د.عبدالله الفايز
الحروب العالمية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا تثير الاهتمام والريبة مما إذا كان هناك تنسيق واتفاق ضمني على السيطرة على العالم. هل تدير واشنطن وموسكو حروب العالم من خلف الستار؟ تزامن الحروب يفتح باب أخطر الأسئلة. وأكثر الملاحظات إثارة للاهتمام تتابع وتزامن الأخبار المتعلقة بالتصعيد والتهدئة في مناطق مختلفة. فقد يتراجع التصعيد في الشرق الأوسط أو تدخل المفاوضات مرحلة جديدة، بينما تتصدر التطورات العسكرية في أوكرانيا عناوين الأخبار. في أوقات أخرى، ينشغل العالم بتصعيد في منطقة، ثم تظهر تحركات في منطقة أخرى تتطلب اهتمامًا دوليًا واسعًا. هل هذا مجرد تزامن؟ أم أن وراءه حسابات إستراتيجية أعمق؟ هل هناك تنسيق، من فهم جانب مهم من سلوك الدول. ما يثير الانتباه هو أننا عندما نسمع عن توقف تحركات أمريكا وخاصة حربها مع إيران يعقبه مباشرة أخبار حرب روسيا وأوكرانيا وهو منظر يتكرر للسنوات الخمس الماضية وبتبادل مستمر. ماذا لو لم تكن الحروب التي يشهدها العالم اليوم أحداثًا منفصلة تمامًا كما تبدو لنا؟ وماذا لو كانت بعض التحركات العسكرية والسياسية، التي نتابعها يومًا بعد يوم، أجزاءً من لعبة إستراتيجية أكبر، تتنافس فيها القوى الكبرى وهي الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، على النفوذ والثروات والممرات الحيوية، بينما تحاول كل قوة تثبيت مواقعها قبل أن يفرض لاعبون جدد مثل الصين، أنفسهم على النظام العالمي؟ وهل يمكن أن يكون التنافس الظاهر بين الولايات المتحدة وروسيا مصحوبًا، في بعض الملفات، بتفاهمات ضمنية أو حسابات متبادلة لا يعرف عنها الرأي العام شيئًا؟
هذه أسئلة قد تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى نظريات المؤامرة، لكنها تستحق النقاش حين نضعها في سياق تاريخ طويل من صفقات القوى الكبرى، والتفاهمات السرية، وتوزيع مناطق النفوذ، واستخدام الحروب وسيلةً لإعادة تشكيل التوازنات الدولية. غير أن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هناك مؤامرة عالمية بالمعنى الشائع، بل ما إذا كانت القوى الكبرى تتصرف أحيانًا وفق قواعد غير معلنة، تجعل الصراع الظاهر أكثر تعقيدًا مما نراه على شاشات الأخبار. هل هي حروب متباعدة أم مسرح إستراتيجي واحد؟ فخلال السنوات الماضية، أصبح المشهد الدولي أشبه برقعة شطرنج تتوزع يلعبها ويتقاسمها دولتان، أمريكا تسيطر على الشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية. وروسيا تسيطر على شرق أوروبا وشمال آسيا ومن خلال الحرب الروسية في أوكرانيا، والتوترات الأمريكية - الإيرانية، والصراع حول النفوذ في الشرق الأوسط، والتنافس على تايوان، والتوتر في شبه الجزيرة الكورية، والتحركات الأمريكية في أمريكا اللاتينية؛ كلها أحداث تبدو منفصلة جغرافيًا، لكنها تتقاطع في مسألة واحدة: من يمتلك القدرة على رسم قواعد النظام العالمي في العقود المقبلة؟ ما يثير الانتباه هو أن القوى الكبرى لا تتحرك في فراغ. فعندما تنشغل دولة بأزمة عسكرية أو سياسية كبيرة، تصبح مواردها واهتماماتها وطاقتها الدبلوماسية موزعة على جبهات متعددة. وهنا قد تجد دولة منافسة فرصة لتوسيع نفوذها، أو اختبار حدود خصمها، أو فرض واقع جديد قبل أن يستعيد ذلك الخصم كامل قدرته على الاستجابة.
من هذا المنطلق، يمكن طرح فرضية تستحق الدراسة: هل هناك اتفاق ضمني وغير معلن لتستفيد واشنطن وموسكو، كل بطريقتها، من انشغال الأخرى في جبهة معينة، حتى لو لم يكن بينهما اتفاق مباشر؟ وهل يمكن أن يتحول هذا الاستغلال المتبادل للفرص، بمرور الوقت، إلى نمط من التعايش الإستراتيجي الذي يسمح لكل طرف بمواصلة أهدافه في بعض المناطق، ما دامت مصالح الطرف الآخر الأساسية غير مهددة بصورة مباشرة؟ إن مثل هذا الاحتمال لا يتطلب بالضرورة اجتماعًا سريًا أو وثيقة تحمل توقيع الطرفين. فقد تنشأ تفاهمات ضمنية من خلال معرفة كل طرف بالخطوط التي لا يرغب الآخر في تجاوزها، أو من خلال رسائل دبلوماسية وعسكرية متبادلة، أو من خلال تجنب التصعيد في لحظات معينة. لكن وجود هذه الآليات العامة لا يثبت أن واشنطن وموسكو تتقاسمان الحروب أو تديرانها بصورة مشتركة؛ بل يفتح بابًا لتحليل العلاقة بين التنافس والتفاهم في السياسة الدولية.
إن التوقيت لتوقف وبدء كل منهما في الحروب يستحق الانتباه. فقد يتراجع التصعيد في الشرق الأوسط أو تدخل المفاوضات مرحلة جديدة، بينما تتصدر التطورات العسكرية في أوكرانيا عناوين الأخبار. وفي أوقات أخرى، ينشغل العالم بتصعيد في منطقة، ثم تظهر تحركات في منطقة أخرى تتطلب اهتمامًا دوليًا واسعًا. هل هذا مجرد تزامن؟ أم أن وراءه حسابات إستراتيجية أعمق؟ هل هناك تنسيق، من فهم جانب مهم من سلوك الدول. فالقرارات العسكرية لا تتخذ بمعزل عن الأوضاع الدولية، وتوقيت الضغط أو التراجع أو التفاوض قد يكون جزءًا من إستراتيجية أوسع. وقد تختار دولة تخفيف التصعيد في جبهة ما لتجنب استنزاف مواردها، أو لفتح المجال أمام مفاوضات أخرى، أو لإعادة ترتيب أولوياتها. وفي الوقت نفسه، قد تستغل دولة منافسة تلك اللحظة لتعزيز موقعها في جبهة أخرى.
هنا تكمن الفكرة التي تستحق البحث: ربما لا تكون المسألة اتفاقًا على إشعال الحروب وإطفائها، بل حسابات متبادلة تجعل توقيت التحركات مهمًا بقدر أهمية التحركات نفسها. وإذا تكرر هذا النمط عبر سنوات وفي ملفات متعددة، فإن من المشروع إخضاعه لدراسة منهجية بدل الاكتفاء باعتباره مصادفة أو افتراضه دليلًا قاطعًا على اتفاق سري. إن أخطر ما في السياسة الدولية ليس دائمًا ما تعلنه الحكومات، بل ما لا تستطيع التصريح به علنًا بسبب التزاماتها وتحالفاتها وحساباتها الداخلية. ومع ذلك، يجب ألا نخلط بين غياب المعلومات ووجود دليل على إخفائها؛ فالتحليل الجاد يبدأ بالأسئلة، لكنه لا ينتهي إلى استنتاج حاسم إلا بعد فحص الوقائع.
هل تسعى الولايات المتحدة وروسيا إلى تثبيت مناطق نفوذهما قبل تغير ميزان القوى؟ قد يكون هذا السؤال هو الأكثر أهمية في قراءة المستقبل. فالولايات المتحدة تواجه منافسة صينية متنامية في التكنولوجيا والاقتصاد والقوة العسكرية، بينما تحاول روسيا الحفاظ على موقعها كقوة دولية مؤثرة رغم تكلفة حرب أوكرانيا والعقوبات الغربية. وفي المقابل، تعمل الصين على توسيع نفوذها الاقتصادي والإستراتيجي، وتسعى الهند إلى تعزيز استقلالها ومكانتها الدولية، بينما تؤثر القدرات النووية والصاروخية لكوريا الشمالية في الحسابات الأمنية لشرق آسيا.
إن صعود هذه القوى لا يعني أنها ستتحالف جميعًا ضد واشنطن وموسكو، ولا يعني أن مصالحها متطابقة. فالصين والهند، على سبيل المثال، تتنافسان إقليميًا، ولكل منهما حساباتها الخاصة. لكن التحولات الجارية تجعل السنوات المقبلة مرحلة مهمة في إعادة توزيع النفوذ العالمي. ومن هنا يمكن تصور أن واشنطن وموسكو، مثل بقية القوى الكبرى، تسعيان إلى تعزيز مواقعهما في مناطق تعتبرانها حيوية قبل أن تصبح المنافسة أكثر تعقيدًا. وقد تشمل هذه العملية حماية طرق التجارة والطاقة، وتوسيع التحالفات، وتأمين الموارد، وبناء الشراكات العسكرية، والتأثير في الحكومات والمؤسسات الدولية.
الشرق الأوسط وأوكرانيا: هل توجد علاقة تتجاوز الجغرافيا؟ حيث يحتل الشرق الأوسط موقعًا إستراتيجيًا بسبب الطاقة والممرات البحرية والتنافس الإقليمي وارتباطه بأمن أوروبا وآسيا. أما أوكرانيا، فقد أصبحت مركزًا للصراع بين روسيا والدول الغربية حول الأمن الأوروبي والنفوذ والتحالفات العسكرية. وعلى الرغم من اختلاف طبيعة الصراعين، فإن كليهما يؤثر في توزيع الموارد العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية للقوى الكبرى.
إذا تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، فقد تضطر واشنطن إلى إعادة توزيع اهتمامها ومواردها، وقد تستفيد موسكو من أي انشغال أمريكي إضافي. وفي المقابل، فإن استمرار الحرب في أوكرانيا يفرض أعباء على روسيا، وقد تستفيد الولايات المتحدة أو قوى أخرى من هذه الأعباء لتعزيز مواقعها في مناطق مختلفة. هذه العلاقة المتبادلة لا تعني أن طرفًا يفتعل أزمة لكي يمنح الطرف الآخر فرصة، ولا أنها تثبت وجود اتفاق لتبادل الأدوار. لكنها توضح أن الحروب لا يمكن فهمها دائمًا باعتبارها ملفات منفصلة؛ فكل أزمة تؤثر في الحسابات العالمية، وكل قرار عسكري قد تكون له نتائج تتجاوز ساحة المعركة التي اتُخذ فيها.
السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الباحثون هو: هل توجد أنماط متكررة في توقيت التصعيد والتهدئة، وفي تحركات القوات والمفاوضات والعقوبات، تسمح بالكشف عن علاقة إستراتيجية بين هذه الجبهات؟ وهل تتوافق هذه الأنماط مع فرضية الاستغلال المتبادل للفرص، أم أنها تفسَّر بصورة أفضل بالعوامل العسكرية والسياسية المحلية؟
من المستفيد من استمرار حالة عدم اليقين؟ لا تستفيد جميع الأطراف من الحروب بالطريقة نفسها. فقد تحقق بعض الدول مكاسب إستراتيجية مؤقتة، بينما تتحمل شعوبها وشعوب الدول المتضررة خسائر بشرية واقتصادية هائلة. وقد تستفيد صناعات معينة من زيادة الإنفاق العسكري، لكن هذا لا يثبت أن تلك الصناعات أو الحكومات التي تتعامل معها هي التي قررت إشعال الحرب.
كما قد تستغل أطراف إقليمية ضعف خصومها أو انشغال القوى الكبرى لتحقيق أهداف محلية. ولذلك، فإن البحث عن المستفيدين مهم، لكنه ليس دليلًا كافيًا على المسؤولية. فوجود مصلحة لدى دولة في تطور معين لا يثبت أنها صنعته أو نسقته مسبقًا. وقد تتصرف الدول أحيانًا بصورة متنافسة، ثم تجد نفسها مستفيدة من نتيجة لم تخطط لها. ومع ذلك، يبقى من حق الرأي العام أن يسأل عن المستفيد من استمرار النزاعات، وعن مدى شفافية القرارات العسكرية، وعن الدور الذي تؤديه صفقات السلاح والطاقة والتحالفات في إطالة الصراعات أو احتوائها. إن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُرفض لمجرد أنها تشكك في الروايات الرس مية، لكنها أيضًا لا ينبغي أن تتحول إلى أحكام مسبقة لا تقبل الاختبار.
هل نحن أمام اتفاق سري أم توازن مصالح غير معلن؟ قد لا يكون الاختيار بين الاتفاق السري والمصادفة هو الاختيار الوحيد. فالعلاقات الدولية تعرف منطقة وسطى واسعة، تتداخل فيها المنافسة مع التفاوض، والعداء مع التواصل، والضغط مع تجنب المواجهة المباشرة. ويمكن لدولتين متنافستين أن تتبادلا الرسائل بشأن مخاطر معينة، وأن تحاولا منع تصعيد غير مقصود، وأن تستغلا في الوقت نفسه أخطاء الطرف الآخر وفرص انشغاله. وقد يكون هذا التفسير أكثر واقعية من افتراض أن كل حرب مخطط لها بصورة مشتركة. فالقوى الكبرى لا تحتاج دائمًا إلى اتفاق مكتوب كي تدرك مصالح خصومها وحدود قدرتهم على الرد. لكنها قد تخطئ في الحسابات، وقد تتجاوز الأحداث توقعاتها، وقد تتحول حرب محدودة إلى صراع يصعب التحكم فيه. إن فرضية وجود تفاهمات غير معلنة بين واشنطن وموسكو بشأن بعض الملفات تظل سؤالًا مشروعًا للبحث، لا حقيقة يمكن الجزم بها من دون أدلة.
كما أن احتمال استغلال كل منهما انشغال الأخرى أكثر قابلية للفحص من الادعاء بأنهما تتقاسمان إدارة الحروب. والفارق بين الفرضيتين جوهري، لأن الأولى قد تنشأ من التنافس الطبيعي، بينما الثانية تفترض مستوى من التنسيق يحتاج إلى إثبات مستقل.
يجب أن لا ننظر إلى الحروب باعتبارها أخبارًا منفصلة، فربما تكمن أهمية هذه الفرضية في أنها تدعونا إلى النظر إلى الأحداث الدولية من زاوية أوسع من العناوين اليومية. فالعالم لا يتحرك عبر أزمات منفصلة تمامًا، بل عبر شبكة من المصالح والتحالفات والموارد والضغوط. وقد يتغير ميزان القوى في الشرق الأوسط بسبب تطورات في أوروبا، أو تتأثر حسابات موسكو بتحركات واشنطن في آسيا، أو تستغل بكين انشغال منافسيها لتوسيع حضورها الاقتصادي والتكنولوجي.
من هنا، فإن السؤال الذي أطرحه ليس اتهامًا قاطعًا بأن الولايات المتحدة وروسيا تديران حروب العالم من خلف الستار، بل تساؤل إستراتيجي يستحق التحقيق: هل تكتفي القوتان بالتنافس العلني، أم أن بينهما أحيانًا تفاهمات محدودة وحسابات متبادلة تسمح لكل منهما بالمناورة في مناطق مختلفة، مع الحرص على عدم تجاوز خطوط قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة؟ فقد تكشف دراسة دقيقة لتوقيت الأحداث والقرارات والاتصالات الدبلوماسية أن بعض ما يبدو مصادفة يرتبط بحسابات إستراتيجية. وقد تكشف أيضًا أن كثيرًا من حالات التزامن لا تتجاوز كونها نتائج طبيعية لتعدد الصراعات وتشابكها. ففي عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على تشكيل النظام الدولي القادم، لا يكفي أن نسأل من أطلق النار أولًا؛ بل يجب أن نسأل أيضًا من استفاد من تغير ميزان القوى، ومن استغل انشغال خصمه، ومن استطاع تحويل أزمة إقليمية إلى فرصة إستراتيجية. وربما يكون هذا هو المدخل الأهم لفهم ما يجري خلف المشهد.
من الناحية التاريخية، لا يمكن استبعاد التفاهمات المحدودة بين القوى الكبرى، حتى عندما تكون في حالة تنافس حاد. فقد تتفق دولتان على تجنب الاشتباك المباشر، أو تبادل رسائل بشأن حدود التصعيد، أو إعطاء الأولوية لملفات معينة في مفاوضاتهما. لكن هذا يختلف اختلافًا جوهريًا عن الاتفاق على تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، أو تنسيق الحروب بصورة متعمدة. واللافت أن الولايات المتحدة وروسيا استعادتا في فبراير 2026 قناة للحوار العسكري رفيع المستوى، بعد انقطاع استمر أكثر من أربع سنوات. وكان الهدف المعلن استعادة التواصل بين الجيشين، بما يساعد على إدارة المخاطر ومواصلة المحادثات بشأن الحرب الأوكرانية. وهذا دليل على أن الخصمين قد يحتاجان إلى قنوات اتصال لتجنب التصعيد غير المقصود، لكنه ليس دليلًا على أنهما ينسقان الحروب أو يتقاسمان الدول والمناطق. كذلك، فإن مفهوم مناطق النفوذ معروف في العلاقات الدولية. وقد تسعى دولة إلى منع منافسيها من بناء قواعد عسكرية قريبة منها، أو إلى إبقاء الدول المجاورة ضمن مجالها السياسي والاقتصادي. وتظهر هذه الفكرة في الخلاف حول أوكرانيا، وفي موقف الصين من تايوان، وفي المنافسة الأمريكية الصينية في المحيطين الهندي والهادئ. غير أن وجود تصورات متنافسة لمناطق النفوذ لا يعني أن واشنطن وموسكو اتفقتا على توزيعها بينهما؛ بل قد يكون مصدرًا للصراع نفسه. فالولايات المتحدة ليست غائبة عن أوروبا، وروسيا ليست محصورة في أوكرانيا أو آسيا. كما أن الصين تتنافس مع الولايات المتحدة في المحيط الهادئ، وتوسع علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية مع روسيا، في حين تستخدم موسكو علاقاتها مع إيران وكوريا الشمالية لدعم مصالحها في مواجهة الضغوط الغربية.
الصين هي المنافس الأوضح للولايات المتحدة على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري العالمي. وتسعى بكين إلى توسيع قدرتها على التأثير في النظام الدولي، بينما تتطلع واشنطن إلى المحافظة على موقعها وشبكة تحالفاتها. أما روسيا، فتسعى إلى استعادة نفوذها الإستراتيجي، ولا سيما في محيطها الأوروبي، وتجد في تعاونها مع الصين وسيلة لتخفيف آثار العقوبات والضغط الغربي.
لكن اعتماد روسيا المتزايد على الشراكة الصينية قد يجعل العلاقة غير متكافئة بمرور الوقت، وهو ما يخلق بدوره مصالح ومخاوف متبادلة.
أما الهند، فهي قوة صاعدة ذات مصالح مستقلة، ولا يصح افتراض أنها ستنضم تلقائيًا إلى معسكر معادٍ للولايات المتحدة أو روسيا. فسياساتها تجمع بين تعزيز استقلالها الإستراتيجي وتوسيع علاقاتها مع قوى متعددة. وقد تتعاون مع واشنطن في بعض المجالات، وتحافظ على علاقات مع موسكو في مجالات أخرى، وفقًا لمصالحها الوطنية.
وبالنسبة إلى كوريا الشمالية، فإن أهميتها الإستراتيجية ترتبط بقدراتها النووية والصاروخية، وبقدرتها على التأثير في أمن شرق آسيا، وبعلاقاتها العسكرية المتنامية مع روسيا. لكنها تختلف عن الصين والهند من حيث حجم الاقتصاد والقدرة على التأثير في النظام الدولي.
وقد أضاف اتفاق الدفاع المشترك الروسي - الكوري الشمالي الموقع عام 2024 بُعدًا جديدًا إلى هذه العلاقة. وهذا يفسر تحركات القوى الكبرى على أنها سباق للاستحواذ على أكبر مساحة ممكنة قبل ظهور منافسين جدد.
قد يكون هذا السؤال هو الأكثر أهمية في قراءة المستقبل. فالولايات المتحدة تواجه منافسة صينية متنامية في التكنولوجيا والاقتصاد والقوة العسكرية، بينما تحاول روسيا الحفاظ على موقعها كقوة دولية مؤثرة رغم كلفة حرب أوكرانيا والعقوبات الغربية. وفي المقابل، تعمل الصين على توسيع نفوذها الاقتصادي والإستراتيجي، وتسعى الهند إلى تعزيز استقلالها ومكانتها الدولية، بينما تؤثر القدرات النووية والصاروخية لكوريا الشمالية في الحسابات الأمنية لشرق آسيا.
إن صعود هذه القوى يغيّر حسابات واشنطن وموسكو، كما يغيّر حسابات بقية العالم. فالصين لا توسع نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي فحسب، بل تسعى أيضًا إلى زيادة قدرتها على التأثير في القواعد الدولية. والهند تعمل على ترسيخ مكانتها كقوة مستقلة، مستفيدة من علاقاتها المتعددة.
أما كوريا الشمالية، فقد عززت أهمية موقعها الإستراتيجي من خلال قدراتها العسكرية وعلاقاتها المتنامية مع روسيا. في ظل هذه التحولات، يمكن تصور أن الولايات المتحدة وروسيا تسعيان إلى تثبيت مواقعهما في مناطق تعتبرانها حيوية قبل أن تصبح المنافسة أكثر تعقيدًا. وقد يشمل ذلك حماية طرق التجارة والطاقة، وتوسيع التحالفات، وتأمين الموارد، وبناء الشراكات العسكرية، والتأثير في الحكومات والمؤسسات الدولية. وتحاول القوتان، رغم تنافسهما، تجنب استنزاف بعضهما بعضًا في مواجهة مباشرة، بينما تسعى كل منهما إلى تحسين موقعها في مناطق مختلفة؟ ضمن وجود تفاهمات وتوازنات ضمنية تسمح بالمناورة دون الوصول إلى مواجهة شاملة.