استمعتُ باهتمام إلى حديث الدكتور محمد السقاف، رئيس جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، خلال مشاركته في مؤتمر البترول العالمي للطاقة بنسخته الخامسة والعشرين الذي استضافته الرياض مؤخرًا، حين تناول مستقبل الجامعات ودور البحث العلمي في تحقيق الأثر، مشيرًا إلى أهمية ألا تتحول المنشورات العلمية والاستشهادات والتصنيفات إلى غايات في ذاتها، وأن تتجه الجهود البحثية نحو إحداث أثر ملموس في حياة الإنسان. ولا شك أن تعزيز إسهام الجامعات في التنمية والابتكار توجه مهم يستحق الدعم، غير أن هذا الحديث أثار لدي تساؤلًا يتجاوز مسألة الأثر إلى فلسفة البحث العلمي ذاتها: هل يمكن اختزال البحث العلمي الجامعي، بكل امتداداته المعرفية وتخصصاته ومساراته، في قدرته على إنتاج تطبيق عملي أو معالجة مشكلة قائمة؟
إن البحث العلمي بحر واسع من المعرفة الإنسانية، لا يمكن حصره في غاية واحدة أو إخضاعه لمنطق واحد مهما بلغت أهمية تلك الغاية. فالبحث العلمي ليس مجرد نشاط يستهدف ابتكار منتج، أو تطوير تقنية، أو تحسين عملية صناعية، أو تحقيق عائد اقتصادي؛ بل هو في جوهره مسعى إنساني منظم لاكتشاف المجهول، وفهم الظواهر، وتفسير العلاقات، وتطوير النظريات، وتوسيع حدود المعرفة. وقد يقود إلى تطبيق مباشر، وقد يفتح آفاقًا بحثية جديدة، وقد يظل لعقود طويلة معرفة نظرية تتراكم فوقها اكتشافات أخرى، دون أن ينتقص ذلك من قيمته أو أصالته العلمية.
ولعل من أهم ما يميز البحث العلمي الجامعي طبيعته التراكمية؛ فالمعرفة الإنسانية لا تُبنى بالضرورة من خلال اكتشافات كبرى يقدمها باحث واحد، وإنما عبر إسهامات علمية متتابعة، قد يبدو بعضها محدودًا عند النظر إليه منفردًا، لكنه يمثل جزءًا من منظومة معرفية شديدة التعقيد. فقد يقضي باحث سنوات في دراسة ظاهرة فيزيائية دقيقة، أو تطوير نموذج رياضي، أو اختبار فرضية علمية، ثم ينشر نتائج عمله ليأتي باحث آخر ويبني عليها، وثالث يوسع نطاقها، ورابع يوظفها في سياق مختلف، حتى تتشكل عبر السنوات والعقود معرفة قد تقود في نهاية المطاف إلى تحول علمي أو تقني واسع. وليس مطلوبًا من الباحث الأول أن يتنبأ بذلك التحول، أو أن يقدم منتجًا نهائيًا حتى نقر بقيمة إسهامه.
يقدم تاريخ العلم شواهد واضحة على هذه الطبيعة التراكمية. فالدراسات النظرية للكهرباء والمغناطيسية لم تبدأ بوصفها مشروعات تجارية لتطوير وسائل الاتصال، كما أن كثيرًا من المفاهيم الرياضية التي بدت مجردة عند نشأتها أصبحت لاحقًا جزءًا من الأسس العلمية للتشفير والحوسبة والتقنيات الحديثة. ولو خضعت تلك الأبحاث منذ بداياتها لشرط المنفعة التطبيقية المباشرة، فكم من مسار معرفي كان يمكن أن يتعثر قبل أن تتضح أهميته؟
ومن هنا، ينبغي التمييز بين إنتاج المعرفة العلمية وتوظيفها، دون إقامة قطيعة بينهما. فالبحث الأساسي يهدف إلى توسيع المعرفة وفهم الظواهر دون اشتراط تطبيق محدد، بينما يتجه البحث التطبيقي إلى معالجة مسائل أو تحقيق أهداف عملية، ويستفيد التطوير التجريبي من المعرفة المتاحة لإنتاج تقنيات أو عمليات جديدة وتحسين القائم منها. وهذه المسارات جميعها مهمة ومتكاملة، وقد تتداخل وتتبادل التأثير، لكنها لا تتطابق في أهدافها أو منهجياتها أو طبيعة مخرجاتها. وهو تمييز تقره أيضًا المرجعيات الدولية، ومنها دليل «فراسكاتي» الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وإذا كان من الطبيعي أن ترتبط أولويات البحث والتطوير في الشركات باحتياجات الأسواق والصناعة وفرص الاستثمار، فإن للجامعات رسالة أوسع لا ينبغي أن تخضع بالكامل لهذا المنطق. فالجامعة ليست مجرد مؤسسة لتطوير المنتجات أو تقديم الحلول الفنية للقطاعات الاقتصادية، وإنما هي مؤسسة معرفية وتعليمية وبحثية، تضطلع بمسؤولية إنتاج المعرفة وحفظها ونقدها وتطويرها ونقلها بين الأجيال. ومن واجبها أن تحتضن الأبحاث الأساسية والتطبيقية معًا، وأن تتيح للباحثين مساحة للاستكشاف العلمي، حتى عندما لا تكون النتائج المتوقعة قابلة للقياس التجاري أو التوظيف المباشر.
ثمة بُعد آخر لا يكتمل الحديث عن البحث العلمي الجامعي دون التوقف عنده، وهو علاقته العضوية بالدراسات العليا. فمن الصعوبة بمكان الفصل بين البحث العلمي وبرامج الماجستير البحثية والدكتوراه، ذلك أن هذه البرامج ليست مجرد مراحل تعليمية متقدمة تمنح في نهايتها درجات أكاديمية، وإنما هي من أهم البيئات التي تُنتج فيها المعرفة العلمية الجديدة، ويُعد فيها الباحثون الذين سيواصلون مسيرة الاكتشاف والتطوير في المستقبل.
فطالب الدراسات العليا، ولا سيما طالب الدكتوراه، لا يكتفي بتلقي المعرفة الموجودة، بل ينتقل تدريجيًا إلى الإسهام في إنتاجها. يبدأ بسؤال علمي أو فرضية بحثية، ثم ينخرط في مراجعة الأدبيات العلمية وتصميم التجارب وتطوير النماذج وتحليل النتائج ومناقشتها، وصولًا إلى إضافة معرفية أصيلة يقدمها للمجتمع العلمي. وفي هذه الرحلة، لا يكون الطالب مجرد متلقٍّ للتعليم، بل باحثًا شابًا يسهم بجهده وطموحه في تحريك عجلة البحث العلمي، تحت إشراف أساتذته وضمن فرق بحثية تتكامل فيها الخبرات والأدوار.
ولعل تجربة الجامعات البحثية الأمريكية تقدم نموذجًا واضحًا لهذه العلاقة الوثيقة. فجزء أساسي من النشاط البحثي في كثير من الجامعات الأمريكية يقوم على منظومة متكاملة تضم أعضاء هيئة التدريس وطلبة الدراسات العليا وباحثي ما بعد الدكتوراه. يقود الأستاذ المشروعات البحثية ويوجهها علميًا، بينما يشارك طلبة الماجستير البحثي والدكتوراه في تنفيذ التجارب وتطوير النماذج وتحليل البيانات وإعداد المنشورات العلمية، ويؤدي باحثو ما بعد الدكتوراه أدوارًا متقدمة في قيادة أجزاء من تلك المشروعات وتطوير مساراتها.
ولا يُنظر إلى هؤلاء الطلبة باعتبارهم مستفيدين من المشروعات البحثية فحسب، بل باعتبارهم أحد أهم محركاتها البشرية والمعرفية. وتشير بيانات المركز الوطني لإحصاءات العلوم والهندسة التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية إلى أن المساعدات البحثية أو برامج التدريب البحثي كانت المصدر الرئيسي لتمويل الدراسة لدى نحو 61 % من الحاصلين على الدكتوراه في الهندسة عام 2024. وهذه دلالة مهمة على أن البحث العلمي والدراسات العليا في النموذج الأمريكي ليسا نشاطين متوازيين، بل مساران متداخلان في التأهيل والإنتاج المعرفي.
من خلال هذا التكامل، تصبح الرسائل العلمية والمشروعات البحثية أجزاء مترابطة من حركة علمية مستمرة؛ فقد يبني طالب دكتوراه بحثه على نتائج سبق أن توصل إليها طالب آخر، ثم يأتي من بعدهما باحث جديد ليتوسع في النتائج أو يختبرها في ظروف مختلفة. وهكذا تتراكم المعرفة داخل المختبرات والمجموعات البحثية، وتتواصل عبر أجيال من الطلبة والباحثين، حتى بعد تخرج أصحاب الإسهامات الأولى وانتقالهم إلى جامعات أو مؤسسات أخرى.
وهنا تتجلى وظيفة لا تقل أهمية عن مخرجات البحث المباشرة، وهي أن الجامعة لا تنتج المعرفة فحسب، بل تنتج أيضًا العلماء والباحثين القادرين على مواصلة إنتاجها. فخريج الدكتوراه الذي أمضى سنوات في دراسة مسألة علمية دقيقة، واكتسب خلالها القدرة على صياغة الأسئلة وتطوير المنهجيات والنقد والتحليل، يمثل في ذاته استثمارًا معرفيًا طويل الأمد، قد تمتد آثاره إلى عشرات الأبحاث والمشروعات التي سيشارك فيها أو يقودها خلال حياته العلمية.
فكيف يمكن، والحال كذلك، أن نقيس القيمة الكاملة لهذا النشاط بمنفعة تطبيقية مباشرة أو منتج تجاري محدد؟ إن مثل هذا القياس قد يغفل جانبًا أصيلًا من رسالة الجامعات، يتمثل في بناء الأجيال العلمية التي ستنتج معارف المستقبل. فالرسالة الجامعية البحثية لا تنتهي عند مخرجات المشروع، بل تمتد إلى الإنسان الذي أسهم في إنجازه، وما اكتسبه من قدرات تؤهله لمواصلة البحث والاكتشاف.
ولا يعني ذلك بأي حال التقليل من شأن الابتكار وريادة الأعمال ونقل التقنية، فهي مسارات مهمة لتعظيم الاستفادة من المعرفة العلمية، ويمكن للجامعات أن تؤدي فيها دورًا محوريًا. لكن الإشكالية تظهر عندما تتحول هذه المسارات، من مكونات ضمن منظومة بحثية متكاملة، إلى الغاية التي يُعاد على أساسها تعريف البحث العلمي كله. فليس كل بحث معنيًا بحل مشكلة صناعية، وليس كل اكتشاف مطالبًا بأن يتحول إلى منتج، كما أن القيمة العلمية لا تبدأ من السوق، ولا تنتهي عند حدود الجدوى الاقتصادية.
في هذا السياق، أرى أن من المهم أيضًا إنصاف النشر العلمي والاستشهادات البحثية، وعدم التعامل معها وكأنها مجرد أرقام لا تعكس قيمة معرفية حقيقية. فالنشر في المجلات العلمية المحكمة يمثل إحدى أهم وسائل توثيق المعرفة الجديدة وإخضاعها للتقييم والنقد وإتاحتها للمجتمع العلمي. كما أن عدد المنشورات العلمية، عند النظر إلى جودتها وأصالتها، يقدم مؤشرًا مهمًا على الإنتاجية البحثية واستمرارية الإسهام المعرفي. أما الاستشهادات العلمية، فتكتسب أهميتها من كونها تعكس مدى حضور البحث في الأدبيات العلمية واستفادة الباحثين الآخرين منه أو مناقشتهم لنتائجه، وهي بذلك مؤشر معتبر على التأثير العلمي، وإن كانت دلالتها تتطلب مراعاة طبيعة التخصص والسياق البحثي.
فحين ينشر باحث دراسة علمية، ثم يستشهد بها عشرات أو مئات الباحثين في أعمالهم اللاحقة، فإننا أمام صورة من صور الأثر العلمي تستحق التقدير. لقد أصبحت المعرفة التي أنتجها ذلك الباحث جزءًا من البناء المعرفي الذي يستند إليه الآخرون، وأسهمت في توجيه دراسات جديدة أو تطوير نماذج ونظريات لاحقة. فهل يصبح هذا الأثر أقل أهمية لمجرد أنه لم يتحول إلى منتج تجاري أو براءة اختراع؟ إن مثل هذا التصور يضيّق معنى الأثر بدلًا من توسيعه، ويتجاهل أن التأثير في مسار المعرفة الإنسانية إنجاز علمي أصيل في حد ذاته.
ولذلك، فإن النقاش حول جودة البحث العلمي لا ينبغي أن يتحول إلى مفاضلة مبسطة بين عدد المنشورات من جهة، وعدد المنتجات والابتكارات من جهة أخرى. فهذه مؤشرات تقيس أبعادًا مختلفة من النشاط العلمي، ولا يصح أن يلغي أحدها الآخر. وقد يكون الباحث متميزًا في إنتاج المعرفة الأساسية، وآخر متميزًا في تطوير التطبيقات، وثالث قادرًا على الربط بين المسارين. والجامعة الرائدة هي التي تستوعب هذا التنوع وتستثمر فيه، لا التي تفرض نموذجًا واحدًا للتميز البحثي على جميع التخصصات والباحثين.
وهنا تبرز مسؤولية الجامعات في بناء سياسات بحثية متوازنة، تحمي البحث الأساسي وتشجع البحث التطبيقي، وتدعم النشر العلمي الرصين وتطوير التقنيات، وتقدر الإسهامات المعرفية إلى جانب الإسهامات الاقتصادية والمجتمعية. كما تبرز ضرورة تعزيز برامج الدراسات العليا البحثية، وتوفير التمويل المستدام لطلبتها، وتمكينهم من العمل ضمن مجموعات بحثية منتجة، وربط مساراتهم العلمية بمشروعات ممتدة تتيح لهم الإسهام في بناء المعرفة، لا الاكتفاء بتنفيذ مهام قصيرة الأجل تفرضها متطلبات مشروع تطبيقي محدد.
إن الاستثمار في البحث العلمي الجامعي ليس استثمارًا في نتائج نعرفها مسبقًا، بل هو في جانب كبير منه استثمار في احتمالات المعرفة المستقبلية، وفي العقول التي ستنتج تلك المعرفة. ونحن حين ندعم باحثًا شابًا يسعى إلى فهم ظاهرة لم تتضح تطبيقاتها، فإننا لا نمول نشاطًا بعيدًا عن احتياجات المجتمع بالضرورة، وإنما نسهم في بناء رصيد معرفي وبشري قد تستفيد منه أجيال قادمة بطرق لا يمكننا التنبؤ بها اليوم.
ومع ما نشهده في المملكة من استثمارات متنامية في البحث والتطوير والابتكار، تزداد أهمية المحافظة على هذا الفهم الشامل لرسالة الجامعات. فطموحنا الوطني إلى اقتصاد قائم على المعرفة لا يتحقق بالاكتفاء بتوظيف المعرفة المتاحة، بل يتطلب أيضًا الإسهام في إنتاج معرفة جديدة وأصيلة، وبناء أجيال من الباحثين المؤهلين للمشاركة في تطويرها. ومن هنا، فإن قوة الجامعات البحثية لا تقاس بما تنتجه مختبراتها من تقنيات وتطبيقات فحسب، بل كذلك بعمق برامج الدراسات العليا فيها، وجودة أبحاثها المنشورة، وتأثيرها العلمي، وقدرتها على تخريج باحثين يواصلون إضافة المعرفة إلى رصيد العلم الإنساني.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يوجه سياساتنا البحثية ليس فقط: ما المشكلات التي استطاعت أبحاثنا حلها اليوم؟ بل أيضًا: ما المعرفة الجديدة التي أضافتها جامعاتنا؟ وما المسارات العلمية التي فتحتها أمام الباحثين؟ وكم من باحث شاب أسهمت في تأهيله ليكون جزءًا من حركة الاكتشاف العلمي مستقبلًا؟.
إن الدعوة إلى تعزيز أثر البحث العلمي دعوة مشروعة ومهمة، لكنها ينبغي أن تنطلق من فهم رحب للعلم، لا من حصره في أحد مساراته. فالأثر الاقتصادي والتقني والمجتمعي ثمرة مهمة من ثمار البحث، لكنه ليس المعيار الوحيد لقيمته، ولا الغاية الحصرية التي ينبغي أن تحكم كل سؤال علمي. وإذا كان من حق المجتمع أن ينتظر من جامعاته الإسهام في تنميته، فإن من واجب الجامعات أيضًا أن تحافظ على رسالتها في إنتاج المعرفة وتأهيل العلماء، حتى عندما يتأخر ظهور الثمار التطبيقية.
فالبحث العلمي أوسع من أن يُختزل في منتج، وأعمق من أن تُقاس قيمته بمنفعة آنية، وأبعد أثرًا من أن تحده احتياجات السوق الراهنة. وإذا كانت التطبيقات والابتكارات بعض ثمار المعرفة، فإن الجامعات هي الحاضنة لجذورها، وطلبة الدراسات العليا من أهم من يرعون نموها ويواصلون امتدادها عبر الأجيال. ومن الخطأ أن ننشغل بعدّ الثمار حتى نغفل عن قيمة الجذور والعقول التي تنميها.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري