدروجين، فأمريكا تتجه لتشكيل تحالفات بحرية في البحر الأحمر والخليج العربي، والصين تتجه لتأمين الطاقة عبر مبادرة الحزام والطريق، وأسست قاعدتها العسكرية الأولى في جيبوتي القريبة من باب المندب لحماية سفنها.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقاً