صبحي شبانة
.. ليس من الدقة التاريخية أن نختزل علاقة إيران بالعالم العربي في عداء أبدي تحكمه الجغرافيا، أو أن نفسر تعقيداتها جميعًا بمنطق الصراع الهوياتي، فالعلاقة بين الطرفين أوسع من ذلك وتتداخل فيها اعتبارات التاريخ والقومية والمصالح الاستراتيجية والتنافس على النفوذ الإقليمي، لقد عرف التاريخ بين الطرفين حروبًا وصراعات على النفوذ، كما عرف تفاعلات حضارية وتجارية وثقافية، وتداخلت في مسيرتهما المصالح واللغات والمذاهب والحدود، حتى أصبحت العلاقة بينهما واحدة من أكثر العلاقات الإقليمية تركيبًا في الشرق الأوسط، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان الخلاف بين إيران والعرب قديمًا، بل كيف تحوّل هذا الإرث التاريخي إلى مشروع سياسي وأمني يتجاوز حدود التنافس الطبيعي بين الدول، ولماذا اكتسب هذا المشروع بعد الثورة الإيرانية عام 1979 طابعًا أيديولوجيًا أكثر وضوحًا، وما إذا كانت طهران قادرة على مراجعة سلوكها الإقليمي بما يفتح الطريق أمام علاقة مستقرة مع المملكة ودول الخليج وسائر الدول العربية،
الإجابة تبدأ من التمييز بين التاريخ بوصفه ذاكرة تتراكم فيها الوقائع والرموز، والسياسة بوصفها قرارًا تتخذه الدول وفق مصالحها وموازين القوة.
فالعرب يمتلكون ذاكرة حضارية وسياسية ممتدة، تشكلت عبر اللغة العربية والإسلام والتجربة التاريخية المشتركة، كما أن إيران دولة ذات امتداد حضاري عريق، وذاكرة قومية تستحضر الإمبراطوريات القديمة ومكانة بلاد فارس في التاريخ، لكن استدعاء الماضي لا يعني أن الشعوب محكومة بتكرار صراعاته، ولا أن التنافس الحضاري يتحول بالضرورة إلى عداء قومي، فالدول الحديثة لا تُقاس بما ترويه عن أمجادها القديمة، بل بما تقيمه من علاقات مع جيرانها، وبمدى احترامها سيادتهم وحدودهم وخياراتهم السياسية، ولم يكن التفاعل بين العرب والفرس، عبر قرون طويلة، صراعًا مستمرًا بين قوميتين متقابلتين، فقد شهدت الحضارة الإسلامية مشاركة واسعة للفرس والعرب في بناء العلوم والآداب والإدارة والفكر، وأسهم علماء وأدباء من أصول فارسية في تشكيل الثقافة الإسلامية، كما تركت اللغة العربية أثرًا عميقًا في الثقافة الفارسية، وتداخلت المصالح التجارية والاجتماعية بين المجتمعات على جانبي الخليج، وفي المقابل عرفت المنطقة صراعات سياسية وعسكرية، وتنافسًا بين دول وإمبراطوريات، لم تكن دوافعه قومية خالصة في كل مرة، بل ارتبط في حالات كثيرة بالسيطرة على الطرق التجارية والموارد والمراكز الاستراتيجية ومجالات النفوذ، ومن الخطأ قراءة التاريخ كله باعتباره مقدمة حتمية للمواجهة الراهنة، كما أن من الخطأ تجاهل أثر الذاكرة التاريخية في تشكيل المواقف السياسية المعاصرة
وقد أضاف التحول المذهبي في إيران خلال العصر الصفوي، منذ مطلع القرن السادس عشر، عنصرًا مهمًا إلى معادلة التنافس الإقليمي، عندما اعتُمد التشيع الاثنا عشري مذهبًا رسميًا للدولة، وأصبح الاختلاف المذهبي أحد مكونات التنافس بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية، لكن هذا التحول لا يبرر القول إن الصراع العربي الإيراني كان منذ ذلك الوقت صراعًا دينيًا خالصًا، أو أن المذهب وحده يفسر سياسات إيران المعاصرة. فالصراع الصفوي العثماني كان أيضًا صراع إمبراطوريتين على الأراضي والحدود وطرق التجارة والشرعية السياسية، كما أن المجتمعات العربية لم تكن كتلة مذهبية واحدة، ولم تكن الدولة الإيرانية، عبر مختلف مراحلها، تتحرك وفق منطق ديني واحد، فالمذهب في السياسة الإيرانية ليس مجرد انتماء عقدي، بل تحوّل، خصوصًا بعد الثورة الخمينية، إلى أداة للتعبئة السياسية، وحشد الأنصار، وتوسيع دوائر النفوذ الإقليمي تحت شعار نصرة المستضعفين والدفاع عن المذهب. غير أن توظيف الخطاب المذهبي لا يلغي حقيقة أن المصالح الاستراتيجية وحسابات القوة تظل محددات رئيسية للسلوك الإيراني، وأن الدين، حين يدخل معادلات الدولة، قد يصبح غطاءً أيديولوجيًا لمشروعات سياسية تتجاوز حدود العقيدة إلى صراع النفوذ والهيمنة.
وفي العصر الحديث برزت القومية الإيرانية بوصفها رافعةً لبناء الدولة وترسيخ استقلالها واستعادة مكانتها قوةً إقليمية مؤثرة، وقد شهد عهد الدولة البهلوية تصاعدًا في مركزية السلطة وتعزيزًا للهوية الفارسية، بالتوازي مع طموح متزايد إلى توسيع النفوذ الإيراني في الخليج العربي وتكريس دور طهران قوةً مهيمنة في محيطها الإقليمي، وقد انعكست هذه التوجهات في سياسات أثارت مخاوف الدول العربية المجاورة، وتجسدت إحدى أبرز محطاتها في سيطرة إيران على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى عام 1971، قبيل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة بأيام، وهي قضية لا تزال تمثل نزاعًا سياديًا قائمًا بين طهران وأبوظبي، وتبقى أحد الملفات الدالة على تعقيدات العلاقة بين الطموح الإقليمي الإيراني والهواجس الأمنية العربية، وتكشف هذه الوقائع أن التنافس على الخليج لم يبدأ مع الثورة الإسلامية، وأن الاعتبارات القومية والاستراتيجية سبقت وصول النظام الديني إلى الحكم، فالخليج ليس مجرد مساحة مائية تفصل بين ضفتين، بل شريان للتجارة والطاقة، وممر حيوي للاقتصاد العالمي، ومجال أمني تتقاطع فيه مصالح دول المنطقة والقوى الدولية.
ثم جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 لتحدث تحولًا نوعيًا في طبيعة الخطاب السياسي الإيراني، إذ لم تعد شرعية النظام الجديد قائمة على القومية الإيرانية وحدها، بل على نظرية ولاية الفقيه، وعلى تصور ثوري يرى أن للنظام رسالة تتجاوز حدود الدولة الإيرانية، وقد رفعت الثورة شعارات نصرة المستضعفين ومناهضة الهيمنة الخارجية، وأعلنت رفضها للنظام الإقليمي الذي كانت ترى فيه امتدادًا للنفوذ الغربي، لكنها أضافت إلى هذه الشعارات مشروعًا لتصدير الثورة، وأقامت علاقة بين شرعية النظام الداخلية وبين قدرته على تقديم نفسه بوصفه قوة قائدة في محيطه الإسلامي، ومن هنا لم يعد التنافس مع الدول العربية مجرد تنافس بين دولتين على النفوذ، بل أصبح في بعض جوانبه تنافسًا على الشرعية والتمثيل والقرار السياسي داخل المجتمعات العربية نفسها، ولعل هذا التحول هو المفتاح الأهم لفهم سبب تصاعد التوتر مع عدد من الدول العربية بعد الثورة، فالمشكلة لم تكن في المذهب الشيعي باعتباره مكونًا دينيًا يتبعه ملايين المسلمين الشيعة، ولا في المجتمع الإيراني الذي يضم تيارات واتجاهات متعددة، بل في توظيف العقيدة السياسية لتبرير تدخلات خارج الحدود، وفي بناء علاقات مع قوى مسلحة وتنظيمات محلية تستطيع التأثير في قرارات دول عربية أو الضغط على مؤسساتها السيادية، وعندما يصبح الولاء السياسي العابر للحدود أداة تنافس مع الدولة الوطنية، فإن الخلاف يتجاوز نطاق الاختلاف الفكري إلى مسألة تمس الأمن والاستقرار ووحدة القرار الوطني، وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين المواطنين العرب الشيعة الذين هم جزء أصيل من مجتمعاتهم الوطنية، وبين أي مشروع سياسي أو عسكري يسعى إلى استخدام الانتماء المذهبي لبناء نفوذ خارجي أو فرض معادلات لا تخضع لسلطة الدولة.
وقد عمّقت الحرب العراقية الإيرانية، التي اندلعت عام 1980 واستمرت ثماني سنوات، انعدام الثقة في المنطقة، وأظهرت أن الثورة لم تُنهِ منطق القوة والمنافسة، بل أضافت إليه بعدًا أيديولوجيًا أكثر حدة، فقد دفعت الحرب دول الخليج إلى التعامل مع تهديد إقليمي بالغ الخطورة، وخلقت جروحًا عميقة في الذاكرة السياسية الإيرانية والعربية على السواء، ثم جاءت الأزمات اللاحقة، من التنافس على النفوذ في العراق بعد عام 2003، إلى الحرب السورية، والأزمة اليمنية، والتوترات المرتبطة بأمن الملاحة في الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر، لتجعل العلاقة بين إيران وعدد من العواصم العربية مرتبطة بشبكة من الملفات المتداخلة، ولم تعد المسألة مقتصرة على الخلاف حول هوية النظام الإيراني أو شعاراته، بل أصبحت مرتبطة بمدى احترام الحدود والسيادة، وبقدرة دول المنطقة على حماية أمنها من دون أن تتحول أراضيها وممراتها البحرية إلى ساحات لتصفية الحسابات، وفي هذا السياق لا يمكن فصل التوتر الإيراني العربي عن التحولات التي شهدها ميزان القوة الإقليمي بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حين انهارت الدولة العراقية التي كانت تمثل أحد أهم مراكز الردع الإقليمي في مواجهة النفوذ الإيراني، فقد أتاح انهيار مؤسسات الدولة العراقية، ثم تصاعد الانقسامات السياسية والمذهبية، لطهران توسيع نفوذها داخل العراق عبر علاقات سياسية وأمنية متعددة، كما أسهمت الحرب السورية في تعزيز حضورها إلى جانب النظام السوري، بينما تحولت الساحة اللبنانية إلى نموذج بالغ التعقيد لتداخل مؤسسات الدولة مع قوة حزب الله العسكرية والسياسية، وفي اليمن أصبح دعم ميليشيا الحوثيين أحد أبرز ملفات القلق الخليجي، نظرًا إلى ما يمثله من تهديد للأمن السعودي وللممرات البحرية الحيوية، ومن منظور جيوستراتيجي، لم يكن أثر هذه التطورات مقتصرًا على زيادة النفوذ الإيراني، بل تمثل أيضًا في تآكل الثقة بإمكان قيام نظام إقليمي يستند إلى احترام السيادة الوطنية وعدم تحويل الأزمات الداخلية إلى أدوات للتنافس بين القوى الخارجية.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين حق إيران في حماية مصالحها الأمنية والاستراتيجية، وبين توظيف هذه المصالح ذريعةً لتوسيع نفوذها المسلح والتدخل في شؤون جيرانها. فالمخاوف الأمنية، مهما كانت مبرراتها، لا تمنح طهران الحق في فرض إرادتها على الآخرين أو بناء نفوذ موازٍ لمؤسسات الدول عبر حلفاء محليين مسلحين. فالأمن الحقيقي لا يتحقق على حساب أمن الجيران، بل عبر احترام السيادة المتبادلة والعلاقات الدبلوماسية، وإلا تحولت معادلات القوة إلى مصدر دائم للتوتر وسوء الحسابات، ومن هذا المنطلق فإن وصف الخلاف بأن ه عداء فارسي للعروبة لا يفسر وحده تعقيدات الواقع، كما أن اختزاله في صراع مذهبي يسيء إلى فهم المنطقة ويمنح التوظيف الطائفي مساحة أكبر مما يستحق، فالتنافس السعودي الإيراني تحكمه اعتبارات الأمن والنفوذ والشرعية السياسية وممرات الطاقة والتوازنات الدولية، غير أن طهران أسهمت في تعميق هذا التنافس وتوسيع نطاقه عبر توظيف الانقسامات المذهبية أداةً للتعبئة السياسية وبناء النفوذ الإقليمي، بما أضفى على الصراع أبعادًا عقائدية تجاوزت الخلافات السياسية التقليدية، وتكشف التجربة أن إيران قادرة على تحسين علاقاتها مع الدول العربية حين تقتضي مصالحها ذلك، كما تلجأ إلى التصعيد وتوظيف أدوات الضغط حين تراه أكثر خدمةً لأهدافها، ومن ثم فإن السلوك الإيراني ليس قدرًا تاريخيًا محتومًا، بل خيار سياسي يمكن أن يتغير متى أدركت القيادة الإيرانية أن احترام سيادة الدول والتعاون مع الجوار يحققان مصالحها بصورة أكثر استدامة من تأجيج الانقسامات وإدامة المواجهة.
المملكة هي الطرف الأكثر أهمية في أي معادلة واقعية لإعادة ترتيب العلاقة بين إيران والخليج، ليس فقط بحكم مكانتها الدينية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، وإنما أيضًا لأن استقرار المملكة يرتبط مباشرة باستقرار أسواق الطاقة والتجارة والملاحة والاستثمار في المنطقة، وقد أظهرت السنوات الماضية أن التصعيد الإقليمي يفرض كلفة على جميع الأطراف، ويهدد خطط التنمية، ويزيد مخاطر استهداف المنشآت الحيوية، ويضع أمن الممرات البحرية في دائرة التهديد، وفي المقابل، فإن خفض التوتر يتيح للمملكة التركيز على التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، ويمنح المنطقة فرصة لتوجيه مواردها إلى التنمية بدلًا من استنزافها في سباق تسلح وصراعات بالوكالة، لكن ذلك لا يعني أن المملكة مطالبة بالتغاضي عن مصادر التهديد، أو أن الحوار يجب أن يكون بديلًا عن الردع؛ بل إن الدبلوماسية الفاعلة تحتاج إلى قدرة دفاعية موثوقة، وإلى وضوح في المصالح والخطوط الحمراء، وإلى موقف خليجي متماسك، وفي هذا الإطار مثل الاتفاق السعودي الإيراني الذي أُعلن في بكين في العاشر من مارس 2023 محطة دبلوماسية مهمة، بعد سنوات من قطع العلاقات والتوتر، فقد نص الاتفاق على استئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات والبعثات، وأكد احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما تناول تنفيذ اتفاق التعاون الأمني الموقع عام 2001 واتفاق التعاون العام الموقع عام 1998، ولم يكن هذا الاتفاق إعلانًا عن انتهاء الخلافات الاستراتيجية، ولا معاهدة سلام شاملة تعالج جميع ملفات المنطقة، لكنه فتح قناة رسمية للحوار، وأتاح فرصة لخفض التصعيد وإدارة الخلافات بدلًا من تركها مفتوحة على المواجهة.
وقد أسهمت المصالحة في رفع مستوى التواصل بين الرياض وطهران، وأعادت العلاقات الرسمية إلى مسارها، لكنها لم تكن اتفاقًا بين إيران وجميع دول مجلس التعاون الخليجي، ولم تعلنِ أن المواقف الخليجية من إيران أصبحت متطابقة في كل الملفات، فلكل دولة خليجية حساباتها ومصالحها وخصوصية علاقاتها الخارجية، غير أن التجربة عززت أهمية التنسيق الخليجي حول المبادئ الأساسية، وفي مقدمتها احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحماية الملاحة، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، كما أكدت أن خفض التوتر مع إيران لا يتعارض مع تعزيز الشراكات الدولية للمملكة ودول الخليج، ولا يفرض عليها التخلي عن علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة أو غيرها من القوى، بل يتيح لها توسيع هامش المناورة الدبلوماسية، وتنويع أدوات حماية مصالحها.
ومن منظور سعودي، تنطلق إدارة العلاقة مع إيران من معادلة استراتيجية تجمع بين حماية الأمن الوطني واستقرار الخليج، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة لاحتواء التوتر وتجنب الصدام. وتقوم هذه المقاربة على اختبار النوايا بالأفعال، واحترام السيادة وعدم التدخل، ووقف دعم الأنشطة المسلحة التي تهدد أمن المنطقة. فالمصالحة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتعزيز الاستقرار، دون التفريط في متطلبات الردع وحماية المصالح الوطنية.
ومن هنا تبرز أهمية التنسيق الخليجي، وتأمين الملاحة والمنشآت الحيوية، والجمع بين الحوار والقدرة على مواجهة التهديدات، بما يجعل التهدئة مسارًا عمليًا تُثبته السلوكيات لا مجرد التصريحات، وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن التحول في السلوك الإيراني يرتبط أيضًا بطبيعة النظام السياسي وتوازن القوى داخله، وبالعلاقة بين مؤسساته المنتخبة ومراكز القرار الأمني والعسكري، وبمدى استعداد القيادة لتقديم مصالح الدولة والمجتمع على متطلبات المشروع الأيديولوجي، فإيران ليست كتلة سياسية جامدة، بل مجتمع متنوع يضم اتجاهات وتيارات مختلفة، كما أن أولويات الإيرانيين الاقتصادية والاجتماعية لا تتطابق بالضرورة مع أولويات النظام الحاكم.
ومع ذلك، فإن التغيير لا يمكن أن يُبنى على التمنيات أو على افتراض أن الضغوط الاقتصادية وحدها ستدفع طهران إلى مراجعة سياستها، بل يحتاج إلى حوافز واضحة للتعاون، وتكاليف ملموسة للسلوك المزعزع للاستقرار، وقنوات دبلوماسية تسمح بتحويل التفاهمات إلى التزامات قابلة للقياس.
إن السؤال عما إذا كان العداء الإيراني للعروبة تاريخيًا أم دينيًا يقودنا في النهاية إلى إجابة أكثر تركيبًا: ثمة إرث من التنافس القومي والاستراتيجي، وثمة توظيف سياسي للدين والمذهب، وثمة مشروع إقليمي تشكل بعد الثورة الإسلامية، لكن لا يوجد ما يجعل العداء بين إيران والعرب قدرًا لا يتغير، فالجغرافيا تفرض الجوار، والمصالح الاقتصادية تجعل الاستقرار ضرورة، والتحديات المشتركة من أمن الطاقة إلى المياه والبيئة والتجارة تفتح مجالات للتعاون لا تستطيع أي دولة في المنطقة أن تحققها بمفردها، غير أن تجاوز الماضي لا يعني إنكار دروسه، كما أن المصالحة لا تعني التسليم بأن الخلافات انتهت، بل تعني إدارتها ضمن قواعد تمنع تحولها إلى تهديد دائم، وفي تقديري إن مستقبل العلاقة السعودية الإيرانية لن يتحدد بمدى نجاح الدبلوماسية في صياغة بيانات جديدة، وإنما بقدرتها على تغيير الحسابات التي جعلت التصعيد أداة متكررة في السياسة الإقليمية، فإذا أدركت طهران أن استقرار الخليج مصلحة مشتركة، وأن احترام سيادة الدول العربية هو الطريق الوحيد لبناء ثقة حقيقية، أمكن الانتقال من مجرد خفض التوتر إلى تأسيس شراكة إقليمية تدريجية، أما إذا ظلت ترى في نفوذ الميلشيات المسلحة وتوسيع مناطق التأثير وسيلة لتثبيت مكانتها، فإن المصالحة ستظل هشة مهما حسنت العلاقات الرسمية. وفي المقابل، فإن المصلحة السعودية والخليجية تقتضي مواصلة الحوار من موقع القوة والوضوح، وحماية الأمن الوطني، وعدم السماح بتحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى غطاء لتجاوزات جديدة.
لقد أثبتت مصالحة بكين أن التنافسات الإقليمية الممتدة يمكن أن تفسح المجال للحوار، غير أن نجاحها الحقيقي يظل مرهونًا بترجمة إيران تفاهماتها مع المملكة إلى تغيير ملموس في سلوكها الإقليمي، يقوم على احترام سيادة الدول العربية، وعدم التدخل في شؤونها، والكف عن دعم الجماعات المسلحة التي تهدد استقرارها. فمن المنظور السعودي، لا تُقاس جدية المصالحة باستئناف العلاقات الدبلوماسية وحده، بل بما يترتب عليها من تهدئة للتوترات وصون لأمن الخليج وحرية الملاحة فيه. وإذا اقترنت التفاهمات بالأفعال، أمكن الانتقال من احتواء الأزمات إلى بناء مصالح مشتركة تخدم شعوب المنطقة؛ أما إذا استمر التناقض بين الخطاب والممارسة، فستبقى المصالحة محدودة الأثر، ويظل الجمع بين الحوار والردع ضرورة لحماية الأمن الوطني. فالمعيار الحاسم ليس ما تعلنه طهران، بل ما تثبته سياساتها على أرض الواقع.