في ثمانينيات القرن الماضي، كان للرياضة في العراق موعد ينتظره عشاق كرة القدم ومتابعو الألعاب الأخرى مساء كل يوم ثلاثاء. لم يكن الأمر يتعلق بمباراة مهمة أو بطولة كبيرة، بل ببرنامج تلفزيوني استطاع أن يحجز مكانه في ذاكرة العراقيين، هو «الرياضة في أسبوع»، الذي أعدّه وقدّمه الإعلامي الراحل مؤيد البدري، وأصبح واحداً من أشهر البرامج في تاريخ التلفزيون العراقي.
بدأ البرنامج رحلته في 24 مارس 1963، واستمر حتى عام 1993، أي نحو ثلاثة عقود من الحضور الأسبوعي الذي ارتبط باسم مؤيد البدري وصوته وطريقته المميزة في تقديم الأخبار الرياضية وتحليل المباريات وحتى موسيقى البرنامج، المأخوذة من أوبرا (حلاق إشبيليه)، لا تزال عالقة في الذاكرة. وخلال الثمانينيات، كان البرنامج جزءاً من الحياة اليومية لعشاق الرياضة، ونافذة يتابعون من خلالها أخبار أنديتهم ومنتخباتهم، ويتعرفون إلى ما يجري في الملاعب العراقية والعربية والعالمية.
مؤيد البدري.. سرّ الحضور والتأثير
لم يكن نجاح «الرياضة في أسبوع» قائماً على موضوعاته وحدها، بل ارتبط بصورة كبيرة بشخصية مؤيد البدري، الذي جمع بين المعرفة الرياضية والخبرة الإعلامية والحضور الهادئ أمام الكاميرا. كان يتحدث بلغة واضحة وقريبة من الناس، ويقدم المعلومة من دون تعقيد، الأمر الذي جعل البرنامج مناسباً للمتخصصين في الرياضة وللمشاهد العادي الذي يريد متابعة فريقه المفضَّل وفهم ما يحدث في عالم كرة القدم.
وكان البدري يمتلك قدرة على تحويل التفاصيل الرياضية إلى مادة ممتعة، فلا يشعر المشاهد بأنه أمام درس نظري أو نشرة أخبار جافة، بل أمام حديث رياضي يجمع المعلومة والتحليل والنقاش. وقد ساعدته خبرته في التعليق الرياضي وعمله في المؤسسات الرياضية على تقديم صورة أوسع عن الأحداث، تتجاوز النتيجة إلى ظروف المباراة وأداء اللاعبين وأهمية المنافسة.
الثلاثاء الذي جمع العائلة العراقية
في تلك السنوات، لم تكن وسائل متابعة الرياضة متاحة كما هي اليوم. فلم تكن هناك قنوات رياضية كثيرة أو مواقع إلكترونية تنقل الأخبار والنتائج لحظة بلحظة، ولذلك احتل التلفزيون مكانة أساسية في حياة الجمهور. وكان «الرياضة في أسبوع» من البرامج التي تجتمع العائلة حول الشاشة لمتابعتها، فيما ينتظر المشجعون أخبار أنديتهم ونتائج المباريات والحوارات مع الشخصيات الرياضية.
وكان البرنامج يقدم للجمهور فرصة لمشاهدة لقطات رياضية والتعرف إلى أحداث قد لا يستطيع متابعتها مباشرة، فضلاً عن استضافة شخصيات رياضية والحديث عن الإنجازات والتحديات التي تواجه الرياضة العراقية. وهكذا أصبح موعد الثلاثاء مناسبة أسبوعية يتبادل بعدها المشجعون الآراء والنقاشات في المقاهي والبيوت وأماكن العمل.
ذاكرة رياضية تتجاوز حدود الزمن
ولم يكن تأثير البرنامج محصوراً في بغداد أو المدن الكبرى، بل امتد إلى جمهور واسع في المحافظات العراقية، حتى كنا في كوردستان ننتظر البرنامج بفارغ الصبر، لأنه كان متنفسنا الوحيد لمعرفة نتائج مباريات كرة القدم خاصةً، ونتائج الألعاب الرياضة الأخرى عامةً. وقد منح البرنامج الرياضة حضوراً ثابتاً على الشاشة، في وقت كانت فيه الصحافة الرياضية والتلفزيون من أهم الوسائل التي يعتمد عليها الجمهور لمعرفة أخبار الملاعب.
انتهت رحلة «الرياضة في أسبوع» عام 1993 وبحوالي 1500 حلقة، وابتعد مؤيد البدري عن الشاشة، لكنه ترك وراءه تجربة إعلامية يصعب فصلها عن تاريخ التلفزيون العراقي. وبقي اسم مؤيد البدري وبرنامجه حاضراً في وجدان العراقيين. وعندما يُستعاد اسم البرنامج اليوم، لا يعود الحديث عن برنامج رياضي قديم فحسب، بل عن زمن كانت فيه الشاشة تجمع الناس حول موعد واحد، وتمنحهم مساحة مشتركة للفرح والنقاش والتعلق بفرقهم ولاعبيهم.
** **
- رمزي ميركاني