محمد بن عودة الجهني
دول المنطقة ليست طرفًا في النزاع الأمريكي - الإيراني، ومع ذلك استُهدفت من إيران وأعوانها في العراق بمختلف أشكال المقذوفات والأحقاد والضغائن والتهديدات، حتى ظن البعض أن مبرر العجلة في إرسال 90 % من الصواريخ والمسيّرات إلى العواصم العربية جاء خشية استهداف ما سُمّي الشيطان الأكبر، المتوقع لأسلحة لم تُجهَّز في الأصل «للشيطان الأكبر»، فتم، تفضيل إيصالها قبل تدميرها لمن صُنعت من أجلهم.
تكرر الأمر ذاته عندما نشب النزاع بين الحكومة اليمنية الشرعية وميليشيا الحوثي الإيرانية؛ إذ وجّه الانقلابيون في صنعاء سهامهم نحو الأعيان المدنية والمعتمرين والمدنيين في المملكة العربية السعودية، في إطار نهج مسعور يتكرر بين الحين والآخر بدافع عقائدي يستوجب تحركًا دوليًا جادًا، شبيهًا بالموقف من القاعدة وداعش إبان تشكيل تحالف عالمي ضم 90 دولة بقيادة الولايات المتحدة، فاستطاع تحييد أخطار الإرهاب خلال خمس سنوات في سهول وهضاب العراق وسوريا، انطلاقًا من قناعة قائمة على أن الإرهاب بلا دين ولا مذهب، ولا جنس ولا جنسية.
الدول الطبيعية ذات السيادة، يا سادة، تملك، فيما يتعلق بقرار التصعيد العسكري، خيارات أوسع من تلك التي تحكم سلوك حركات متمردة لا تحمل على أكتافها وطنًا يستحق الصون، بقدر ما تحمل مشروع خراب، وحلم سلطة، ورغبة في ثارات مزعومة، وضوضاء مصحوبة بشعارات جوفاء تعزز التغرير بالقطعان والحالمين والحاقدين من المرتزقة وطوابير الأطفال.
لذلك، فإن التصعيد في حد ذاته غاية بالنسبة للمنظمات الخارجة على الفطرة والقانون، وسبيل وحيد للبقاء أطول مدة ممكنة. ففي حين تدخل الدولة المعركة ومعها شعبها ومكتسباتها وإنجازاتها وأمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها، وتخوض الحرب وفق قوانين ومبادئ وأعراف، وتدرك حجم ما تملك، وفي الوقت نفسه تدرك حجم ما يجب أن تحافظ عليه. فهي قادرة، دون شك، على توظيف قوتها بما يؤدي إلى حفظ أمنها وأمن مواطنيها والمقيمين على أرضها، وسحق مصادر الأخطار في الوقت الذي تختاره. على نقيض مسلك المنظمات الإرهابية التي توظف المستشفيات والأحياء السكنية دروعًا بشرية، وتنتهك براءة الأطفال فتقدمهم حطبًا لحرائقها، وتنظر للفوضى باعتبارها بطولة ومعيار انتصار ومدعاة لحشد المصفقين. وهي، إذ تفتقر إلى الحس الإنساني، تصبّ جهودها في التجييش والتسليح والشحن، وتظل معنية بمحاولات تقويض أمن الدول والشعوب والعمل على إعادتها إلى القرون البعيدة عبر استدراج واستغلال السذج بشعارات كاذبة واهية لا تلبث أن تنكشف، على غرار «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل»، فيما اقتصر الموت على العرب، وظلت رؤوس المعتمرين هدفًا للقذائف، وهنا تكمن الخطورة.
لا يمكن التغافل عن مستوى الوعي المراد تعظيمه في ظل انكشاف زيف الشعارات، وانتشار وسائل التواصل وسهولة اقتنائها، رغم محاولات تطويع التقنية لغرس الفتن. ولا يمكن غض الطرف عن الحاجة الماسة لبرامج تنوير احترافية تميز بين الحق والباطل، وتكفل عدم التأثر بالأكاذيب، وتئد مشاريع إشاعة الفوضى في مهدها، رغم الإيمان بأن البغض يحجب رؤية الحق؛ فالإحسان الذي لا يمكن إنكاره تنكره القلوب المريضة، لأن الغاية عند هؤلاء تبرر الوسيلة، وإن خرجت على قواعد الشهامة، مستشهدين بألم انسحاب الوفاء تجاه المعروف، نظير تفشي الإنكار والجحود بدوافع جلّها تنتمي لصفات الخزي والعار، رغم عدم وصول الأمر إلى مرحلة الظاهرة، أمام حالات وفاء تستدعي الفخر والاعتزاز، على شاكلة حديث شقيقنا الشهم الصادق الليبي، غير المضطر لتثمين المواقف السعودية الأصيلة، عندما استرسل قائلًا: «السعوديون على نياتهم يُرزقون؛ يصبرون وينتصرون، كما فعلوا ويفعلون، والويل لمن يختبر صبرهم ويجرّب بأسهم»، مستدلًا بمكائد حِيكت للمملكة، وفضائح كشفت تفاصيل دسائس ومؤامرات، ومذكّرًا بأحداث لوكربي، والدور السعودي النبيل الذي أفضى إلى حفظ ماء وجه المغامر والتخلص من وحل المغامرة، ومستشهدًا بالعزم السعودي المتفرّد على بذل الغالي والنفيس لخدمة الإسلام والمسلمين في شتى بقاع الأرض، دون أن ينسى الإشارة إلى وقوف الرياض شامخة، بالفعل قبل القول، في وجه التهديدات الموجّهة إلى الأمة الإسلامية عمومًا، والعربية على وجه الخصوص، مؤكدًا حفاوة استقبال رعايا دول العالم كافة، دون استثناء أو تمييز عرقي أو ديني أو مذهبي، مثمّنًا الرعاية السعودية لجميع مواطني الأقطار الإسلامية، بغض النظر عن مستوى العلاقات البينية مع دولهم، وفقًا لقدرة فذّة ونية صادقة ونظيفة، أدّتا إلى تطبيق قوله تعالى: «ولا تزر وازرة وزر أخرى»، في مواقف لا تُعدّ ولا تُحصى، حتى أضحت السعودية الوجهة المثالية لطالبي جودة الحياة، مشيرًا إلى جاذبية الدفء السعودي المغري بالبقاء وعدم الرحيل بعد الحصول على الإقامة، مؤكدًا استقرار كثيرين من القادمين من مختلف دول أوروبا داخل المدن السعودية، وتمتعهم بجودة الحياة والأمن والاستقرار ووافر الاحترام.أمام هذا الموقف الإسلامي العروبي الشريف الذي أصبح لافتًا في ظل تصاعد موجة الجحود والنكران، وأمام مواقف مماثلة نبيلة لا حصر لها، تتداعى إلى الأذهان مواقف مناقضة، خارجة عن رح الإسلام ومبادئ العروبة وقواعد الأعراف، ومفعمة بالبغضاء والأحقاد، وقائمة على مبدأ بائس يائس، تجسّد في مفهوم مقيت تتبناه ميليشيات زُرعت في خاصرة الأمة، لتنشر مفاهيم مخجلة قوامها: «إما أن تعيشوا الفقر والجوع كما نعيش، أو نعيش حياة الرفاهية كما تعيشون». وذلك هو الهدف الأساس لمجموعات غارقة في الجهل، عاجزة عن استعادة الوعي. لا تزال تسكن القرن الأول، ولا نزال عاجزين عن فهم دواعي استمرار جهلها، وسنظل كذلك إلى يوم الدين، كما يبدو.ولعلي أختتم مؤكدًا الحقيقة الراسخة الثابتة فيما يتعلق بمستقبل المنظمات الإرهابية، وهو مستقبل ينتهي دومًا بالفناء والانقراض المقترن بالعار والخزي، كما حدث لمئات المجاميع الإرهابية؛ وتلك سُنّة الحياة.