إبراهيم أبوهيف
لم تكن السنوات التي عشتها في المملكة العربية السعودية مجرد إقامة في بلد عربي شقيق، فقد تركت في وجداني تجربة إنسانية ومعرفية امتدت إلى ما هو أبعد من تفاصيل الحياة اليومية، وأتاحت لي الاقتراب من مجتمع يمتلك خصوصيته الثقافية والتاريخية، والتعامل مع مؤسسات دولة لها تقاليدها الراسخة، حتى وجدت نفسي أعود إلى صفحات التاريخ السعودي، وأقرأ سيرة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- بعين مختلفة، عين مصري عرف المملكة في حاضرها، ثم أراد أن يفهم كيف بدأت هذه المسيرة، وكيف استطاع رجل واحد، بإيمانه بالله ثم بعزيمته ورؤيته وحكمته، أن يقود مشروعًا تاريخيًا لتوحيد البلاد وإرساء دعائم دولة أصبحت اليوم إحدى القوى السياسية والاقتصادية المؤثرة في العالم.
ولعل ما يميز هذه القراءة بالنسبة إلي أنها جاءت بعد المعايشة، فقد عرفت جانبًا من المجتمع السعودي قبل أن أتعمق في تاريخ تأسيس دولته، وتعاملت مع مؤسساتها قبل أن أعود إلى المراحل الأولى لنشأتها، ورأيت من صور تطورها ما دفعني إلى التأمل في الجذور التي انطلقت منها، فكلما تقدمت في قراءة سيرة الملك عبدالعزيز، ازدادت قناعتي بأن تاريخ المملكة لا يُختزل في استرداد الرياض أو إعلان التوحيد، وإنما يمتد إلى تجربة متكاملة في القيادة وبناء الدولة وترسيخ الأمن وإدارة الموارد وتأسيس المؤسسات وصناعة المكانة الدولية.
ويبدأ فهم هذه التجربة من إدراك العمق التاريخي للدولة السعودية، التي تعود جذورها إلى تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود عام 1727، ثم قيام الدولة السعودية الثانية على يد الإمام تركي بن عبدالله عام 1824، وصولًا إلى الدولة السعودية الثالثة التي استعاد الملك عبدالعزيز من خلالها الرياض عام 1902، وأكمل مسيرة توحيد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية عام 1932، وهي مراحل متعاقبة تؤكد أن التأسيس ارتبط بإرث سياسي وتاريخي امتد عبر ثلاثة قرون، وتوارثت خلاله القيادة السعودية مسؤولية المحافظة على الدولة ووحدتها.
وقد نشأ الملك عبدالعزيز في بيت حكم يعرف طبيعة المسؤولية السياسية، فهو ابن الإمام عبدالرحمن بن فيصل، وعاش منذ طفولته جانبًا من الأحداث التي شهدتها المنطقة، ثم رافق أسرته في سنوات إقامتها بالكويت، حيث اتسعت معرفته بأحوال شبه الجزيرة العربية، وأخذ يتابع شؤونها وتحولات العلاقات بين قواها المختلفة، في مرحلة أسهمت في تكوين شخصيته القيادية وصقل قدرته على قراءة الأحداث وتقدير المواقف.
وما يستوقفني في تلك المرحلة أن الملك عبدالعزيز لم يسمح للظروف التي عاشها أن تحد من طموحه، بل حمل معه تطلعًا واضحًا لاستعادة الرياض وإحياء الدولة السعودية، واستطاع أن يحول هذا التطلع إلى خطة تستند إلى معرفة دقيقة بالأرض والرجال والتوقيت، حتى جاءت اللحظة التاريخية في الخامس عشر من يناير عام 1902، عندما نجح ورجاله في استرداد الرياض، لتبدأ واحدة من أهم مسيرات التوحيد في التاريخ العربي الحديث.
لقد كان استرداد الرياض حدثًا عظيمًا في دلالاته، لكن عظمة شخصية المؤسس تظهر بصورة أوضح عند تأمل ما أعقبه، فقد أدرك أن استعادة العاصمة تمثل بداية الطريق، وأن بناء الدولة يحتاج إلى رؤية تتجاوز حدود الإنجاز العسكري، ولذلك اتجه إلى توحيد المناطق وتعزيز الأمن وبناء العلاقات مع القبائل والمجتمعات، مستندًا إلى الحكمة والحنكة السياسية والشجاعة والقدرة على جمع الناس حول مشروع وطني واحد.
وعلى امتداد ثلاثة عقود، قاد الملك عبدالعزيز مسيرة توحيد شملت مناطق واسعة من شبه الجزيرة العربية، حتى استقرت أركان الدولة وصدرت الإرادة الملكية بإعلان توحيد البلاد باسم المملكة العربية السعودية في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1932، ليصبح هذا التاريخ أحد أهم الأيام في الذاكرة الوطنية السعودية، وشاهدًا على اكتمال مشروع تاريخي غير واقع المنطقة، وأرسى أسس دولة موحدة ذات سيادة ومكانة.
وحين أقرأ هذه المرحلة أجد أن أهم ما أنجزه الملك عبدالعزيز لم يكن جمع المناطق تحت راية واحدة فحسب، وإنما بناء الوحدة الوطنية التي أصبحت الأساس الذي قامت عليه المملكة، فقد استطاع أن يجمع مجتمعات ذات تنوع جغرافي واجتماعي واقتصادي ضمن كيان وطني واحد، وأن يرسخ مفهوم الدولة التي تجمع أبناءها في إطار مشترك من الانتماء والمسؤولية، وهو إنجاز تتضح قيمته عند النظر إلى اتساع مساحة المملكة وتباين بيئاتها الطبيعية وأنماط الحياة فيها.
وكان إرساء الأمن من أبرز أولويات المؤسس، فقد أدرك أن استقرار المجتمع شرط أساسي لانتظام الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وأن تأمين الطرق وحماية القوافل والتجارة والحجاج من أهم المسؤوليات التي ينبغي أن تضطلع بها الدولة، ولذلك ارتبطت مسيرة التوحيد بجهود متواصلة لنشر الأمن وتعزيز سلطة النظام والقضاء، حتى أصبحت هذه الجهود من الأسس التي قامت عليها الحياة المستقرة في المملكة.
وفي تقديري، فإن هذا الجانب من سيرة الملك عبدالعزيز يستحق أن يحظى باهتمام أكبر لدى الأجيال الجديدة، لأن الأمن الذي تنعم به المجتمعات لا يأتي بمعزل عن تاريخ طويل من بناء مؤسسات الدولة وترسيخ سيادتها، وقد أدرك المؤسس أن قوة الدولة لا تتحقق بحماية حدودها وحدها، وإنما أيضًا بقدرتها على ضمان سلامة الناس وتنظيم شؤونهم وصون مصالحهم.
ولم تنفصل هذه الرؤية عن اهتمامه بالحرمين الشريفين وخدمة ضيوف الرحمن، فقد كانت مكة المكرمة والمدينة المنورة في قلب مسؤوليات الدولة السعودية، وعمل الملك عبدالعزيز على تأمين طرق الحج وتحسين الخدمات وتنظيم شؤون الحجاج وتطوير المرافق المرتبطة بهم، إدراكًا للمكانة الدينية العظيمة التي تضطلع بها المملكة في خدمة الإسلام والمسلمين.
وهنا تتصل قراءتي المصرية للتاريخ السعودي بوجدان عربي وإسلامي مشترك، فقد ظلت الأراضي المقدسة حاضرة في قلوب المصريين عبر القرون، وكانت رحلات الحج والعلم والتجارة من أهم جسور التواصل بين مصر والحجاز، ثم جاءت الدولة السعودية الحديثة لتمنح خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن إطارًا مؤسسيًا أخذ يتطور عبر الأجيال، حتى وصل إلى المستويات المتقدمة التي نشهدها اليوم.
وإذا كانت مسيرة التوحيد قد أظهرت شجاعة الملك عبدالعزيز وحكمته السياسية، فإن بناء المؤسسات كشف جانبًا آخر من عبقريته القيادية، فقد أدرك مبكرًا أن الدولة تحتاج إلى أجهزة إدارية تتولى مسؤولياتها، وأن اتساع الأراضي وتعدد احتياجات السكان يفرضان تطوير أنظمة الحكم وتنظيم الاختصاصات، ولذلك شهد عهده تأسيس وتطوير العديد من المؤسسات التي أصبحت نواة لأجهزة الدولة الحديثة.
ففي عام 1926 أُنشئت مديرية المعارف، لتكون منطلقًا لتنظيم التعليم، وشهدت الفترة نفسها إنشاء مديرية الشؤون الخارجية، ثم تأسست وزارة الخارجية عام 1930، بوصفها أول وزارة في المملكة، وتولى مسؤوليتها الأمير فيصل بن عبدالعزيز، الذي أصبح لاحقًا الملك فيصل -رحمه الله-، كما تطورت أعمال مجلس الشورى والمجالس الإدارية، وتأسست أجهزة متخصصة في الشؤون المالية والقضائية والخدمية.
وتكمن أهمية هذه الخطوات في أنها بدأت قبل إعلان توحيد المملكة أو خلال السنوات الأولى التي أعقبته، بما يعكس أن الملك عبدالعزيز كان ينظر إلى البناء المؤسسي باعتباره جزءًا أصيلًا من تأسيس الدولة، وليس مرحلة منفصلة تأتي بعد اكتمال التوحيد، فقد أدرك أن قوة القيادة تحتاج إلى مؤسسات تستمر في أداء مسؤولياتها، وأن استقرار الحكم يرتبط بوجود أنظمة تنظم حياة المجتمع وتدير شؤون البلاد.
وأنا الذي تعاملت مع مؤسسات المملكة خلال سنوات إقامتي فيها، وجدت في العودة إلى هذه البدايات معنى مختلفًا لفكرة الاستمرارية المؤسسية، فالأجهزة الحكومية التي عرفتها في صورتها الحديثة هي ثمرة عقود طويلة من التطوير، بدأت مع احتياجات الدولة في عهد المؤسس، ثم اتسعت عبر جهود أبنائه الملوك من بعده، وأصبحت اليوم جزءًا من منظومة إدارية واقتصادية وتقنية متقدمة.
كما أولى الملك عبدالعزيز التعليم اهتمامًا مبكرًا، إيمانًا بأهمية إعداد الأجيال القادرة على تحمل مسؤوليات البناء، فشهد عهده افتتاح المدارس وتنظيم شؤون المعارف وإعداد المعلمين والابتعاث إلى الخارج.
ويستوقفني هنا أن المؤسس، رغم انشغاله بمسؤوليات التوحيد وإدارة شؤون الدولة، كان يدرك قيمة العلم والمعرفة والخبرة المتخصصة، ويحرص على الاستفادة من الكفاءات القادرة على المساهمة في تطوير المؤسسات، ولذلك استعان برجال دولة ومستشارين امتلكوا خبرات متنوعة في الإدارة والاقتصاد والتعليم والسياسة، في إطار رؤية تقوم على الاستفادة من المعرفة بما يخدم المصالح الوطنية للمملكة.
أما الاقتصاد، فهو أحد المحاور التي تكشف بعد نظر الملك عبدالعزيز، فقد أُعلنت المملكة العربية السعودية عام 1932، قبل اكتشاف النفط بكميات تجارية في بئر الدمام السابعة عام 1938، وهو تسلسل تاريخي يحمل دلالة بالغة الأهمية، إذ إن وحدة الدولة وتأسيس مؤسساتها سبقا الثروة النفطية، بما يؤكد أن المشروع الوطني السعودي قام أولًا على القيادة والرؤية والإ رادة، ثم جاءت الموارد الاقتصادية لتعزز قدرته على النمو والتطور.
وقد اهتم الملك عبدالعزيز بتنظيم الموارد المالية وتشجيع التجارة وتطوير المواصلات والاتصالات، كما حرص على الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية المتاحة، وصولًا إلى توقيع اتفاقية الامتياز النفطي عام 1933، التي فتحت الباب أمام عمليات الاستكشاف، ثم جاء اكتشاف النفط تجاريًا عام 1938، وبدأت صادراته عام 1939، لتدخل المملكة مرحلة اقتصادية جديدة أصبحت من أهم ركائز تطورها في العقود التالية.
ولم يكن النفط وحده محور اهتمام المؤسس، فقد شهد عهده خطوات في تنظيم العملة والشؤون المالية، وتطوير وسائل النقل والاتصال، وصولًا إلى إنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي عام 1952، كما امتدت جهوده إلى مشروعات ربط المناطق وتطوير الموانئ والطرق، ومنها خط سكة الحديد بين الدمام والرياض، الذي افتُتح عام 1951، وهي مشروعات ساعدت على تعزيز الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين مناطق المملكة.
ومن خلال هذه المحطات يمكن فهم طبيعة الرؤية الاقتصادية للملك عبدالعزيز، فقد تعامل مع الموارد باعتبارها وسيلة لخدمة بناء الدولة وتحسين حياة المجتمع، وكانت الأولوية تتمثل في توفير مقومات الاستقرار وتطوير الخدمات وإنشاء المؤسسات، وهو ما أتاح للأجيال التالية توسيع قاعدة التنمية والاستفادة من العوائد النفطية في بناء البنية الأساسية والقطاعات الاقتصادية والخدمية.
وفي السياسة الخارجية، تكشف سيرة المؤسس عن قائد أدرك أهمية حضور المملكة في محيطها العربي والإسلامي والعالم، فقد عمل على بناء علاقات متوازنة مع الدول، وتعزيز استقلال القرار السعودي، وإقامة الروابط السياسية والاقتصادية التي تخدم مصالح المملكة، وأولى اهتمامًا خاصًا بالقضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وقد شهد عهده تأسيس وزارة الخارجية وتوسيع التمثيل الدبلوماسي، ثم أصبحت المملكة من الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية عام 1945، وشاركت في تأسيس الأمم المتحدة في العام نفسه، بما عكس تطور مكانتها الدولية، وتزايد حضورها في القضايا الإقليمية والعالمية خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا من عمر الدولة الحديثة.
ومن أبرز المحطات الدبلوماسية في تلك المرحلة لقاء الملك عبدالعزيز بالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن الطراد الأمريكي كوينسي في البحيرات المرة بقناة السويس في الرابع عشر من فبراير عام 1945، وهو اللقاء الذي أصبح من العلامات المهمة في تاريخ العلاقات السعودية الأمريكية، وعكس المكانة التي اكتسبتها المملكة في الحسابات الدولية، والقدرة السياسية للمؤسس على التواصل المباشر مع قادة القوى الكبرى مع المحافظة على ثوابت المملكة ومصالحها.
ولم تكن مصر بعيدة عن هذه المحطات، فقد احتضنت أرضها ذلك اللقاء التاريخي، كما شهدت العلاقات المصرية السعودية خلال عهد الملك عبدالعزيز تطورًا متواصلًا، تُوج بتوقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار عام 1936، وتبادل الزيارات الرسمية، وتعزيز الروابط التعليمية والثقافية والدبلوماسية بين البلدين.
وتبقى زيارة الملك عبدالعزيز إلى مصر في يناير عام 1946 من المحطات التي أتوقف أمامها باهتمام خاص، فقد جاءت بعد زيارة الملك فاروق للمملكة، وشهدت استقبالًا رسميًا وشعبيًا حافلًا، وعكست عمق الروابط التي جمعت البلدين، كما شمل برنامجها عددًا من المؤسسات التعليمية والصناعية والعلمية المصرية، إلى جانب اللقاءات السياسية والرسمية.
وقد زار الملك عبدالعزيز خلال تلك الرحلة عددًا من المنشآت التعليمية والدينية والاقتصادية، كما شملت الزيارة مدينة المحلة الكبرى ومصانع الغزل والنسيج، وهي تفاصيل تكشف اتساع اهتمام المؤسس بالتجارب الاقتصادية والعلمية والصناعية، وحرصه على الاطلاع على الخبرات التي يمكن أن تسهم في تطوير القطاعات المختلفة.
وبالنسبة إلي، فإن قراءة هذه الزيارة تحمل معنى خاصًا، لأنها تعيد إحياء صفحة مهمة من تاريخ العلاقات المصرية السعودية، وتؤكد أن الروابط بين البلدين لم تكن قائمة على العلاقات السياسية وحدها، وإنما امتدت إلى العلم والتجارة والخبرة والعمل المشترك، وهي روابط واصلت نموها عبر العقود، وأصبحت اليوم من أهم مرتكزات العلاقات بين دولتين لهما ثقلهما العربي والإقليمي.
وإذا عدنا إلى شخصية الملك عبدالعزيز ذاتها، فإن من أبرز ما يميزها الجمع بين الحزم والرحمة، والشجاعة والحكمة، والقدرة على القيادة والاهتمام بأحوال الناس، فقد عُرف بقربه من المجتمع وحرصه على الاستماع إلى العلماء والوجهاء وأصحاب الرأي والخبرة، وكانت مجالسه صورة من صور التواصل المباشر بين الحاكم وأبناء وطنه، بما عزز الثقة وساعد على ترسيخ قيم العدل والشورى والمسؤولية.
كما تبدو قدرته على اختيار الرجال وتوزيع المسؤوليات من الجوانب التي تستحق التأمل في تجربته، فقد أدرك أهمية بناء فريق من الأمراء ورجال الدولة وأصحاب الخبرة يتولى إدارة الملفات المختلفة، وأسهم ذلك في تطوير أجهزة الحكم وتوسيع نطاق العمل المؤسسي، بما يتناسب مع اتساع مسؤوليات الدولة ونمو احتياجاتها.
وهنا أجد أن دراسة سيرة المؤسس تقدم لجيلنا مفهومًا متكاملًا للقيادة، فهي ليست مجرد القدرة على اتخاذ القرار في اللحظات الحاسمة، وإنما القدرة على بناء الثقة، وتحديد الأولويات، واختيار الكفاءات، وتأسيس المؤسسات، والمحافظة على وحدة المجتمع، واستشراف احتياجات المستقبل، وهي عناصر تتجاوز حدود الزمن الذي عاش فيه الملك عبدالعزيز، وتظل ذات قيمة في فهم تجارب بناء الدول وتقدمها.
لقد رحل الملك عبدالعزيز عام 1953، بعد أن ترك دولة موحدة راسخة الأسس، تمتلك مؤسساتها وعلاقاتها الدولية ومواردها الاقتصادية، وتستند إلى هوية وطنية جامعة، ثم واصل أبناؤه الملوك من بعده مسيرة البناء والتطوير، كل وفق متطلبات مرحلته، حتى وصلت المملكة إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، وما تشهده من تحولات تنموية واقتصادية كبرى بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز الله، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله-، في إطار رؤية السعودية 2030.
ولا أرى أن استحضار هذه الرؤية عند قراءة تاريخ المؤسس مجرد ربط بين الماضي والحاضر، وإنما هو امتداد لفكرة البناء المتجدد التي صاحبت الدولة السعودية عبر مراحلها، فقد كانت لكل مرحلة تحدياتها وأدواتها وأولوياتها، بينما ظلت وحدة المملكة واستقرارها وازدهارها وخدمة الحرمين الشريفين وتعزيز مكانتها من الثوابت التي قامت عليها مسيرتها.
وما بين استرداد الرياض عام 1902، وإعلان توحيد المملكة عام 1932، واكتشاف النفط تجاريًا عام 1938، وصولًا إلى مشروعات التنمية الكبرى في الوقت الحاضر، تتشكل أمامنا تجربة تاريخية تؤكد أن الدول العظيمة لا تُبنى في سنوات قليلة، وإنما تقوم على تراكم الإنجازات واستمرار العمل وإرادة القيادة والمجتمع، وأن قوة الحاضر تستند إلى عمق الجذور التي بدأ منها البناء.
ولعل ما تعلمته من سنوات إقامتي في المملكة أن احترام تاريخ الدول يصبح أعمق عندما نعرف مجتمعاتها عن قرب، فقد منحتني المعايشة فرصة لفهم بعض ملامح الشخصية السعودية، وتقدير ما تحمله من اعتزاز بتاريخها وقيادتها وهويتها الوطنية، ثم جاءت قراءتي لسيرة الملك عبدالعزيز لتمنح هذه المعرفة أساسًا تاريخيًا أوسع، وتجعلني أرى في المؤسسات والمشروعات التي عرفتها امتدادًا لمسيرة طويلة بدأت قبل أكثر من قرن.
وأعتقد أن ما يحتاج إليه جيلي والأجيال الجديدة عند قراءة تاريخ الملك عبدالعزيز هو التعمق في تجربته باعتبارها مدرسة في القيادة وبناء الدولة، وليس الاكتفاء بحفظ التواريخ والأحداث، فكل مرحلة من حياته تحمل درسًا في الإرادة والتخطيط والصبر والحكمة، وكل مؤسسة بدأت في عهده تعكس جانبًا من رؤيته للمستقبل، وكل خطوة في مسيرة التوحيد تذكرنا بأن بناء الأوطان يحتاج إلى رجال يمتلكون القدرة على تحويل الطموحات الكبرى إلى حقائق راسخة.
ولأنني مصري عشت سنوات بين أبناء المملكة، فإن هذه القراءة لا تنطلق من ذاكرة وطنية سعودية تخصني بالميلاد، وإنما من احترام اكتسبته بالمعرفة والمعايشة، ومن تقدير لتجربة تأسيسية كان لها أثر عميق في تاريخ المنطقة العربية، فقد عرفت المملكة في صورتها الحديثة، ثم قرأت سيرة مؤسسها لأدرك حجم المسافة التي قطعتها، وقيمة الجهد الذي بذلته قيادتها وأجيالها المتعاقبة في البناء والتطوير.
وفي ختام هذه الرحلة مع التاريخ، أجد أن أعظم ما تركه الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وطن موحد يمتلك مقومات الاستمرار والنمو، وهوية وطنية راسخة، ومؤسسات أصبحت أساسًا لمسيرة تنموية ممتدة، ومكانة دينية وسياسية واقتصادية تعززت عبر الأجيال.
لقد عرفت المملكة أولًا من خلال الحياة فيها، ثم عدت إلى سيرة الملك عبدالعزيز لأقرأ بداياتها، فوجدت أن تاريخ المؤسس ليس حكاية من الماضي نرويها للأجيال، وإنما تجربة وطنية كبرى تفسر جانبًا مهمًا من حاضر المملكة، وتمنحنا فهمًا أعمق لقيمة القيادة والوحدة والاستقرار، وتؤكد أن الرجال العظام لا يتركون وراءهم ذكريات المجد وحدها، بل يتركون أوطانًا تواصل صناعة المجد بعد رحيلهم.